امتلكت شركتا أوبر وإير بي إن بي، منذ تأسيسهما قبل بضع سنوات وحتى يومنا هذا، العديد من الأمور المختلفة عن تلك التي عهدناها في الشركات الناشئة، بدءاً من معاناتهما مع المشرعين، إلى تحديهما لصناعتي سيارة الأجرة والفنادق، مروراً بتلقيهما استثمارات استثنائية من مستثمري رأس المال المغامر. كما ساهمتا إلى حد كبير في تشكيل طريقة تفكيرنا تجاه النقل ضمن المدن والسفر. يكشف كاتب موقع بلومبرغ التقني المخضرم براد ستون في كتابه “الإدعاء: كيف لشركة أوبر وشركة إير بي إن بي وذا كايلر المنضمين لموادي السيليكون أن يغيروا العالم؟” (The Upstarts: How Uber, Airbnb, and the Killer Companies of the New Silicon Valley Are Changing the World) النقاب عن عدة حقائق مرتبطة بصعود هاتين الشركتين. أجرت هارفارد بزنس ريفيو بدورها لقاء معه للاطلاع على الأمور التي تجعل هذا الجيل من الشركات التقنية الناشئة مختلفاً عما سبقه من أجيال.

لقد تم تحرير الحديث من أجل الطول والوضوح:

هارفارد بيزنس ريفيو: لقد كشفت تفاصيل جديدة تتعلق بكيفية نشوء كلتا الشركتين. لماذا يعتبر هذا مهماً؟

ستون: تقوم كل شركة بتبسيط حكاية تأسيسها، وهو الأمر المنتشر بكثرة وبخاصة في وادي السيليكون. لكن غالباً ما تكون قصص التأسيس الحقيقية فوضوية وتتضمن العديد من الأشخاص ممن غادروا الشركة في فترة مبكرة من التأسيس، وهو ما يجعل قصص التأسيس تتطور تدريجياً. وُصف تأسيس شركة أوبر على أنه جاء بطريقة استثنائية ومبدعة، إلا أنني علمت أنهم استلهموا الفكرة في الواقع من مشهد ظهر في فيلم جيمس بوند الذي يحمل عنوان “كازينو رويال” في العام 2006. في الفيلم، كان هناك مشهد لدانيال كريغ يستخدم فيه هاتفه، من طراز سوني إريكسون، لتتبع مسار السيارة باستخدام نظام تحديد المواقع، وهو ما أعطى غاريت كامب، أحد مؤسسي أوبر، فكرة استخدام الهواتف للسماح للمستخدمين برؤية مواقع سيارات الخدمة. أما القصة الأصلية لتأسيس موقع إير بي إن بي فتدور حول قرار اثنين من طلاب كلية التصميم استقبال ضيوف في شقتهما والسماح لهم بالنوم على فراش يتم ملؤه بالهواء. ربما كانت بدايات يشوبها الحظ، إلا أن علينا ألا ننسى أنهم كانوا في الأساس رواد أعمال يبحثون منذ فترة وبشكل يائس عن فكرة ناجحة لتأسيس شركة جديدة.

كيف يختلف المدراء التنفيذيون لشركتي إير بي إن بي (براين تشيسكي) وأوبر (ترافيس كالانيك) عن باقي مدراء الشركات التقنية في زمانهما؟

تطلب مني الأمر بعض الوقت للإدراك أنّ هذا يجب أن يكون الموضوع الرئيسي للكتاب. غطيت الأخبار التقنية لفترة زادت عن 20 عاماً قابلت فيها أناساً مثل مارك زوكربيرغ ومؤسسي شركة جوجل في وقت مبكر من حياتهم المهنية. كانوا سيئين جداً في مجال التواصل وحذرون للغاية من الصحافة. لم يكونوا رواة قصة جيدين لأن أعمالهم كانت تنتشر لوحدها كالنار في الهشيم وما يقدمونه يتحدث عن نفسه. كانت شركتا أوبر إير بي إن بي مختلفتين، إذا واجها معارك تشريعية مع المدن مع انطلاقهما. تلقت أوبر أول أمر بإيقاف أعمالها عندما كان لديها 6 موظفين فحسب. بسبب هذه التحديات، تطلبت هذه الشركات نوعاً مختلفاً من المدراء التنفيذيين. بمعنى آخر، أشخاص منفتحون على الخارج وبارعون في الحديث وسياسيون ويمكنهم بشكل ساحر جذب العملاء لقضيتهم.

تواجه هاتان الشركتان مخاطر وتحديات كثيرة تتعلق بقانونية خدماتهما. كيف أمكن لأصحاب رؤوس الأموال المغامر تقييم المخاطر لمعرفة إن كان عليهم الاستثمار فيهما أم لا؟

هناك عدة مفارقات نراها في حالة هاتين الشركتين، حيث عزفت عدة شركات رأس المال مغامر عن تمويلهما. وكان من اللافت هنا عدم ثقة بعض حكماء وادي السيليكون في إمكانية نجاح هذه الشركات، إذ قامت عدة شركات، مثل آندرسن هورويتز، برفض تمويل هاتين الشركتين في جولات طلب التمويل الأولى قبل أن تقرر تمويلها لاحقاً. كان سبب عدم التمويل مخاوف متعلقة بقانونية عملهما وذلك لأنهما كانا على وشك بدء معركة قانونية في كل مدينة، إضافة إلى أنّ هؤلاء المؤسسين لم يكونوا يبدون مثل مارك زوكربيرغ، والذي يمثل نوع المؤسسين الذين اعتادوا على دعمهم.

كيف ساهمت جماعات الضغط في مساعدة هذه الشركات على التوسع؟

عينت كلتا الشركتين جماعات ضغط في وقت مبكر، وهو أمر شائع لدى شركات “الاقتصاد التشاركي”، لدفع الحدود التشريعية. لقد رأينا مؤخراً انتقال عدد كبير من جماعات الضغط المهنية إلى شركات التكنولوجيا، وكثيراً منهم عملوا في إدارة الرئيس السابق أوباما، لأنهم رأوا فرصة للمساعدة في إنجاح هذه الشركات (وكسب أسهم بدء تشغيل مربحة).

ينبع جزء من نجاح شركتي أوبر وإير بي إن بي في التعامل مع المشرعين من حقيقة حصولهم على دعم في أوساط المستهلكين. كيف استفادت هاتين الشركتين من مستخدميهما كقوة سياسية؟

عانت كلتا الشركتين من مواجهات مع جهات منظمة وذات نفوذ كبير، حيث كانت أوبر، على سبيل المثال، تواجه شركات سيارات الأجرة الماهرة في الضغط على الحكومات المحلية. نفس الشيء انطبق على شركة إير بي إن بي والتي كانت تواجه أصحاب الفنادق. كان على هاتين الشركتين فعل شيء ما حيال ذلك. فكر كالانيك بمراسلة كل مستخدمي أوبر في واشنطن عبر حملة ضخمة بريدية وهاتفية وعلى تويتر يطلب فيها منهم الضغط على مجلس المدينة. نجحت الحملة لأن الناس يحبون أوبر، بالتالي هبوا للدفاع عنها. لو لم يكن لدى كلا الشركتين تواصل عميق مع المستهلكين، لم يكونا ليتمكنا من تنظيم حملاتهما بأسلوب الضغط القوي هذا.

هل كانت مصادفة ظهور شركتين ناشئتين تعتمدان على نماذج أعمال تتصادم مباشرة مع المشرعين؟

كان للأمر علاقة كبيرة بظهور هاتف آيفون ونظام أندرويد ومتاجر التطبيقات وانتشار نظام تحديد المواقع. علاوة على سهولة الدفع الرقمي واستخدام الفيسبوك لإنشاء هويات حقيقية للناس في المعاملات عبر الإنترنت. ساعدت كل هذه الأمور على تسهيل إنشاء الاتصال بين غرباء، وهو ما أدى بدوره إلى إنشاء تلك الشركات ووضعها في حالة صدام مع التشريعات القائمة.

تعرضت كلتا الشركتين لانتقادات تتعلق بحوادث مرتبطة بالسلامة (حوادث مرورية واعتداءات جنسية وإقامة غير آمنة وغير ذلك). ما مدى جودة معالجتها لهذه القضايا؟

في البدايات، لم تكن كلتا الشركتين مستعدتان، وهو أمر مؤسف. لم يكن من الصعوبة بمكان تخيل أن طلب أشخاص غير مختصين للعمل كسائقي أجرة وتصفحهم هواتفهم الذكية أثناء القيادة يمكن أن يؤدي إلى وقوع حوادث مأساوية، أو أنه عندما يحوّل أشخاص عاديون شققهم إلى غرف فنادق، قد لا تكون هناك تدابير السلامة متوفرة (مثل كاشفات الغاز). حاولت كلتا الشركتين التصرف أمام تلك المآسي، إذ وزعت إير بي إن بي أجهزة كشف عن الدخان إلى العوائل المسجلة في خدماتها، في حين عززت أوبر من إجراءات التحقق من خلفية السائقين والأمان. هناك مشاكل لا مفر منها للشركات العاملة ضمن آفاق عالمية ضخمة، لكن باتت الشركتان في وضع أفضل تجاه التعامل معها والتواصل بشأنها.

كان آخر كتاب لك السيرة الذاتية لمؤسس أمازون جيف بيزوس. بالمقارنة معه، يبدو أن تشسكي وكالانيك ذي طموحات أصغر وأقل تغييراً للعالم.

هذا صحيح حالياً. لكن تذكر أنّ عمر هذه الشركات أقل حتى من نصف عمر شركة أمازون. عندما كانت أمازون في نفس السنة التي فيها الشركتين الآن، كان لا يزال وقتها موقعاً بسيطاً حيث لم يكن يقدم آنذاك خدمات كيندل أو برايم أو خدمات الويب. أرى هذا الكاتب كجزء ثانٍ لكتاب “متجر كل شيء” (The Everything Store). إنّ تشسكي وكالانيك هم تلاميذ لبيزوس، كما أنّ الأخير استثمر شخصياً في أوبر وإير بي إن بي. لقد تعلما الكثير من جيف، وقاما بتطوير الشركتين على نفس نمط شركة أمازون. تحاول كلا الشركتين الدخول في مجال أعمال جديد: تعمل أوبر على مشاريع سيارات من دون سائق وتوصيل المواد الغذائية، في حين أطلقت إير بي إن بي خدمتي “خبرة” (Experiences) و”تريبس” (Trips) لتصبح شاملة في مجال الرحلات. لا تبدوان كلتا الشركتين حالياً قادرتان على تغيير حياتنا بالطريقة التي قامت بها أمازون، ولكن عليك إعطاءهما الوقت.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!