أثار إعلان شركة جنرال موتورز عن اعتزامها إغلاق خمسة معامل في أميركا الشمالية وإنهاء 1,400 وظيفة، نقاشات كثيرة في الإعلام وغضباً كبيراً في واشنطن. وعلى الرغم من أنّ خسارة الوظائف تشكل ضربة مريعة للعمال وعائلاتهم والأنظمة الاقتصادية المحلية في المناطق التي توجد فيها تلك المعامل الخمسة، إلا أنه بإمكان هذا القرار الحيلولة دون وقوع أزمة كالأزمة التي نتجت عن سعي الشركة لحماية نفسها من الإفلاس عام 2009 ودفع الحكومة الأميركية قروضاً تبلغ 50 مليار دولار لإنقاذها. سيكون أفضل بكثير بالنسبة لشركة جنرال موتورز أن تعيد تخصيص مواردها الآن في هذا الوقت لا أن تنتظر الوقوع في ورطة. وينطبق الأمر ذاته على الموظفين المتأثرين، فسوق العمل المزدحم يعني أن هناك فرصاً لمن يخوضون إعادة التدريب. 

هناك أسباب مباشرة وجيهة لقرارات شركة جنرال موتورز، إذ مرت مبيعات السيارات في الولايات المتحدة بفترة ازدهار بفضل الأشخاص والشركات الذين أجلوا شراء سيارات جديدة أثناء فترة الركود العظيم. ولكن الآن، ربما تكون مبيعات السيارات قد تجاوزت الذروة الدورية في الولايات المتحدة والصين أيضاً، إلا أنّ هناك قدرة دولية لتجميع السيارات تلبي هذا الطلب الكبير. والمشكلة الثانية هي انخفاض الطلب على السيارات صغيرة ومتوسطة الحجم في الولايات المتحدة بصورة كبيرة، ولا يوجد عدد كبير من الزبائن الراغبين بشراء سيارة جنرال موتورز الهجينة (شيفي فولت). 

تسببت جميع هذه العوامل بخسائر جسيمة للمعامل التي تم إغلاقها. على سبيل المثال، يسير معمل لوردزتاون في أوهايو الذي يصنع سيارة شيفي كروز بنوبة عمل واحدة، بعد أن كانت ثلاث نوبات منذ بضع سنوات، وأنتج في العام 2017 ما يقرب من 180,000 سيارة بعد أن وصل إنتاجه عام 2013 إلى 248,000 سيارة. 

بالنسبة للشركات القائمة على رأس المال الضخم، هناك كلفة ثابتة مرتفعة ونموذج تشغيل ذو كلفة متغيرة منخفضة. وإذا تم تخفيض حجم الإنتاج بصورة كبيرة سيكون على السيارات التي يتم إنتاجها امتصاص نسبة أكبر من التكاليف الثابتة، وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى دخول المنتج في دوامة مميتة للربحية. وفي كل يوم تشغل فيه شركة جنرال موتورز أحد هذه المعامل تقوم بإنفاق المزيد من الموارد التي يمكن تخصيصها لأماكن أخرى. 

هناك مشكلة أخرى تتعلق بإعادة تخصيص الموارد في مواجهة التغيرات الجوهرية في السوق: متى وكيف تكون أفضل الطرق للقيام بها؟ هذه الأسئلة لا تطرح بصورة كافية، وهي مهمة لأن الشركات تبني الأصول والقدرات لإيصال منتجات وخدمات لسوق مستهلكين يقدّرونها في نقطة زمنية معينة. ولكن الأسواق والأذواق متغيرة، ومن الصعب تغيير الأصول وعمليات الشركة. ونظراً للتغيّر في الطلب المباشر في سوق الولايات المتحدة من السيارات صغيرة ومتوسطة الحجم إلى الشاحنات الخفيفة وسيارات الدفع الرباعي والحاجة طويلة الأمد لدى شركة جنرال موتورز للانتقال إلى السيارات الكهربائية والسيارات ذاتية القيادة، أعتقد أن شركة جنرال موتورز ذكية بما يكفي للتصرف الآن، حيث يستطيع تمويلها النقدي الذاتي تحمل إغلاق هذه المعامل والاستثمار في منتجات جديدة. 

إذن، نصل إلى السؤال عن كيفية إعادة تخصيص الأصول. تشكل شركة جنرال موتورز مثالاً قوياً للعديد من الشركات التي استفادت من إفلاسها للتخلص من الأصول. فعندما أطلقت إجراءاتها أثناء ذروة فترة الركود العظيم، أوقفت إنتاج سيارات بونتياك وأولدزموبيل وساتورن وهامر بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الأصول القديمة الأخرى. كما استثمرت شركة جنرال موتورز إفلاسها في إنهاء اتفاقيات الموزعين وإعادة التفاوض على عقود العمل والتخلص من طرق عمل استمرت لعقود ولم تعد مواكبة لاحتياجات السوق.

أعتقد أن أفضل طريق هو إعادة هيكلة العمليات موضع النقاش قبل أن تصبح تهديداً لاستمرار الشركة بوقت طويل. وهذا ما تحاول شركة جنرال موتورز فعله. وهناك طريقة أخرى للقيام بذلك وهي بيع القطع التي لم تعد قابلة للاستدامة لمن يملك القدرة السياسية على إعادة هيكلتها. وكان السبب المنطقي الأساسي لعدد كبير من أنشطة التمويل الخارجي هو وضع الأصول في أيدي من يستطيع إعادة هيكلتها. وقد فعلت شركات ديترويت الثلاث الكبرى ذلك بالنسبة لعدد كبير من عملياتها الخاصة بإنتاج المكونات.

هناك سؤال آخر منفصل يثيره إعلان شركة جنرال موتورز، وهو: من المسؤول عن إعادة تدريب العمال الذين خسروا وظائفهم ومساعدتهم في إيجاد طرق جديدة لإعالة عائلاتهم؟ تكمن المأساة في أميركا بعدم وجود إجماع بين القادة في الشركات والحكومة. هل يجب أن تعتبر إعادة التدريب صالحاً عاماً أم منفعة خاصة؟ يبدو أن معظم أرباب العمل لم يعودوا يتحملون المسؤولية الأساسية في هذا الأمر، ويبدو أن النقاشات على عدة مستويات حكومية تخلط بين هذا السؤال وشروط "المنفعة". لكن، كما هي الحال فيما يخصّ التعليم، أعتقد أن الأمر هو مصلحة عامة، حيث يستفيد كل من الشركات والأفراد وكذلك المجتمعات حولهم. إذ تستطيع القوى العاملة القادرة ذات المهارات المواكبة للعصر جعل المجتمع أو المنطقة جذابة لأرباب العمل المحتملين. والأمر السارّ هو أن القيادة المحلية على مستوى القاعدة الشعبية تجد حلولاً فعالة من أجل إعادة التدريب، وهذا موضوع مقال جديد شاركت في تأليفه مؤخراً. 

إذن، وبصورة مجملة، من الأفضل لكل من شركة جنرال موتورز والعمال المتأثرين أنّ تتصرف الشركة الآن بدلاً من انتظار تفاقم المشاكل. صحيح أن العمال سيعانون من درب صعب، ولكن يجب أن يسألوا أنفسهم: هل من الأفضل لهم التمسك بوظيفة غير دائمة لأطول مدة ممكنة أم محاولة التغيير الآن؟ لقد تعلمت من خلال عملي أن معظم المشكلات في قطاع الصناعة لا تتحسن مع مرور الوقت، وأكاد أكون متأكداً أنّ هذه المشكلة بالتحديد لن تتحسن أبداً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!