زُرعت بذور ثورة الرعاية الصحية التي يقودها المستهلك في أوائل شهر مارس/آذار، وقد تقلب هذه الثورة نظام الرعاية الصحية الأميركي رأساً على عقب. ويأتي هذا الاضطراب المحتمل من مصدر غير متوقع: قانونان مقترحتان من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية واللذان قد يساعدا على تضافر جهود المستهلكين وأكبر شركات التكنولوجيا الأميركية.

وتُركز الأنظمة الصادرة عن مكتب المنسق الوطني لتقنية المعلومات الصحية (ONC) ومراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية (CMS) على حد سواء على السماح للمستهلكين بحرية وسهولة الوصول إلى بياناتهم الصحية ومنحهم خيار مشاركة هذه البيانات مع شركات التكنولوجيا الكبيرة أو أي جهة أخرى من اختيارهم.

يتطلب قانون مكتب المنسق الوطني من مقدمي الرعاية الصحية ومزودي السجلات الصحية الإلكترونية (EHR) إتاحة البيانات الصحية للمرضى إلكترونياً وبسهولة وبتكلفة رخيصة. ويُعتبر ذلك تنفيذاً لأحكام قانون العلاج للقرن الحادي والعشرين لعام 2016 الذي يتطلب من مقدمي الخدمات والبائعين اعتماد ما يسمى واجهات البرامج التطبيقية المفتوحة. تتيح واجهات برمجة التطبيقات (APIs) تفاعل البرامج المختلفة مع بعضها البعض. كما ستتيح واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة للمستهلكين إمكانية الوصول المباشر إلى سجلاتهم الصحية الإلكترونية وبياناتهم السريرية الشخصية عبر أطراف ثالثة مخوّلة. فكر في واجهات برمجة التطبيقات بمثابة أنفاق إلى مستودعات البيانات السريرية التي تم إعدادها من قبل السجلات الصحية الإلكترونية. وفكر في الأطراف الثالثة كقوى جديدة وراسخة لتكنولوجيا المعلومات مثل آبل وأمازون وجوجل، والتي فُوّضت من قبل المرضى للعمل كأُمناء على البيانات نيابة عنهم.

ويهدف قانون مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية إلى تحرير بيانات المرضى من مصدر آخر بالغ الأهمية، ألا وهو شركات التأمين. تقترح مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية استخدام سلطتها التنظيمية على المؤسسات العامة والخاصة التي تغطي الأفراد المشمولين بالتأمين علناً لمطالبتهم أن تكون بيانات زبائنهم الخاصة متاحة لهم بسهولة في شكل إلكتروني، مثل خطط برنامج امتياز الرعاية الطبية (Medicare Advantage) وبرنامج الرعاية الطبية المدارة (Medicaid Managed Care) وخطط برنامج التأمين الصحي للأطفال (CHIP)، والخطط الخاصة التي تعمل في أسواق قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة التي تديرها الحكومة الفيدرالية. وسيكون على شركات التأمين تبادل البيانات ليس فقط مع المرضى والأطراف الثالثة المصرح لها ولكن أيضاً مع شركات التأمين الأخرى بناء على طلب المرضى. ومرة أخرى، ستكون التقنية الرئيسة هي اعتماد واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة التي تُتيح للأطراف الثالثة المخولة من قبل المرضى إمكانية ولوج نفق المستودعات الإلكترونية واستخلاص معلومات الرعاية الصحية.

ما هي المشكلة إذن؟ كيف يمكن لهذه التقنية المعقّدة أن تُحدث ثورة في الرعاية الصحية؟ يكمن السبب في قدرتها على فتح سوق الرعاية الصحية في وجه المنافسة التي يقودها المستهلك بطرق لم يسبق لها مثيل في تاريخ الطب في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر. وعلى الرغم من قيام إدارة ترامب بتقييم أي تعليقات على القوانين المقترحة التي تقدمها الأطراف المعنية، إلا أنها أشارت إلى دعمها لشفافية البيانات في الماضي، ما يشير إلى أنها لن تقوم بمراجعة هذه القوانين بشكل كبير.

وأحد أسباب كون أسواق الرعاية الصحية معيبة جداً وغير فعالة هو افتقار المستهلكين والمرضى إلى المعرفة لاتخاذ خيارات جيدة، حيث يفتقرون إلى البيانات بشأن صحتهم وحول العواقب الصحية والاقتصادية لقراراتهم على وجه الخصوص. يمكن للسجلات الصحية الإلكترونية وهذه القوانين الاتحادية الجديدة أن تغير ذلك بشكل أساسي من خلال منح المرضى إمكانية وصول غير مسبوقة إلى المعلومات التي يحتاجونها بغية جعلهم مستهلكين حكيمين للرعاية الصحية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك فجوة كبيرة حتى مع تحرير البيانات بين النظرية والتطبيق حول إنشاء أسواق الرعاية الصحية الوظيفية التي يقودها المستهلك. وأهم مشكلة هي أن البيانات ليست كافية في حد ذاتها. فضلاً عن كون الكثير من المستهلكين غير مهيئين لفهم ردود المعلومات المفصلة التي تملأ سجلاتهم الصحية الإلكترونية ومحفوظات بياناتهم الخاصة. وهم بحاجة إلى مساعدة في تنظيم تلك البيانات وتفسيرها في ضوء تاريخهم الصحي والمؤلفات العلمية وموارد الرعاية الصحية المتاحة لهم في مجتمعاتهم المحلية.

ويكمن الحل في اعتماد المستهلكين على شركات تكنولوجيا المعلومات لجمع وإدارة وصقل البيانات بالنيابة عنهم. وهذا هو سبب ذكر "الأطراف الثالثة المخولة" في القانون. وتقوم صناعة تكنولوجيا المعلومات بتوظيف الأطباء بشراسة لمساعدتها على فهم الجوانب التقنية والعلمية للرعاية الصحية. ويكمن هدفها الواضح في تجميع بيانات المرضى السريرية، وأفضل العلوم، والعديد من موارد البيانات الأخرى المتاحة بُغية تزويد شركات تكنولوجيا المعلومات بالمعرفة، ومن ثم دمجها في مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ومهارتهم في صنع برمجيات سهلة الاستخدام للمستهلكين. والنتيجة المأمولة هي إنشاء أدوات دعم قابلة للاستخدام في الوقت المناسب لتمكين قرارات المرضى ولتغيير قواعد الرعاية الصحية وأسواقها. وقد اقترحنا في موضع آخر أن هذه العملية قد تُفضي إلى ما ندعوه "مستشاري الصحة الرقمية". بمعنى آخر، خلق مستشاري صحة لمستهلكي الرعاية الصحية على غرار المساعد الشخصي أليكسا أو سيري.

وباعتبار شركة آبل مؤشراً رائداً في السوق فكرت في إبرامها بالفعل اتفاقيات مع أكثر من 200 من مقدمي الرعاية الصحية، سواء شركات الأنظمة الكبيرة أوالممارسات الصغيرة، لتنزيل بيانات المرضى بإذنهم على أجهزة آبل باستخدام واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة وبرامج آبل الجديدة. وسيكون من المدهش ألا تكون آبل السرية تعمل بالفعل على طرق لجعل هذه البيانات مفهومة ومفيدة للمستهلكين.

ويبقى هذا السيناريو موضع تكهّن. لا تزال هناك عقبات أخرى أمام ثورة الرعاية الصحية التي يقودها المستهلك. كما تكثر تهديدات خصوصية المريض وأمنه عندما يُسمح لأطراف ثالثة بالوصول إلى بيانات المرضى. وبقدر ما يبدأ وكلاء تقنية المعلومات هؤلاء في تقديم المشورة السريرية للمستهلكين، فمن المحتمل أن يتدخل المنظمون لطلب ضمانات حول السلامة والفعالية. إذا كانت الأدوات الجديدة تقود المرضى إلى اتخاذ قرارات الرعاية الصحية غير الحكيمة أو الخطيرة من وجهة نظر أطبائهم، فقد يُقوّض رد الفعل العكسي انتشارها.

ومع ذلك، مع نشر هذه القوانين، ومع احتمالية اتخاذ المزيد من الإجراءات العامة والخاصة في المستقبل، تُفتح الأبواب على مصراعيها أمام نظام الرعاية الصحية الذي قد يبدو مختلفاً تماماً عن الوضع الراهن. لطالما كان من المتوقع أن يكون لرقمنة بيانات الرعاية الصحية آثار مثيرة وغير متوقعة. ويمثّل التمكين الحقيقي للمرضى إحداها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!