أعلنت شركة آبل مؤخراً عن خاصية جديدة لساعة آبل، حيث سيكون بوسع الإصدار الأخير من الساعة قياس إيقاعات القلب وإشعار المرضى بالأنماط غير الطبيعية والأضرار المحتملة. لكن الأطباء يساورهم الشك في قدرة هذه الساعة على القيام بذلك. ويتمثل الهم الأكبر للأطباء في أنّ هذه الخاصية لم تخضع لاختبارات صارمة، ويمكن أن تقدم بيانات غير موثوقة، ما يخلق إحساساً زائفاً بالخطر بين مستخدميها، ويؤدي إلى مطالبة المرضى بإجراء فحوص غير ضرورية.

وعلى الرغم من أنّ هذه المخاوف منطقية، إلا أنه لا ينبغي أن يسارع الأطباء بصرف النظر عن هذه الخاصية الجديدة، خاصة وأنها تظهر في خضم حماس متزايد من قبل المستهلكين للأجهزة القابلة للارتداء التي تقيس السلوكيات الصحية. وتتمتع ساعة آبل الذكية بإمكانية تقديم بيانات عالية القيمة تفيد مجتمع الرعاية الصحية بأسره.

مراقبة القلب

يسمح تطبيق مخطط كهربية القلب، الذي من المرتقب أن يظهر لأول مرة لاحقاً العام الجاري في الإصدار الرابع من ساعة آبل الذكية، للمستخدمين بلمس التاج الرقمي لتوليد مخطط كهربية القلب في غضون 30 ثانية. ومخطط كهربية القلب هو تسجيل للنشاط الكهربي للقلب. وعلى الرغم من أنّ تطبيق مخطط كهربية القلب في ساعة آبل أبسط من نظيره الذي يُجرى في عيادة الطبيب، فمن الممكن استخدامه لفحص إيقاعات قلبية غير طبيعية بعينها. ويُروّج للتطبيق حالياً على اعتبار أنه يرصد في المقام الأول الرجفان الأذيني، وهو أشهر حالات اضطراب النظم القلبي التي تصيب حوالي 1% من الأميركيين، ولاسيما البالغين الأكبر سناً، ما يجعلهم عرضة لخطر الإصابة بمضاعفات كالسكتة الدماغية.

عندما ابتُكر مخطط كهربية القلب في البداية، كان القائم على تفسيره حصراً الأطباء، غير أنّ الطفرات التي طرأت على تقنية الحوسبة يسرت على أجهزة الكمبيوتر تفسير بيانات مخطط كهربية القلب. وعلى الرغم من أنّ التفسيرات الحوسبية لبيانات مخطط كهربية القلب ليست مثالية، فقد أصبحت الآن جزءاً من الرعاية الصحية الروتينية على مدى عقود. ولقد أثبتت دراسة أُجريت عام 1991 أنّ دقة الخوارزميات الحوسبية كادت تضارع دقة أطباء القلب (وتفوقت عليهم في بعض الحالات) فيما يختص بالكشف عن الإيقاعات  القلبية غير الطبيعية ضمن مخطط كهربية القلب. وقد شهدت تكنولوجيا مخطط كهربية القلب تحسناً فقط على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة.

لكن اشتهر عن الرجفان الأذيني تاريخياً صعوبة رصده بخوارزميات الكمبيوتر، ولن يكون مخطط كهربية القلب استثناء لذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات التي أُجريت على مخطط كهربية القلب لساعة آبل أنّ حوالي ثلث القراءات التي رصدها "تعذر تفسيرها" على الخوارزمية (أي أنّ التطبيق لم يستطع أن يحدد نوع الإيقاعات القلبية الجاري قياسها)، وحتى لو كانت تلك القراءات سهلة التفسير، فإنّ الخوارزمية يمكن أن تقع في أخطاء تتعلق بتبريرها .

لقد "أجازت" إدارة الغذاء والدواء الأميركية استخدام تطبيق ساعة آبل تجارياً (وهو ما لا يعني التصديق عليه للاستخدام الطبي)، لكنها أعلنت أنه ليس مخصصاً لتقديم تشخيص طبي. وصرحت الإدارة أنّ المرضى ما زالوا بحاجة إلى زيارة الطبيب لتحديد ما إذا كانوا يعانون حقاً من الرجفان الأذيني، وإذا صح ذلك فهم بحاجة إلى العلاج، وهي المهمة التي ربما كانت شاقة ومكلفة. ومن المتوقع أنّ تطبيق مخطط كهربية القلب في ساعة آبل سيحيد عن الصواب في عدة حالات، وسيخطر المرضى عن طريق الخطأ بأنهم ربما يعانون من رجفان أذيني، ولذلك يساور الأطباء القلق من الضغوط التي يمكن أن تمارسها فحوص تطبيق مخطط كهربية القلب الإيجابية الخاطئة على المرضى وعلى مهنتهم وعلى منظومة الرعاية الصحية بأسرها.

مزايا المزيد من البيانات

على الرغم من أنّ الأطباء على حق إذ يساورهم القلق بخصوص زيادة عدد الفحوص الإيجابية الخاطئة، فيمكن أن يكون تطبيق مخطط كهربية القلب على الرغم من ذلك مفيداً لمجتمع الرعاية الصحية. وقد ينتج عدداً ضخماً من مشتري ساعات آبل الذكية الذين قُدّروا بـ 18 مليون شخص عام 2017، وهذه أرقام غير مسبوقة.

تتمثل الميزة الأبرز على الإطلاق في أنّ الساعة ربما رصدت الرجفان الأذيني لدى المرضى الذين لا يعلمون إصابتهم بالمرض أصلاً، ما يفضي إلى المساعدة في العلاج المبكر وتراجع نسبة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية. من الناحية النظرية، بالنسبة للمرضى الذين يعانون من آلام الصدر، يمكن أن يستخرج أطباء الطوارئ مخطط كهربية القلب الذي يجريه المريض قبل وصوله إلى المستشفى، ما يساعد الطبيب على إجراء تشخيص أفضل والتعجيل بالعلاج، ربما بواسطة تحديد إيقاعات قلبية محددة تظهر في حالات مثل النوبات القلبية. وبالنسبة للمرضى الذين يعانون ألماً في الصدر وضيقاً في التنفس ودواراً وغير ذلك من الأعراض وثيقة الصلة، من الممكن أن تكون هذه المعلومات قَيّمة جداً للأطباء.

ويمكن أن تكون البيانات أيضاً مفيدة في حالة الوفاة بالسكتة القلبية المفاجئة التي تُعدّ سبباً مهماً ومفاجئاً غالباً وأحياناً يمكن معالجته، للوفاة بين البالغين الشباب، وهي الشريحة العمرية تحديداً التي تستخدم الساعة الذكية. وإذا سجل المرضى مخطط كهربية القلب قبل وفاتهم، يستطيع الأطباء الشرعيون أيضاً مراجعة البيانات، واستخلاص المزيد من الرؤى حول سبب الوفاة، بما في ذلك على سبيل المثال ما إذا كان السبب حالة وراثية.

وفضلاً عن فائدة البيانات في حالات المرضى الفردية، فمن الممكن جمعها لمستخدمي الساعة الذكية جميعاً، وربطها بالمعلومات السريرية وتحليلها لفهم أفضل لعدد المرات التي تكون فيها إيقاعات القلب غير الطبيعية هي السبب الرئيس وراء حالات الإصابة بالأمراض وحالات الوفاة. على سبيل المثال، إذا تسنى الربط بين بيانات مخطط كهربية القلب والإيقاعات غير الطبيعية للقلب التي تظهر في ذاك المخطط والآثار الصحية السلبية، فيجوز تطوير الخوارزميات التي ترصد هذه الإيقاعات غير الطبيعية. إننا نعلم بالفعل أنّ إيقاعات القلب غير الطبيعية الكامنة قد تشير إلى آثار صحية سلبية في المراحل المرضية النهائية، كالنوبات القلبية والموت القلبي الفجائي وحالات الوفاة تأثراً بجلطات الرئة، إلخ. ولكن إذا تسنى الربط بين البيانات المتعلقة بهذه الآثار وبيانات مخطط كهربية القلب المستخلصة من ساعة آبل، فيمكن التنبؤ بتلك الآثار الصحية السلبية.

ويمكن أن يستفيد الجميع من جمع كميات كبيرة من البيانات الصحية ومشاركتها. فقد رأينا ذلك رأي العين في مجالات صحية أخرى. في عام 2012 مثلاً، أصدرت المبادرة العالمية لأمراض الرئة نتائج مستخلصة من قاعدة بيانات تضم حوالي 100 ألف فحص تنفس طبيعي لمرضى تختلف أعمارهم وأجناسهم وأطوالهم وخلفياتهم العرقية، ما سمح للأطباء بإجراء تشخيصات أفضل وأكثر تخصصاً لمرضى ضيق التنفس. وبوسع ساعة آبل تسجيل ملايين المخططات لكهربية القلب بغية بناء قاعدة بيانات ضخمة تمتد لشرائح سكانية مختلفة، ما يبشر بمستقبل يمتاز بتفسير متخصص جداً لمخطط كهربية القلب.

ويستطيع الباحثون أيضاً استخدام مخططات كهربية القلب التي تجمعها ساعة آبل لدراسة التغيرات في النشاط الكهربي للقلب لأعداد كبيرة من المرضى الذين يعانون أمراضاً أخرى غير قلبية ويعيشون في أماكن بعينها ويتبعون حميات غذائية محددة، إلخ. ومن الصعب التنبؤ بالإمكانات الكامنة وراء استخدام هذا التطبيق الجديد. وقد ترصد الخوارزميات الجديدة أنماطاً أو إيقاعات غير طبيعية جديدة أصغر أو أدق من أن يراها مفسرو مخطط كهربية القلب، لكن يمكن للكمبيوتر أن يرصدها، ما يسمح للأطباء بالعثور على المؤشرات الأولى لمرض ليس بوسعهم رصده حالياً.

ومن المقرر أن تفحص "دراسة آبل للقلب" (Apple Heart Study)، التي تجري في جامعة ستانفورد والمتوقع أن تُختتم في عام 2019، بيانات مجمّعة من نماذج أقدم لساعة آبل ترصد معدل نبض القلب، غير أنها لا تجمع مخططات كهربية القلب. ويمكن أنّ تستغرق الدراسات المستقبلية التي تتضمن بيانات مخطط كهربية القلب المستخلصة من أحدث ساعة ذكية لآبل سنوات لإجرائها، لكنها تتمتع بإمكانية توفير معلومات مفيدة، واحتمالية تحسين رعاية المرضى في نهاية المطاف.

إنّ عدد الأجهزة المحمولة والتطبيقات وغيرها من وسائل قياس السلوكيات الصحية يزداد زيادة سريعة. وسيضطر الأطباء إلى ألا يباشروا التعامل مع تطبيق مخطط كهربية القلب الخاص بساعة آبل فقط، بل وفي العديد من التقنيات الأخرى التي يستخدمها المرضى لمراقبة حالتهم الصحية. وبينما يشكك الأطباء بشكل منطقي فيما إذا كانت هذه التقنيات ستؤدي إلى زيارات غير ضرورية إلى الأطباء وإلى إجراء فحوص وشعور بالقلق من قبل المرضى بلا داع، فإنه من الأهمية بمكان اقتناص الفرص والتشجيع على إنتاج المعلومات الفريدة التي تستخلصها هذه التقنيات ومشاركتها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!