هل توجد علاقة بين ريادة الأعمال واضطرابات الصحة النفسية؟

5 دقائق
الصحة النفسية في بيئة العمل
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يُبدي كتّاب السير الذاتية (التراجم)، منذ وقت طويل، اهتماماً باستكشاف الصحة النفسية في بيئة العمل والمشكلات النفسية التي كانت تدفع كبار المفكرين وأصحاب الإنجازات العظيمة، وتسبّب لهم المعاناة، مثل تشارلز داروين وألبرت أينشتاين. وتبحث الصحافية العلمية والطبية كلوديا كالب في كتابها “آندي وورهول كان مهووساً باكتناز المقتنيات: “رحلة داخل عقول أعظم الشخصيات في التاريخ” (Andy Warhol was a Hoarder: Inside the Minds of History’s Great Personalities)، حالات اثنتي عشرة شخصية من الشخصيات المشهورة وتقيّم الأدلة التي تشير إلى أن كل شخصية من هذه الشخصيات قد عانت من أحد أنواع اضطرابات الصحة النفسية. وفي حين أن كتاب كلوديا هذا لا يتعلق بمجال الأعمال في حد ذاته، إلا أنه يُعتبر ذا أهمية بالنسبة إليه مع تزايد عدد الأشخاص الذين أصبحوا على دراية بأن الأمراض النفسية تُعتبر إحدى مشكلات أماكن العمل.

الصحة النفسية في بيئة العمل

لقد أجرت “هارفارد بزنس ريفيو” مقابلة مع كلوديا كالب للحديث حول جدوى حالات اضطرابات الصحة النفسية، بصفة خاصة، في فهم رواد الأعمال. وفيما يلي مقتطفات منقحة من هذه المقابلة:

من المحاور التي تناولها كتابك أن الأشخاص المصابين بالأمراض النفسية غالباً ما يجدون السبل التي تكفل لهم تحويل تصرفاتهم إلى ميزة لهم، وفي واقع الأمر فيوجد بحث جديد بشأن هذه الظاهرة بين رواد الأعمال. فما مدى شيوع هذا الأمر؟

يجب أن تتذكر أن الصحة النفسية تنقسم إلى طائفة واسعة من الحالات، فمن ناحية، يوجد الأشخاص العاجزون عن العمل، مثل شخص يعاني من اكتئاب حاد ويقضي أيامه مستلقياً على السرير. فمسألة أن يكون هؤلاء الأشخاص منتجين غير واردة في هذه الحالة، غير أنّ الشخص الذي يخرج من نوبة اكتئاب ويعود إلى العمل يمكن أن يتمتع بقدرة أكبر على التركيز وعلى رؤية المواقف على نحو أكثر واقعية دون الإفراط في التفاؤل. وثمة مجال واسع النطاق من الأبحاث المتعلقة فيما يطلق عليه “واقعية الاكتئاب”. وغالباً ما يُشار إلى أبراهام لينكولن، الذي تناولته في كتابي، باعتباره قائداً عانى من الاكتئاب، وتوجد الكثير من النظريات المتعلقة بمدى تأجيج اكتئابه لقدرته على فهم وقائع الحرب الأهلية في أميركا، وعلى مراعاته لما كان يحدث في طرفَي الحرب كليهما. كما أنه قد وظف العمل سبيلاً لانتشال نفسه من الاكتئاب، لذا، هناك شعور أن اضطرابه النفسي قد ساعد في تحفيزه. لكنّ هذا الأمر لا يحدث في الحالات كلها، بطبيعة الحال، إلا أنه توجد كتب أُلِّفت بشأن الأشخاص الذين ساعد مرضهم النفسي في دفعهم قدُماً لتبوؤ منصب ما كانوا ليحصلوا عليه من دونه.

ما الأمراض النفسية الأخرى التي تحتل مكانة بارزة في قصص ريادة الأعمال؟

يمكن أن تكون النرجسية إحدى أكثر العِلل النفسية ذات الصلة بريادة الأعمال انتشاراً، وخير مثال على ذلك هو فرانك لويد، فقد كان يتصف بالصفات النرجسية التقليدية المتمثلة في الإحساس بالعظمة والتفوق والإيمان الهائل والكامل بحسه الجمالي والاستخفاف بالهندسة المعمارية التي لا ترتقي إلى مستوى معاييره. ويتحلى الأشخاص النرجسيون بالقدرة على أن يكونوا جذابين، وعلى استدراج الأشخاص إلى محيطهم. ومن الواضح أن هذه الخصائص مفيدة لرائد الأعمال. والمسألة هنا هو أنه بينما يمكن أن تجعل منك هذه الصفات قائداً جيداً، فإنها يمكن ألا تجعل منك مديراً ناجحاً، فغالباً ما يشعر الموظفون أن المدراء النرجسيين عديمو الرحمة ويفتقرون إلى التعاطف. كما أنه خلافاً للأشخاص المصابين باضطرابات الاكتئاب أو القلق، فإن الأشخاص النرجسيين لا يعانون بالقدر نفسه شخصياً من اضطرابهم، إلا أنّ الطريقة التي يتصرفون بها يمكن أن تكون أقسى بكثير على الأشخاص المحيطين بهم.

يبدو هذا مشابهاً لحالة ستيف جوبز.

نعم، هذا صحيح. فغالباً ما يُستشهد به باعتباره مثالاً على هذه الحالة. ويوجد الكثير من الباحثين الذين يدرسون النرجسية في مجال الأعمال، فهم يُجرون دراسات استقصائية على المسؤولين التنفيذيين ورواد الأعمال، وحتى طلاب ماجستير إدارة الأعمال. ومن المنطقي أن الأشخاص الذين يُقدِمون على المخاطرة، والذين يتحلون بالثقة العالية بالنفس والإحساس بالتفوق يمكن أن يكونوا أكثر استعداداً للتفوق على منافسيهم. ومن شأن أنواع الاضطرابات النفسية الأخرى أن تكون أكثر إبطالاً للفاعلية، فمن الصعب للغاية التفكير في اضطراب القلق أو اضطراب الوسواس القهري باعتبارهما يساعدان الشخص على التفوق في مجال الأعمال. كان هاوارد هيوز، الذي كتبتُ عنه في كتابي، رائد أعمال ناجحاً، لكنه أصبح في الشطر الثاني من حياته، منعزلاً تماماً بعد أن ساءت حالة إصابته باضطراب الوسواس القهري أكثر. فلم يستطع التعامل مع الأشخاص في أوساط الأعمال أو في المجتمع.

وماذا بشأن اضطراب نقص الانتباه أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وأثره على رواد الأعمال؟

هذا الاضطراب غالباً ما يُنظر إليه باعتباره صفة إيجابية لدى رواد الأعمال، لأن الأشخاص المصابين باضطراب نقص الانتباه غالباً ما يُقدِمون على المخاطرة ويتحلّون بحيوية عالية ودافعية هائلة ودائماً ما يكونون في حالة نشاط. وغالباً ما يُستشهد بديفيد نيلمان، مؤسس شركة الطيران الأميريكة “جيت بلو” (JetBlue)، باعتباره مثالاً على هذه الحالة. وفي حين أنّ من الممكن وجود جوانب سلبية للإصابة باضطراب نقص الانتباه، إلا أنّ هذا الاضطراب لا يُعتبر سلبياً بقدر النرجسية، فإن مؤهلات الاستحقاق والتفوق تشكل عبئاً ثقيلاً على الزملاء والموظفين.

ويوصف قادة الشركات التقنية، مثل بيل غيتس، في بعض الأحيان، بأن لديهم أعراضاً تشير إلى الإصابة بمتلازمة أسبرجر. هل يبدو لك هذا أمراً معقولاً؟

أنا لا أعرف بشأن بيل غيتس، إذ إنني لم أدرس تصرفاته. وما كان يُعرف باسم متلازمة أسبرجر يُدرج في الوقت الحالي في نطاق مصطلح أعم هو اضطرابات طيف التوحّد، لكن توجد بالفعل أبحاث مهمة تدرس احتمال وجود صلة بين المواهب العلمية، بل وحتى العباقرة، ومتلازمة أسبرجر. ويعتبر ألبرت أينشتاين أحد الأمثلة على هذه الحالات التي تخضع للبحث بشأنها، فقدرته على الانكفاء على عقله والدخول في حالة تركيز مفرط، إلى درجة تصرف انتباهه عن أي شيء آخر، كانت تمثل جانباً مهماً من جوانب طريقته في التوصل إلى اكتشافاته. غير أنها قد سبّبت له أيضاً بعض المشكلات، فقد كان فوضوياً عندما عمل مُعلّماً، ولم تكن طريقته في تقديم المعلومات إلى الطلاب تتسم بالوضوح الشديد. ويمكن أن تشكل هذه الصفات مشكلة في بيئة الأعمال، فغالباً ما يجد الأشخاص المصابون بمتلازمة أسبرجر صعوبة عندما يتعلق الأمر بالتفاعل الاجتماعي والترابط الاجتماعي والتواصل الفعال. إلا أنهم يكونون، في بعض الأحيان، عباقرة فيما يجيدون فعله على نحو يجعل الأشخاص يغضون الطرْف عن اختلافهم، ويمكن أن ينطبق ذلك على القادة في الشركات التقنية.

هل تعتقد أن احتمال نجاح شخص يعاني من مرض نفسي يزداد عندما يعمل في بيئة عمل ريادية أصغر حجماً، بدلاً من عمله في بيئة عمل بيروقراطية؟

هذه فكرة جديرة بالاهتمام، لأنه من الناحية النظرية، إذا كنتَ تتصف بالخصائص التي نتحدث عنها، في مكان عمل أصغر حجماً – وهو ما قد يبدو نادراً وغير متوقع – يمكن أن يكون الأشخاص أكثر تقبّلاً لحالتك، نظراً لأنه مجتمع صغير من الموظفين. وعلى الأرجح، توجد فرصة أكبر أن تكون منفتحاً، لأنه إذا كان أحد الأشخاص مصاباً بمرض نفسي بوسعه الاعتراف به، وتلقي العلاج اللازم له، فإنه سيكون أكثر قدرة على النجاح من الشخص الذي يتخبط أو لا يتفهم الأثر الوخيم الذي ينجم عن حالته المرضية على عمله. وتنبع الوصمة من عدم فهمنا جوهر أمراض الصحة النفسية، وعدم إدراكنا أننا نتصف، على الأقل، ببعض هذه الخصائص. فجميعاً نتملك الدافع إلى الاكتناز وإلى أن نكون مهووسين وموسوسين، أو نُظهر علامات نقص الانتباه. ويعود السبب في تعلّم المزيد بشأن هذه الأمراض النفسية، جزئياً، إلى عدم وصم الأشخاص، بل إلى تحسين فهمنا بشأن المكان الذي أتى منه الأشخاص، وكيف يمكن لهذه السمات أن تكون إيجابية، في تحسين الصحة النفسية في بيئة العمل.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!