هل نستطيع بداية الاتفاق على عدم وجود ما يسمى رواد الشركات؟

يحط مصطلح "رواد الشركات" من قيمة ما يفعله روّاد الأعمال الحقيقيون، ويخلق جواً من الهراء والسخف حول أشخاص يحاولون الابتكار والإبداع في شركات كبيرة، ما يوقعهم في فخ الفشل والإخفاق.

هناك اختلاف شاسع بين الأشخاص الذين يبتكرون أو يصممون أفكاراً جديدة داخل شركة كبيرة، وبين رواد الأعمال الحقيقيين.

فعلى أحد الجانبين نجد أشخاصاً يحيون في كنف الثقة واليقين ـ فلديهم المرتب الثابت، والخيارات المختلفة التي يمنحها لهم ثبات عملهم، كما إنهم ينعمون بأجواء الراحة التي توفرها لهم المؤسسة أو الشركة التي يعملون فيها. وعلى الجانب الآخر من المقارنة، نجد إمكانية تحقيق الثروة الهائلة. ثروة لا تحدها حدود ـ من طائرات وجزر خاصة يستطيع المغامر أن يمتلكها وينعم بها، وما بين الجانبين، من الميل إلى الراحة، إلى حب المغامرة، هناك ملايين الطرق المتشعبة، ربما يصادفك الإخفاق في بعض منها، وربما يكون نصيبك الهلاك التام في بعض آخر منها.

لقد قمت حتى الآن بإجراء مقابلات شخصية مع المئات من رواد الأعمال الحقيقيين، مثل: مؤسسو أمازون، وآبل، وبيوجن (Biogen)، ومركز بوسطن العلمي بأميركا، وآي روبوت، ونتفليكس، وباي بال، ويوتيوب، بالإضافة إلى قادة المشاريع الجديدة والقادة المبتكرين في شركات كبيرة مثل ديزني، وتويوتا، وكوكا كولا.

ووجدت أنّه يوجد خمسة أمور تفرّق بين الذين يحبون الراحة وبين الذين يفضلون المغامرة:

البيروقراطية والسياسة

أي شيء جديد في شركة كبيرة يكتنفه ويثقله كم هائل من الإجراءات الروتينية والاجتماعات اللانهائية للتواصل والتنسيق، والحاجة إلى التغلب على التعارض بين المصالح المتنافسة. أما في ريادة الأعمال الحقيقية، فتسيطر عقلية "الحركة السريعة وعدم الخضوع لأي قواعد من شأنها الحد من حرية التقدم". (بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك قسم للشؤون القانونية أو  إدارة مراقبة التطبيق يجب الحصول على موافقتهما قبل أي تصرف ومع كل كبيرة وصغيرة).

المكاسب

تتمتع ريادة الأعمال الحقيقية بإمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية لا يستطيع أن يحققها أو يحلم بها أي موظف ممن هم دون مستوى الرئيس التنفيذي في الشركات الكبرى. قام بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، بإنشاء مؤسسة لديها وقف خيري قدره 40 مليار دولار؛ أما مؤسس شركة أوراكل ـ لاري إليسون ـ فيمتلك جزيرة لاناي في هاواي، بالإضافة إلى بضع طائرات يمكنه استخدامه ليصل إلى جزيرته.  أسمع أحياناً القادة في شركات كبرى يستغرقون في التفكير حول إنشاء حوافز على نمط "الشركات الناشئة" لمكافأة الأشخاص الذين تتفتق أذهانهم ومخيلاتهم عن أفكار ذكية يمكن أن تساعد في زيادة الإيرادات أو الحد من المصروفات، وقليلون هم من يسيرون الطريق حتى النهاية لتحقيق هذا الهدف.

الخوف من الفشل

إنّ القلق يسيطر على رواد الأعمال الحقيقيين بشكل مستمر حول الأمور التي يمكن أن تثبت أنها كارثية بالنسبة لشركاتهم، مثل الضائقات المالية، أو المشكلات الفنية في المنتجات، أو ظهور منافس يتمتع بتمويل جيد. لا يهم ما عليه أي شركة قائمة وراسخة من سوء في الأداء، لنأخذ على سبيل المثال شركات مايسيز (Macy’s)، أو جنرال إلكتريك، أو عملاق التأمين أيه آي جي؛ ليس هناك أي شخص على الإطلاق يمكن أن يجرؤ على التفكير أنّ ثمة شيء يمكن أن تقوم به هذه الشركات قد يتسبب بشكل مباشر في خروج إحداها من سوق الأعمال. لا شيء يمكن أن يجعل نجمها يأفل، تماماً مثلما لا يمكن أن تتوقف الشمس عن الشروق.

المثابرة

لن يتردد رواد الأعمال الذين يحاولون إنجاح أفكارهم الخاصة بالعمل في فعل أي شيء في نطاق قدراتهم لكسب المزيد من الوقت: تسديد الفواتير على بطاقات الائتمان الشخصية الخاصة بهم، الحصول على قروض إسكان، أو العثور على مشاريع استشارية لتغطي بضعة أشهر أخرى من الاختبار. قمتُ في إحدى المرات بإجراء مقابلة شخصية مع رائد أعمال، وقد ذكر لي أنه بدلاً من أن يدفع المال لشراء شقة في كامبريدج، ضمن ولاية ماساتشوستس الأميركية، عثر على عمود تهوية في المبنى الذي يقع فيه مكتبه، وقام بوضع فراش داخل عمود التهوية، واستخدمه كغرفة نوم له. الموظفون في الشركات الكبرى لا يتكبدون تلك المشاق والصعاب، وفي الغالب لا تسمح لهم استراتيجية الشركات أو تغيّر القيادات بالمثابرة لصقل أي مفهوم جديد والوصول به لحد الكمال. في مارس/آذار من العام 2015، قامت شركة تارغيت (Target) بتعيين ثلاثة موظفين خارجيين في وظيفة "رائد أعمال مُقِيْم". مع حلول العام 2017، تم إنهاء عمل الثلاثة دون الاستفادة مما فعلوه على الإطلاق، وتحولت مشاريعهم إلى مجرد ملفات في أدراج أو على رفوف مكتبية. هل هناك ثمة شيء يمكن لرائد الأعمال الحقيقي أن يتوقع أن يكون له أي أثر أو نتيجة في نطاق هذا الفترة الزمنية؟

القطاع الخاص مقابل القطاع العام

يتحتم في الغالب على رواد الأعمال الحقيقيين التعامل مع وإدارة أصحاب رؤوس الأموال ممن يتسمون بالعناد والشراسة في مجالس إدارتهم، أو التعامل مع مجموعة غير قليلة من المستثمرين من الأفراد كل على حدة. ولكن كل المشاركين في شركة ناشئة، يعملون على المدى الطويل لتحقيق أهدافهم وطموحاتهم. ولا ينطبق هذا على الشركات العامة، حيث يقوم المحللون بفحص وتدقيق المعايير والمقاييس الربع سنوية، ويسعى المستثمرون الناشطون إلى شراء حصص ضخمة وإلى الدفع نحو التغيير.

إنّ استخدام مصطلح "رائد الأعمال" داخل مؤسسة كبيرة ـ سواء كنتَ شخصاً مخضرماً على الأجل الطويل أو كنت شخصاً من خارج المؤسسة يتم جلبه في محاولة لبناء أعمال ومشاريع جديدة ـ يجعلك تقع في فخ الفشل والإخفاق. فمهمتك محفوفة بالمخاطر والصعاب والحرب على كل الجبهات لتحقيق أهداف صعبة. فكلما حاولت إنجاز الأمور بشكل مختلف، وتجميع الزملاء وتوجيههم في اتجاه جديد، زاد عنادهم وازدادت محاولاتهم لإرغامك على الامتثال للقواعد. وكلما زادت محاولاتك لجلب "أشخاص آخرين يعملون بعقلية الشركات الناشئة"، زادت احتمالية أن يؤدي ذلك من جانبك إلى خلق ثقافة فرعية، وتتكون لدى باقي العاملين في المؤسسة نزعة فطرية إلى رفضها ونبذها. (في استطلاع للرأي أجرته في يناير/كانون الثاني الماضي شركة Innovation Leader، جاء أنّ البند رقم 2 في جدول الأعمال بين المبتكرين في الشركات الكبيرة هو: كيفية تحفيز التغيير الثقافي وتقبّل المخاطرة). إنّ اصطلاح "رائد الأعمال" نفسه يخلق تصوراً أنك تتمتع بالحرية، والمرونة، والمزايا، والمكافآت، والمنزلة الرفيعة التي لا تتوفر للآخرين، حتى وإن لم يكن هذا حقيقياً.

لا يعني هذا أنه لا يمكننا القول أنّ الأشخاص الذين يعملون في شركة كبيرة لا يمكنهم النجاح في استكشاف نماذج عمل جديدة، أو تصميم منتجات رائعة، أو تجارب جديرة بالملاحظة، أو السعي لدخول أسواق جديدة. من الأهمية بمكان البحث عن طرق جديدة لدفع النمو. ولكن ينطبق هذا أيضاً على أهمية فهم السياق الذي تعمل فيه، والشركاء الذين تحتاج إليهم لتحقيق الكفاءة والفاعلية، وفهم اختلاف المخاطر والمكافآت في هذه الشركات الكبيرة عنها في ريادة الأعمال.

هناك قواسم مشتركة بين المبتكرين الناجحين في الشركات، ورواد الأعمال الناجحين. راحت هذه العوامل تظهر على السطح بشكل منتظم في المقابلات الشخصية التي كنت أقوم بإجرائها مع أشخاص مثل مؤسس شركة نتفليكس ـ ريد هاستينغز (Reed Hastings)، أو الفريق الذي يعمل في شركة ستاربكس الذين قاموا بإنشاء نظامهم الناجح للطلب عبر الأجهزة المحمولة والذي حقق نجاحاً هائلاً. كانت لدى كل هؤلاء رؤية حول طريقة تغيّر العالم، ورغبة في بناء نماذج أولية سريعاً، ورح تواقة ومشتعلة لاختبار هذه النماذج بأسرع وقت مع العملاء للوقوف على ما ينجح منها في العمل في الواقع ويحقق أهدافهم.

ولكن إذا لم يقتنع العملاء بكل ذلك ويقوموا بالشراء، فسوف ينفذ ما لدى رواد الأعمال من مال، وينطفئ النور، ويبدأ البحث عن طريق جديد لدفع ما عليهم من التزامات من قبيل الرهون العقارية العالقة، وكذلك، السعي الجاد والشاق إلى استرجاع العلاقات مع الأصدقاء وأفراد العائلة ممن اقترضوا منهم الأموال ولا يكادون يستطيعون سدادها. أما الموظفون في الشركات الكبرى، ودعونا هنا لا نطلق عليهم مسمى "رواد أعمال الشركات"، فإنهم يستطيعون بكل بساطة التخلص من كل هذه المشكلات والخروج منها بأن يقولوا إنّ ما تم كان من قبيل "التجربة والتعلم في إطار الشركة أو المؤسسة" ويتم نقلهم وتعيينهم مجدداً في مناصب جديدة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!