تمثل ظاهرة "العمال الفقراء" إحدى المشكلات المتنامية في أميركا، وهي مشكلة محرجة على نحو متزايد بالنسبة لنخبة الشركات. إذ يتعين على قادة الأعمال الذين يميلون أخلاقياً لفعل الشيء الصحيح القيام بدور أكبر لحل هذه المشكلة، وهم يستطيعون فعل ذلك من خلال رفع الأجور إلى مستوى تكفي فيه أرباح الموظفين لسد تكاليف المعيشة.

شعر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان تشيس (JPMorgan Chase)، بارتباك مؤخراً أثناء جلسة استماع للجنة الخدمات المالية في مجلس النواب بالولايات المتحدة، عندما سألته كاتي بورتر، عضو الكونغرس عن كاليفورنيا، عن النصيحة التي سيعطيها لإحدى الناخبات، وهي أمينة صندوق في أحد البنوك التابعة له، تجني 2,425 دولاراً شهرياً، وتعيش مع ابنتها في شقة بغرفة نوم واحدة بإيجار يكلفها 1,600 دولار في مدينة إرفاين. ويكلفها الطعام والخدمات العامة ورعاية ابنتها والتنقل حوالي 1,400 دولار إضافية، ما يجعلها بحاجة إلى 567 دولاراً شهرياً. لم يملك ديمون إجابة جيدة.

يعتبر ديمون واحداً من عدد من قادة الشركات الذين أعربوا عن القلق العام من أنّ نسخة الرأسمالية التي سمحت لهم أن يكونوا ناجحين جداً ليست مستدامة لمجتمعنا. ويشمل هؤلاء القادة وارن بافيت وراي داليو وبول تودور جونز. إنّ البيانات محبطة. فينما تضاعف الدخل قبل اقتطاع الضريبة بين عامي 1980 و2014 لأعلى 1% في الهرم الوظيفي، وتضاعف ثلاث مرات لأعلى 0.1% في الهرم الوظيفي، كان ثمة تغير طفيف لأدنى 50% في الهرم الوظيفي. وفي عام 2017، عمل أكثر من 45 مليون أميركي في مهن بمتوسط أجور أقل من 15 دولاراً لكل ساعة. وعلى الرغم من تسارع وتيرة الزيادة في الأجور في الأونة الأخيرة، يعيش 40% من الأميركيين على حافة الهاوية حتى إنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف غير متوقعة بقيمة 400 دولار، مثل صيانة السيارة أو زيارة طبيب الأسنان.

وبالنسبة لقادة الأعمال الذين يعملون في مجالات تشبه المجال الذي يعمل فيه بنك جي بي مورغان تشيس، حيث تكون هوامش الربح مرتفعة ويشكل الموظفون ذوو الأجور المتدنية عنصراً بسيطاً مؤثراً في التكلفة الإجمالية، يعتبر القيام بالشيء الصحيح غير خطر من ناحية أخلاقية. تعوض بعض الزيادات في الأجور نفسها من خلال زيادة الإنتاجية وتقليل دوران الموظفين، حيث يكون الموظفون أكثر دافعية وأقل تشتتاً بمشاكل الحياة وأقل تلهفاً للعثور على وظيفة أفضل. وبالنسبة للقادة المقتنعين بنفس الحجة الأخلاقية ولكنهم يعملون في شركات ذات هوامش ربح متدنية ولديها نسبة عالية من الموظفين ذوي الأجور المتدنية، لا يزال فعل الشيء الصحيح ممكناً. ولكنه يتطلب الكثير من العمل.

عندما يكون لفعل الشيء الصحيح خطر قليل على العمل

قام العديد من قادة الأعمال خلال السنوات القليلة الماضية بزيادة كبيرة لرواتب الموظفين المتدنية، ما يشير إلى ضرورة أخلاقية و"جدوى تجارية" على حد سواء. في عام 2015، أعلن مارك بيتوليني، الرئيس التنفيذي لشركة أيتنا إنشورانس (Aetna Insurance)، عن رفع الحد الأدنى للأجور من 12 دولاراً إلى 16 دولاراً في الساعة. وقال إنّ وجود موظفين في شركات مدرجة ضمن قائمة "فورتشن 100" يعيشون على المساعدات العامة ويستفيد أطفالهم من برنامج الرعاية الطبية "ميديكيد" لم يكن شيئاً صحيحاً. وإلى جانب ذلك، فقد كان بوسعه تبرير "فعل الشيء الصحيح" من ناحية اقتصادية، حيث كانت لديه نظرة تقول: "دعنا ننظر إلى جميع الفوائد المحتملة التي يمكننا تحقيقها، الصعبة والسهلة، كنتيجة لهذا الاستثمار، ونضع عليها بعض الأرقام، ونقف في الخلف ونقول: هل نحن على استعداد للمخاطرة بهذا؟".

في عام 2016، أعلن جيمي ديمون بنفسه أنّ بنك جي بي مورغان تشيس سيزيد الحد الأدنى للأجور لـ 16,000 من موظفيه من 10.15 دولار في الساعة إلى ما بين 12 دولاراً و16 دولاراً في الساعة، حسب المكان الذي عملوا فيه. وقال: "إنه الشيء الصحيح لفعله"، وأنّ ذلك سيفيد الشركة من خلال جذب المواهب والاحتفاظ بها. كانت الزيادة في الأجور كبيرة، على الرغم من أنها لم توفر للجميع، بمن فيهم ناخبة النائب كاتي بورتر، زيادة في الأجور كافية لتغطية تكاليف المعيشة.

والأمر المشترك بين هذه الأمثلة هو أنّ الشركة تستطيع بالفعل تحمّل الزيادة، حيث طالت زيادة بنك جي بي مورغان تشيس 7% فقط من موظفيه، وكان للشركة هامش ربح يكفي ويزيد لتحمل هذه الزيادة. وينطبق الشيء ذاته بالنسبة لشركة أيتنا.

عندما يكون فعل الشيء الصحيح من شأنه القضاء على الأرباح

ولكن ماذا يحدث عندما لا تستطيع الشركة تحمل زيادة كبيرة في الأجور بسهولة؟ بالنسبة لبعض الشركات مثل أيتنا، يمكن لزيادة بنسبة 30% للموظفين الأدنى أجراً أن تقضي على الربحية، على المدى القصير. خذ تجارة التجزئة على سبيل المثال، والتي تعتبر بمثابة المشغل الأكبر في الولايات المتحدة، حيث تبلغ تكاليف العمالة حوالي 10% من المبيعات وقد يكون هامش الربح بأرقام فردية. ويوجد العمال الفقراء في أوضاع عمل كهذه تتميز بكثافة عمالة مرتفعة وهوامش ربح منخفضة. وقد كان متوسط الأجور في عام 2017 للعمال في قطاع التجزئة في الولايات المتحدة والبالغ عددهم 8.7 مليون شخص يساوي 10.77 دولار في الساعة.

ويرغب بعض قادة قطاع التجزئة بإنصاف موظفيهم الأدنى أجراً. ويتم أيضاً الضغط عليهم من منظور تنافسي:  يزداد الحد الأدنى للأجور، وأسواق العمالة صغيرة، ويتطلب إنشاء تجربة زبائن مذهلة قوة عاملة محفزة وبارعة ومستقرة. وفي الواقع، أعلنت العديد من شركات التجزئة، بما فيها أمازون ووول مارت وسي في إس (CVS) وتارغيت، عن زيادة الأجور منذ أوائل عام 2018.

ولكن عندما تتضخم أعداد العمالة ويبدو هامش الربح معيقاً للأجور العالية، فكيف يمكن للشركات أن تجعل الوضع الأخلاقي والتنافسي ناجحاً على الصعيد المالي؟ تكمن طريقة الخروج من هذا المأزق في تصميم وظائف بطريقة تزيد من إنتاجية العمال وتمكنهم من زيادة المبيعات وخفض التكاليف. وبموجز العبارة، ستجعل الدفع أكثر للعمال ممكناً من خلال زيادة قيمتهم بالنسبة لعملك. وهذا كما تتخيل يتطلب تركيزاً مختلفاً للقيادة ونظرة مختلفة على طبيعة أكثر الأصول قيمة بالنسبة للشركة والاستثمارات التي تتطلبها.

يمكن لشركة كوستكو (Costco) على سبيل المثال أن تقدم 15 دولاراً في الساعة كحد أدنى للأجور وأن تدفع لموظفي المتجر بمتوسط 22 دولاراً في الساعة مع امتيازات جيدة لأنها صنعت خيارات تصميم خاصة لنظام التشغيل، مثل تقديم منتجات وإعلانات أقل، ووضع معايير واضحة، وتمكين الموظفين من اتخاذ القرارات، ما يعطي الموظفين القدرة على زيادة إنتاجيتهم والمساهمة على نحو كبير في زيادة القيمة بالنسبة للزبون.

ويتطلب نظام تشغيل كوستكو أيضاً قيادة تتمتع بالميزات الرئيسة التالية:

التواضع: تقبل أن لا أحد يستطيع تصميم كل شيء من أعلى قمة الهرم وأنّ أفضل الأفكار لتحسين العمل تأتي من أشخاص يقومون بهذا العمل.

الثقة في الموظفين: إيمان عميق بأنّ معظم الموظفين يريدون أداء عمل جيد وأن يكونوا فخورين بعملهم.

الشغف بالتميز التشغيلي: القيام بكل الواجبات العادية وإتقان الأمور المهمة على نحو خاص. قال المؤسس المشارك في كوستكو جيم سينيغال لتلاميذي: "إذا كنت شخصاً ترى الصورة الكبيرة، فأنت لست في الصورة. تجارة التجزئة تكمن في التفاصيل". وعندما قام جيم بإدارة شركة كوستكو، فقد أمضى حوالي 200 يوم سنوياً في زيارة المتاجر. وركّز على التفاصيل، من حيث كيفية عرض المنتجات، وكيفية تسعيرها، دائماً بعيون الزبائن.

يتعين على قادة الأعمال الذين يعملون في مجالات صعبة مثل تجارة التجزئة ويفضلون تقديم أجور كافية لسد تكاليف المعيشة بدلاً من أجور على مستوى خط الفقر، أن يعلموا أنّ بإمكانهم أن يفعلوا ذلك من خلال إعادة تصميم عملياتهم بطريقة تسمح لهم بتحمل هذه الأجور دون رفع الأسعار. هذا عمل شاق وسيكون عليك اتخاذ قرارات صعبة. هل أنت من ذلك النوع من القادة الذين لديهم الاستعداد للمضي قدماً والدفاع عما يفعلونه، عند مجلس الإدارة والمحللين، على الصعيد المالي والتنافسي والأخلاقي؟

بالنسبة لجيمي ديمون، فأنا آمل أن يقوم بتقييم الأجور في شركته أكثر من ذلك وأن يفعل الشيء الصحيح، حتى لو كان عليه أن يفعل ذلك بالطريقة الصعبة مع وظائف مصممة بشكل أفضل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!