يعد موضوع رعاية أو تبني كبار القادة للمواهب الصاعدة من المواضيع الساخنة في الوقت الراهن ضمن الشركات الأميركية. فرئيس مجلس إدارة ديلويت، مايك فوكي، يتحدث عن هذا الموضوع بشكل علني؛ في حين أعلنت شركة سيسكو عن حملة للتعهد برعاية المواهب أطلقت عليها اسم "التأثير المضاعِف"؛ وعلاوة على ذلك طبقت عشرات الشركات برامج رعاية خاصة بها؛ فضلاً عن أن غالبية (إن لم نقل جميع) المتبنين لممارسات التنوع والشمولية يذكرون الرعاية بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لإدخال التنويع إلى سويات القيادة العليا.

لكن هنالك أمر ما يعيق نجاح رعاية المواهب. فلقد وجدنا في آخر بحوثنا التي أجريناها في مركز ابتكار المواهب أنّ الرعاة أنفسهم لا يدركون ماهية دورهم والطريقة المثلى لتأديته على أحسن وجه. ولقد خلصنا إلى هذه النتيجة اعتماداً على دراسة استقصائية تمثيلية للولايات المتحدة استبينا فيها آراء أكثر من 3,000 موظف في سويات قيادية متعددة. وقد سألنا المستجيبين في استباناتنا ما إذا كانوا من رعاة المواهب، وطلبنا منهم تحديد ما يقدمونه للمواهب التي يرعونها، وما يقدمه أصحاب تلك المواهب لهم بالمقابل، الأمر الذي ساعدنا على فهم ما يستثمره الرعاة في المواهب التي يرعونها وما يحصلون عليه في المقابل من فوائد.

وقد اكتشفنا أن الكثيرين ممن يعدّون أنفسهم رعاة للمواهب يتصرفون في الواقع بوصفهم أقرب إلى كونهم مرشدين أو موجهين. فلكي يستحق أحد كبار القادة لقب الراعي يتعين عليه أن يكون مدافعاً فعالاً عن الموهبة التي يتبناها – وعادة ما تكون تلك الموهبة موظفاً شاباً يرى فيه الراعي موهبة ذات أداء رفيع وإمكانات لا حدود لها وتستحق صعود السلم الوظيفي إلى أعلى قممه. وللراعي ثلاث مسؤوليات أساسية: أن يؤمن بالموهبة التي يرعاها ويراهن عليها؛ وأن يكرس رأسماله المؤسساتي، سراً وعلانية، للدفع باتجاه شغل المواهب التي يرعاها لأعلى المناصب؛ وتأمين الحماية والتغطية لتلك المواهب بينما تخوض غمار المخاطر في طريقها نحو الأعلى. وهذا يعني أيضاً توفير الحماية لتلك المواهب من الانتقاد والتشكيك عندما تستكشف وتجرب الأفكار الجديدة الخارجة عن المألوف وتأخذ على عاتقها تنفيذ المهام الجسام، وذلك بهدف تمييز تلك المواهب عن الزملاء والأنداد. ومع ذلك أفاد 27% فقط من المستجيبين الذين عرفوا عن أنفسهم بوصفهم رعاة مواهب بأنهم يعملون على ترقية مواهبهم وظيفياً ويسعون إلى أن تتبوّأ تلك المواهب أرفع المناصب. حتى إنّ نسبة أقل من ذلك (19%) أفادوا أنهم يوفرون الحماية والتغطية للمواهب التي يرعونها.   

فضلاً عن ذلك وجدنا دلائل تشير إلى انتشار ما يعرف بمتلازمة "الصورة المصغرة عني" – حيث اعترف رعاة المواهب أنهم يختارون مواهبهم الشابة ممن يذكرونهم بأنفسهم عندما كانوا في سن الشباب، حيث أفاد 71% ممن وصفوا أنفسهم بأنهم رعاة مواهب، بأنّ أصحاب المواهب الذين اختاروهم ينتمون إلى نفس نوع الجنس ونفس العرق. ولعل ذلك من غير المستغرب تماماً إذا ما أخذنا بالحسبان ذلك الانحياز الموجود في لا وعينا والذي يجعلنا نختار الأشخاص الذين يشعروننا بالراحة: وهم الأشخاص الذين يشتركون معنا بالعرق ونوع الجنس والنشأة والثقافة والدين وما إلى ذلك. بيد أنّ هذا النمط من اختيار المواهب يشكل عقبة كبرى أمام توسيع نطاق الرعاية وشمولها للمواهب التي تنتمي إلى الفئات السكانية ناقصة التمثيل. ويرينا الواقع أن قادة الشركات الأميركية الذين لا يزالون في غالبيتهم من الذكور البيض يسعون إلى إعادة إنتاج ذاتهم من خلال رعاية أصحاب المواهب الذين يشبهونهم، في حين تبقى سويات القيادة العليا مقفلة أمام المواهب ذات النمط المختلف عنهم.

وتتمثل إحدى الطرق المؤدية إلى التخلص من متلازمة "الصورة المصغرة عني" في إعطاء الأولية للاختلاف والتنوع أثناء اختيار المواهب – كالسعي لرعاية شخص يتمتع بتركيبة فريدة من المهارات أو السمات الشخصية المتميزة. فعندما تكون المهارات الشابة التي تحظى بالرعاية مكملة للمهارات المتوفرة لدى الرعاة أنفسهم، فإن ذلك يعزز قدرة الرعاة على الإنجاز ويفتح الأبواب أمامهم نحو شبكات وأسواق جديدة ويسهم في تطوير نمط قيادة رفيع وذي قيمة عالية. ومع ذلك نجد ببساطة أن رعاة المواهب لا يعيرون هذا الموضوع الاهتمام الواجب؛ إذ إنّ 23% فقط من الرعاة في دراستنا الاستقصائية أفادوا بأنهم يبحثون عن مواهب تتمتع بمهارات وأساليب إدارة فريدة وغير متوفرة لديهم أصلاً.

ومن النتائج المهمة الأخرى التي توصلنا إليها هي أن عملية رعاية المواهب الشابة تبقى مفيدة حتى ولو لم تنفذ على نحو مثالي، حيث وجدنا في دراستنا الاستقصائية أن رعاة المواهب في العينة التي درسناها كانوا أكثر ميلاً من غيرهم إلى القول إنهم راضين عن تطورهم الذاتي، ومنخرطين في عملهم، وقادرين على إنجاز مشاريع "المهمات المستحيلة"، ولديهم مجموعة متنوعة من المواهب توفر لهم طيفاً واسعاً من المهارات. وهذه النتيجة تبدو منطقية، إذ عندما يبدأ المدير ببناء فريق ممتاز من المواهب الشابة، فإنه يعزز فاعليته وكفاءته ويوحي لنفسه ولقادته أنه مستعد للقيام بالخطوة التالية وصعود الدرجة الأعلى على سلم مسيرته المهنية.

ولفهم الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تتحقق من التطبيق الصحيح لنهج رعاية المواهب، أجرينا عدة لقاءات مع كبار قادة الشركات الذين تكلموا معنا بصراحة حول فضل هذا النهج في النجاح الذي حققوه في مسارهم المهني. وأردنا الحصول على فهم أعمق للعلاقة الدينامية بين الراعي والموهبة وطلبنا من الذين قابلناهم ذكر أمثلة مفصلة عن حالات استفاد فيها المدراء من لعب دور الراعي للمواهب الشابة، وبخاصة تلك المختلفة عنه من حيث النشأة والخلفية الثقافية. وقد برز مثالان مهمان مما سردوه يوضحان بشكل جلي مدى استفادة القادة من رعايتهم للمواهب الشابة المختلفة عنهم:

يمكنك بناء علاقة ثقة متينة مع الموهبة التي ترعاها – والحصول منها على آراء وملاحظات صريحة ومن دون تزويق. فكما أخبرنا هوراسيو روزانسكي، الرئيس التنفيذي لشركة بوز ألن هاملتون، فإنّ معظم الملاحظات والآراء التي كان يتلقاها عادة كانت "مغلّفة ومعلبة ولم يكن بمقدورك رؤيتها على حقيقتها". ولذلك كان يلتمس الحديث الصريح ويحصل عليه من "جين فاغنر"، الموهبة الشابة التي كان يرعاها. في البداية قرر روزانسكي أن يدعم فاغنر ويتبناها لأنها تشاركه منظومة القيم التي يؤمن بها. ويقول: "لست بحاجة لأن تربطني بالأشخاص معرفة اجتماعية مسبقة حتى أتبناهم وأرعاهم، ولكن من الضروري أن يكونوا ملتزمين بنفس المبادئ والقيم التي ألتزم بها".  

عندما التقى روزانسكي بفاغنر وجدها ذكية ومتحمسة – وهو ما يتصف به جميع الزملاء إلى حد ما – لكن ما فاجأه إيجابياً كان إصرارها على النجاح ومقدرتها على كبح جماح الأشخاص المغرورين والمتعجرفين، وهي مهارات اكتسبتها وطورتها جزئياً في الظروف الخاصة التي كانت تعيشها بوصفها أمّاً وحيدة. وبعد السؤال عنها وتلقي التأكيدات من الزملاء حول نزاهتها وصدقها، توصل روزانسكي إلى قناعة راسخة بأن فاغنر موهبة تستحق الرعاية. وهكذا عندما اختير رئيساً للعمليات، عيّن فاغنر في منصب استُحدث لها خصيصاً، ألا وهو "مديرة العمليات"، وقد كان ذلك المنصب يتطلب سوية عالية من المهارات ويعزز في الوقت نفسه رابطة الثقة بينهما. لقد أراد إعطاء الدفع لمسار فاغنر المهني مع الاستفادة من ثقافة الشركة القائمة على أساس الجدارة في تقديم تعويض الإسكان الأساسي. وعرّفها على المدراء التنفيذيين الآخرين النافذين لكي يقدروا قيمتها ويأخذوها بحسبانهم عندما يشغر منصب أعلى من منصبها أو عندما يحين موعد منح زيادة على الراتب. وحتى في منصبها الجديد كنائب أقدم للرئيس التنفيذي، بقيت مسؤولة أمام روزانسكي مباشرة، الأمر الذي منحها فرصة تزويده بالآراء والملاحظات الصريحة والمباشرة التي من الصعب أن يحصل عليها إلا عن طريقها.   

من شأن الموهبة التي ترعاها والتزامك بتلك الرعاية، أن يعززا إرثك ويمدداه. عندما تقاعد "ستيف هوي"، الرئيس السابق لفرع شركة إرنست ويونغ في الولايات المتحدة وشريكها الإداري السابق، في شهر ديسمبر/كانون الأول، ترك خلفه أكثر من مجرد إرث من الأعمال العظيمة. فمن خلال عمله مع عدد لا يحصى من المواهب الشابة ترك مكانه كادراً كاملاً من القادة ليحملوا عنه الراية ويسيروا على خطاه قدماً نحو الأمام، بما يضمن أيضاً دعم وتعزيز نهج رعاية المواهب الشابة.

يقول ستيف هوي: "لقد كنت أعي الفائدة التي وفرها لي نهج الرعاية. ومع تنامي مسؤولياتي أدركت أن الاستثمار في نهج الرعاية سيكون مهماً بالنسبة للآخرين أيضاً. ولذلك أخذت على عاتقي السير في ذلك النهج، ومن ثم عملت على إدخاله إلى ثقافة شركتنا بطريقة تبين لموظفينا أهمية الرعاية وتدفعهم إلى الاستثمار فيها – سواء أكانوا من الرعاة أم من المواهب الشابة". 

لقد التقى ستيف هوي بـ "كيت بارتون"، إحدى المواهب الكثيرة التي رعاها، عندما كانت تشغل منصبها الإداري الأول في الشركة. وعندما لم تحصل في المرة الأولى على الترقية التي كانت تتطلع إليها، كرّس هوي جزءاً من وقته ليؤكد لها بأن الشركة تقدر قيمتها حق تقدير؛ وعندما شغر ذلك المنصب من جديد درّبها على كيفية إقناع أعضاء مجلس الإدارة للفوز بالمنصب. ومن خلال هذه العملية لمس "هوي" ولاء كيت بارتون له شخصياً بوصفه راعيها ولشركة إرنست ويونغ بوصفها المؤسسة التي كانت على ثقة بأنها ستدعمها في تطوير مسيرتها المهنية. وهكذا وجد "هوي" في "كيت" موهبة يمكنه الوثوق بها وشخصية تدرك جيداً قيمة رهانه والجهود الاستثنائية التي يبذلها من أجل الحفاظ على المواهب الشابة ودعمها ضمن كادر شركة إرنست ويونغ.

والآن تشغل بارتون بعد أن أمضت 33 سنة من عمرها مع شركة إرنست ويونغ، منصب القيادة العالمية للخدمات الضريبية في الشركة. وقد رعت هي نفسها الكثير من المواهب الشابة، كما ساعدت "هوي" أيضاً في رعاية عدد من المواهب الشابة الجديدة. وتقول بارتون: "إننا نعمل جميعاً للحفاظ على إرث الشركة الذي بدأه ستيف، والذي أرغب في السير على نهجه أيضاً".

من الرائع أن يتجذر نهج رعاية المواهب في روح العصر السائد في عالم الأعمال. ولكن من غير الحكمة النظر إلى هذا الموضوع وكأنه قد أنجز، بل إن الوقت الآن مناسب للعمل على أن يدرك الجميع، رعاة ومواهب ومؤسسات، طبيعة هذه العلاقة بين الراعي والموهبة الشابة والديناميات التي تحكمها. فعندما يتعرف الراعي والموهبة الشابة على فوائد الدور الذي يلعبه كل منهما وفوائد التشارك والتعاضد لتجاوز خطوط الاختلاف، يمكن حينئذ الاستفادة من إمكانات نهج الرعاية لتحقيق مهمة ملء المناصب القيادية بالمواهب التي تستحقها من دون تمييز أو ظلم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!