في عالم يسيطر فيه الرجال على المناصب القيادية، هل يجب أن نركز على تغيير الأنظمة والهياكل التنظيمية التي تفضل الرجل على حساب المرأة أم يجب التأكيد على أهمية التكتيكات الفردية التي يمكن للنساء القيام بها من أجل المضي قدماً؟

قمنا من خلال هذا البحث باستكشاف هذا السؤال ووجدنا أنّ الرسالة الأولى تشير إلى أنّ الإجراءات المتبعة في المؤسسات والمؤسسات ذاتها هي التي تحتاج إلى التغيير، وقد جذبت هذه الرسالة الكثير من الانتباه في السنوات الأخيرة. لكن الرسالة الثانية كانت مصدراً للإلهام والتحفيز للكثير من الناس أيضاً؛ إذ أنها تشجع على إيجاد الحلول الفردية، وهي موجهة بشكل خاص إلى الأميركيين الذين يميلون إلى نهج "افعلها بنفسك" لإيجاد حلول للمشاكل المجتمعية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّها تبدو مقدمة لمساعدة النساء اليوم، بدلاً من الانتظار لعقود من الزمن أو حتى لقرون من أجل التغيير المجتمعي.

لقد تشككنا بأنّ طرح فكرة البحث عن الحلول الفردية، من خلال مؤيدي نهج "افعلها بنفسك"، قد يفهم منها أنّ النساء هن من "يجب" أن يجدنّ الحلول بأنفسهن، وأنّ من مسؤوليتهن القيام بذلك. وافترضنا أيضاً أنّ هذه الرسالة يمكن أن تسبب في إيصال الناس إلى نتيجة أخرى ربما تكون خطيرة: وهي أنّ النساء هنّ من تسببن في انخفاض نسبة تمثيلهن في العمل والمجتمع.

ولاختبار هذه الأفكار، قمنا بتصميم سلسلة من التجارب وتنفيذها، وستصدر نتائجها قريباً في مجلة "جورنال أوف بيرسونالتي آند سوشال سايكولوجي" (Journal of Personality and Social Psychology). وعلى مدى ست دراسات ومن خلال حوالي 2,000 مشارك أميركي، حددنا بعض الأشخاص بشكل عشوائي لإخضاعهم لظروف تجريبية مختلفة، وذلك من أجل تحديد آثار التعرّض لهذه الأفكار: وهو ما سنسميه هنا النهج الهيكلي لمواجهة التحيز ضد المرأة أو نهج "افعلها بنفسك".

قرأ المشاركون نصاً مأخوذاً من كتاب "تقدمي للأمام" (Lean In) لشيريل ساندبرغ (Sheryl Sandberg) الرئيس التنفيذي لإدارة العمليات في شركة فيسبوك، أو استمعوا إلى مقاطع صوتية لساندبرغ على منصة "تيد" (TED)، والتي تتحدث عن مسألة انخفاض نسبة تمثيل المرأة في مجال القيادة. وفي حين أنّ هنالك العديد من الكتب والمصادر التي تؤيد نهج "افعلها بنفسك" للتعامل مع التحيز ضد المرأة، إلا أننا اخترنا الاستعانة بعمل ساندبرغ لأنه الأبرز بينها. وقد هيمنت لغة كتاب "تقدمي للأمام" على هذا النقاش لأنّ الكتاب قد نُشر قبل خمسة أعوام فقط. كما أمدّنا الكتاب بمادة جيدة لتجربتنا لأنه في حين أنّ العنوان يؤكد على نهج "افعلها بنفسك"، فإنّ الكتاب أيضاً ذكر بشكل موسع نتائج البحوث التي أجريت على المشاكل الهيكلية بالمؤسسات التي تواجهها المرأة. وقد أتاح لنا ذلك اختبار تأثير كلتا الرسالتين، بينما نضبط أداة الدراسة.

قرأ عدد من المشاركين رسائل "افعلها بنفسك" أو استمعوا إليها، والتي أكدت على أنّ النساء يمكن أن يكنّ أكثر طموحاً ويتحدثن بثقة أكبر ويطالبن بمكان لهنّ في مجالس الإدارة ويتحملن المزيد من المخاطر. وقرأ عدد آخر أو استمعوا إلى الأجزاء التي أكدت على العوامل الهيكلية والمجتمعية، مثل التحيز ضد المرأة. كما قمنا أيضاً بتوظيف شروط ضبط أخرى.

كان الأشخاص الذين يقرؤون أو يستمعون إلى رسائل "افعلها بنفسك" أكثر ميلاً للاعتقاد بأنّ النساء يمتلكن القدرة على حل مشاكلهن. قد يكون ذلك بحد ذاته خبراً جيداً، ولكنهم كانوا على الأرجح أكثر ميلاً للاعتقاد بأنّ النساء مسؤولات عن تلك المشاكل، سواء من ناحية التسبب فيها أو من جهة إصلاحها.

كما كانت هذه الآثار مرتبطة أيضاً بتفضيلات سياسات الأشخاص. على سبيل المثال، في إحدى دراساتنا ذكرنا مشكلة تم الحديث عنها أخيراً في فيسبوك حول رفض المدراء للشيفرة البرمجية التي كتبتها المهندسات أكثر من رفضهم للشيفرة البرمجية التي وضعها المهندسون. إنّ هذه مشكلة غامضة في مكان العمل، ولها أسباب جذرية محتملة مثل ضعف أداء المرأة نفسها أو تحيز الإدارة. وبعد إخضاع المشاركين لرسائل نهج "افعلها بنفسك"، اعتقدوا أنّ المهندسات يتحملن مسؤولية أكبر في التسبب بهذه المشكلة ويحملن مسؤولية العمل على حلها على عاتقهن. وبالمقابل، فقد كان هؤلاء المشاركون أقل ميلاً للاعتقاد بأنّ التغيير الهيكلي في فيسبوك (مثل قيام المدراء بمراجعة الشيفرة البرمجية دون معرفة من كتبها، أو تدريب المدراء على تجنب التحيز)، سيكون مفيداً.

هناك حدود مهمة للنتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة ومنها أنّ هذه النتائج جديدة، وبالتالي لم يتم بعد تكرارها بشكل مستقل من قبل مختبر آخر، ولذلك يجب اعتبارها مجرد دليل أولي. ثانياً، كانت رسالة ساندبرغ موجهة أساساً إلى النساء الأميركيات المهنيات في شركات يشغلها موظفون بمعظمهم من ذوي البشرة البيضاء، وبالتالي فإنّ نتائجنا محدودة أيضاً بهذا السياق. ولا نعلم بعد كيف تؤثر رسائل التمكين تلك على الطريقة التي يرى بها الناس النساء ذوات البشرة السمراء أو النساء ضمن الطبقة العاملة.

ومع ذلك، وبصفتنا علماء في السلوك ندرس كيف يدرك الناس ويفهمون عدم المساواة الاجتماعية، فإننا نشعر بالقلق من هذه النتائج. إذ أنّ البشر لا يحبون الظلم بطبيعتهم، ولكن عندما لا يستطيعون معالجته بسهولة فإنهم كثيراً ما يمارسون رياضة ذهنية تجعل الظلم مستساغاً على نحو أكبر. وإلقاء اللوم على الضحايا بسبب معاناتهم هو ممارسة قديمة، كأن يقال مثلاً "لابد أنّ هذا الشخص قد قام بفعل شيء ما" بحيث يستحق ما حدث له.

نحن لا نقول بأنّ ساندبرغ كانت تقصد إلقاء اللوم على النساء في موضوع عدم المساواة، ولكننا نخشى أنّ تتسبب الرسالة الأساسية لكتاب "تقدمي للأمام"، والتي أكدت على العمل الفردي كطريقة لمعالجة عدم المساواة بين الجنسين، في أن ينظر الناس إلى النساء على أنهنّ يلعبن دوراً كبيراً في التسبب في عدم المساواة وتعزيز بقائه.

يجب أن تقلق هذه النتائج أي شخص يؤمن بأننا بحاجة إلى تغيير هيكلي ومجتمعي لتحقيق المساواة بين الجنسين في العمل، بما فيهم ساندبرغ، والتي كتبت وقالت الكثير عن ذلك. وتقترح نتائج الدراسة أنه كلما تحدثنا أكثر عن ضرورة تحمّل النساء لمسؤولية تقدمهن في العمل ازداد احتمال تُحملهن لمسؤولية عدم المساواة بين الجنسين ومسؤوليتها عن معالجة هذه القضية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!