facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

مع ما تتسبب به جائحة "كوفيد-19" من زعزعة للاقتصاد العالمي واضطراب كبير في طرق حياتنا وعملنا وإدارة شركاتنا، يتخبط القادة في سعيهم للتعامل مع تداعيات هذه الأزمة الآنية. لكن، يؤكد لنا التاريخ ضرورة الاستعداد لما سيأتي لاحقاً أيضاً. فالقادة أصحاب الرؤية، مثل أبراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت وونستون تشرتشل ونيلسون مانديلا، لم يكتفوا بالاستجابة لأخطر التهديدات التي واجهتهم، بل كانوا ينظرون إلى ما وراء أفقها المظلم. وكانت رؤاهم توجههم ليقودوا شعوبهم إلى مستقبل أفضل، بعد التغلب على تلك التهديدات.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

تتمتع الرؤية بأهمية حاسمة في الأزمات العالمية المطردة كالتي نعيشها اليوم. إذ قد تبدأ التقلبات بالظهور خلال أسابيع أو أشهر، بعد أن كان من الممكن توقع بدئها خلال خمسة أعوام في البيئة العادية. وتصبح مسارات التوجهات أشد انحرافاً بصورة مفاجئة، كمسارات التوجهات نحو الطبابة عن بُعد والتسوق عبر الإنترنت واستهلاك الإعلام الرقمي. وتتفكك سلاسل التوريد العالمية. وعلى الأرجح، سيتغير أسلوب تقديم خدمات الرعاية الصحية بطرق تجعل تبني برنامج الرعاية الجديد "أوباما كير" (Obamacare) على مدى العقد الماضي يبدو تافهاً. وقد يتوقف عمل عدد من عملائك في قطاع التعامل التجاري بين الشركات، ويفقد ملايين المستهلكين وظائفهم. ويمكن أن يتغير بعض الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها نموذج عملك قريباً، إذا لم تكن قد تغيرت بالفعل.

باختصار، ستنشأ بيئة عمل جديدة عند انتهاء الجائحة، وقد يكون ذلك بعد عام أو اثنين من الآن، وستكون مختلفة جداً عما كانت عليه قبل الأزمة.

ويجب عليك البدء بالتحضير لهذا من الآن، ومن أجل القيام بذلك على النحو الصحيح، يجب أن تمتلك رؤية على المدى الأبعد لما تأمل أن تحققه بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن، لتكون دليلاً لك يساعدك على تركيز تفكيرك على ما يتعلق بالمدى القصير والمتوسط. وقد بدأت الشركات التي ستحقق النمو الاقتصادي العظيم التالي بترسيخ جذورها بالفعل، على الرغم من صعوبة رؤية ذلك الآن. خذ مثلاً شركة "آبل" قبل عشرين عاماً، التي اشتهرت بوضع رؤية لجهازي "آيبود" و"آيفون" والبدء بالتخطيط لهما منذ تعرضت أعمالها في صناعة أجهزة الكمبيوتر لضغوط هائلة نتيجة لما يعرف بأزمة فقاعة الإنترنت (أزمة دوت كوم).

بالطبع، لا يستطيع أحد التنبؤ بالمستقبل، ولا حتى ستيف جوبز، وإلا لما وجدنا أنفسنا في هذه الأزمة. لكن على الرغم من أننا لن نتمكن من التنبؤ بالمستقبل بصورة مؤكدة، فإنه يمكننا توضيح صورة ما يمكن وما يجب أن نفعله في المستقبل بدرجة كبيرة، ووضع خطة لتحقيقه ثم البدء بتنفيذها. ونتحدث فيما يلي عن العملية التي نقترحها للقيام بذلك كما وصفناها في كتابنا الجديد "القيادة من المستقبل" (Lead from the Future).

خصص بعض الوقت لتصور مستقبلك. أنسب طريقة لذلك هي تخصيص ما بين 10% إلى 20% من وقتك أسبوعياً على مدى الأشهر القليلة المقبلة لاستكشاف ما تريد أن تحققه مؤسستك بعد انقضاء الأزمة ووضع تصور له. وبلا شك، يجب أن تكون هذه التطلعات متسقة مع رؤيتك ذات المدى الأبعد.

ونظراً لمتطلبات الحاضر العاجلة، قد يشعر بعض القادة برغبة في تفويض مسؤولية هذا النوع من التفكير إلى شخص آخر. لكن من الضروري أن يقوم الرئيس التنفيذي ورئيس الشؤون المالية والرئيس التنفيذي للاستراتيجية وغيرهم من قادة الخطوط الرئيسية بهذه الأمور بأنفسهم، فهم المسؤولون عن اتخاذ القرارات المهمة بشأن تخصيص الموارد.

ادرس المتغيرات والثوابت المتعلقة بزبائنك والأسواق والبيئة التشغيلية. وركز على متطلبات زبائنك المستقبلية، وطرق تلبية احتياجاتهم الجديدة المتطورة، وأصداء منتجاتك وخدماتك الجديدة وقدراتك الكلية.

اطرح أسئلة عن مدى مرونة أعمالك الأساسية وقدرتها على الصمود في ضوء هذه التغييرات. فكر في كل من المخاطر والفرص، وحدد عناصر محفظتك الاستثمارية التي لن تبقى منطقية وستحتاج إلى بيعها أو إيقافها، وكذلك فرص تسريع عروض النمو الجديدة.

طور استراتيجية لربط رؤيتك المستقبلية بحاضرك. يجب أن تبدأ "العمل" باتجاه عكسي من تطلعاتك المستقبلية متجهاً نحو المرحلة المتوسطة (نقطة التركيز في مرحلة ما بعد الأزمة)، ومنها إلى المرحلة الحالية. ضع خطة هندسة عكسية لسلسلة من المعايير القياسية والإنجازات البارزة على فترات منتظمة متتالية. وترجع الأسباب التي تدفعنا للبدء من المستقبل و"العودة" باتجاه عكسي إلى أن ذلك يتيح لنا وضع صورة واضحة عما نود أن نكون عليه في المستقبل من دون التقيد أكثر مما ينبغي بالوضع الحالي، ويرغمنا على التفكير من الناحيتين العملية والمالية، ويساعدنا على تحديد الاستثمارات التي يجب أن تحظى بالأولوية.

افترض مثلاً أنك رئيس جامعة، وأنت تعلم أن التعليم عبر الإنترنت سيصبح جزءاً مهماً من مستقبل جامعتك وسيترسخ في نماذج جديدة تحقق مزجاً سلساً بين برامج التعليم عبر الإنترنت وتلك التي تتطلب الحضور الشخصي للمحاضرات والدروس في قاعات الدرس. وقد تسارعت خطانا نحو هذا المستقبل، الذي بدأ بالنمو من قبل الأزمة ويقترب الآن من ذروته أكثر. ابتعد قليلاً عن جنون تحويل مواد هذا العام إلى التعليم عبر الإنترنت (وهي ميزة مثيرة للإعجاب بلا شك)، وتخيل البرامج التي ستعممها عند بداية العام الدراسي القادم في خريف عام 2021.

ثم اسأل نفسك عما يجب تحقيقه والوقت المناسب لتنفيذه بأفضل طريقة ممكنة. يجب أن تكون الأنظمة الجديدة قد طبقت، والمناهج قد ثبتت، وأن تكون قد توصلت إلى طريقة لدمجها مع العروض التقليدية، وانتهيت من عملية تعيين الموظفين وتدريبهم بالفعل. ربما ستتمكن من الوفاء بجميع المعايير القياسية إذا أنشأت هذه البرنامج ضمن جامعتك، أو ربما كنت بحاجة إلى مشاركة أحد مطوري هذه البرامج أو شراء أحد البرامج الجاهزة. سيبدأ الفصل الدراسي لخريف عام 2020 في غضون بضعة أشهر، وسيكون فرصة ممتازة لتجربة العناصر الأساسية للبرنامج الذي تخطط لإعداده.

كن مستعداً للتعلم وإجراء التعديلات. نظراً للبيئة سريعة التغير التي تعمل ضمنها، يجب أن تحرص على قياس تقدمك ومراقبته ومراجعته على نحو رسمي. في البداية، ستعمل انطلاقاً من الافتراضات، ولكن مع اختبار هذه الافتراضات على أرض الواقع، ستجمع مزيداً من البيانات والخبرات لتأكيدها أو دحضها. وبناء على ما تتعلمه، أجر التعديلات على رؤيتك واستراتيجيتك.

ومع سعيك لتحقيق أهدافك على المدى المتوسط والبعيد، يجب أن تنتبه للإشارات التي تتلقاها، سواء كانت قوية أو ضعيفة. وهذا يتطلب درجة معينة من التواضع، إذ إنك على الأرجح ستضطر للتخلي عن بعض معتقداتك الثابتة بعد فشلها في الاختبار على أرض الواقع. السرعة والمرونة مفتاحان أساسيان: يجب أن تتعلم بسرعة وتُجري كثيراً من التعديلات والتغييرات، وبذلك ستتمكن من إعادة النظر في رؤيتك والاستمرار في تشكيلها وصياغتها.

اجمع فريقك حول رؤيتك. يجب أن يقدم موظفوك ومساهموك بعض التضحيات، لذا يجب أن يؤمنوا برؤيتك للمستقبل الأفضل الذي يمكنهم تحقيقه. من المفترض أن تملك رؤية بعيدة المدى عما تريد تحقيقه، والذي يجب أن يكون ملهماً وقائماً نحو هدف ويجب أن يكون مستقراً نسبياً، مقارنة بحالة الفوضى والغموض التي نعيشها اليوم. صحيح أنه بإمكان الشركات النجاح من دون امتلاك رسالة محددة بوضوح، بيد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين رسالة الشركة وهوامش أرباحها.

في عام 2019، حددت شركتنا "إنوسايت" (Innosight) عشرين شركة عالمية تمكنت من تحقيق التحولات ذات الأثر الأكبر في الأعوام العشرة الأخيرة. ووجدنا أن القاسم المشترك بين هذه الشركات هو أنها قامت مؤخراً بتعزيز وحدة الشعور بهدف جديد وقوي فيها. خذ مثلاً شركة "سيمنز" (Siemens)، التي تبنت مؤخراً رسالة محددة بوضوح متمثلة بخدمة المجتمع. كما أعلنت شركة "تينسنت" (Tencent) الصينية إنشاء برنامج "التقنية من أجل الصالح الاجتماعي"، في حين قامت شركة "أورستد" (Ørsted) الدانماركية بالتحول من شركة للغاز الطبيعي تعاني من صعوبات كبيرة إلى شركة متطورة لطاقة الرياح، ورفعت صافي أرباحها بنحو ما يقارب 3 مليار دولار سنوياً. كانت رؤية شركة "أورستد" بعيدة الأمد، المتمثلة في أن تكون شركة صديقة للبيئة، تشكل إلهاماً لموظفيها يحثهم على رفع مستوى أدائهم، بالإضافة إلى أنها ساعدت قادتها على وضع استراتيجيتها دائماً على المسار المتجه نحو الهدف.

الأزمة الحالية خطيرة جداً، ولا مبالغة في ذلك. وكثير منكم يصارعون تحديات وجودية، ويجب على الجميع تبني استراتيجيات ترقى إلى مستوى هذه الحرب. وعلى الرغم من أنكم قد تشعرون بالعجز عن تحمل كلفة اقتطاع الوقت اللازم لوضع الرؤى وبناء مسارات استراتيجية لها، فإن القادة الذين يتمكنون من التعامل مع التحديات اليومية ويقودون شركاتهم باتباع رؤية مستقبلية سيخرجون من الأزمة بشركات أقوى تتمتع بقدرة على الصمود بشكل أكبر مما كانت عليه من قبل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!