للمرة الأولى منذ العام 1970، تخطت مستويات إنتاج النفط الخام الأميركي في نوفمبر/تشرين الثاني 10 مليون برميل يومياً وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية. وتوقع المحللون أن تصبح الولايات المتحدة الأميركية في العام 2018 أكبر منتج للنفط في العالم، متفوقة بذلك على كل من المملكة العربية السعودية وروسيا. كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وما الذي يعنيه ذلك للقطاع؟

يعمل منتجو الغاز والنفط الصخري الأميركيين على زيادة الإنتاج للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط الخام – التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أعقاب الاتفاق المبرم لتخفيض مستوى إنتاج النفط بين منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" وروسيا وغيرها من الدول المنتجة غير الأعضاء في المنظمة. ودفعت هذه الاتفاقية أسعار خام برنت للارتفاع إلى أكثر من 70 دولار للبرميل في يناير/كانون الثاني الماضي بعد ما عاناه القطاع مع أسعار النفط التي لم تتجاوز 54 دولار للبرميل في المتوسط خلال العام 2017.

وعلى الرغم من توجّه منتجي النفط في أميركا الشمالية نحو زيادة الإنتاج، إلا أنّه من المرجح أن تبقى الأسعار متقلبة. فبخلاف شركات النفط الوطنية وشركات النفط الكبرى التي تستغرق عادة بين 5 إلى 10 أعوام لتكوين احتياطيات النفط التقليدية، أثبت هؤلاء اللاعبون المستقلون وغير التقليديين قدرتهم على تحسين تقنيات الحفر والتصديع لديهم لدرجة تتيح لهم الاستجابة في غضون أشهر لحالات الارتفاع أو الانخفاض المؤقتة في السوق.

وتسلط التقلبات الأخيرة في الأسعار الضوء على حقبة جديدة من عدم اليقين تجتاح أسواق الطاقة في العالم. وفي ما يعمل منتجو النفط العالميون للوصول لمقاصد متقاطعة، فإنّ الدورة التقليدية للانتعاش والركود في القطاع تتحول إلى دورات أسعار أكثر سرعة وضحالة ومبنية على أساس التغييرات في مستويات الإنتاج. ويسهم ذلك في جعل تحركات الأسعار أقل حدة، لكنه يزيد من صعوبة التنبؤ بها. ويعتبر استمرار التقلب في عدد براميل النفط الخام المتاحة من عمليات الزيت الصخري سريعة الحركة محركاً رئيسياً وراء تقلب الأسعار، لكن التقلب يرجع كذلك إلى التأثيرات طويلة الأمد لزيادة كفاءة الوقود وحالة الكرّ والفرّ للاستجابة للطلب الدولي والتحول العالمي بعيداً عن الوقود الأحفوري. وتُعد كل تلك الأخبار إيجابية في مجملها للعملاء، لكنها تزيد من صعوبة التخطيط بالنسبة للاعبين في القطاع.

قد تتفاقم صعوبة التنبؤ بهذا الأمر مع استمرار أسواق النفط العالمية في التكيف مع التقلبات، وما قد يزيد من زعزعة استقرار اللاعبين الرئيسيين احتمال كفاية الزيادة المتوقعة في إمدادات النفط الأميركية بحد ذاتها لتلبية النمو في احتياجات النفط العالمية هذا العام. فبعد عقود كانت فيها الولايات المتحدة من بين أكبر الدول المستوردة للنفط في العالم، أصبحت – على الرغم من أنها لا تزال مستورداً للنفط – تصدر الآن ملايين البراميل من النفط لكل من الصين وبريطانيا والمكسيك والهند، وهو واقع جديد أصبح ممكناً بعد رفع القيود على صادرات النفط الخام في العام 2015.

ويأتي ارتفاع مستوى إنتاج النفط في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة عمليات تصنيع الزيت الصخري التي خفضت التكاليف بشكل كبير بعد أن تسبب الانخفاض الكبير في أسعار النفط عام 2014 في إفلاس عشرات الشركات. وتوفر تلك الشركات الناجية ذات الكفاءة المتزايدة الآن نصف إنتاج النفط في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن كانت توفر 10 في المئة فقط قبل 7 سنوات في العام 2011. وفي الواقع، قد تمثل هذه السنة أول سنة يمتلك فيها منتجو النفط الصخري القدرة على تمويل عمليات التوسع المستقبلية لبرامج الحفر بالاعتماد على تدفقاتهم النقدية الخاصة.

وبينما تخطط شركات النفط الكبرى لتحقيق زيادة كبيرة في إنتاج النفط الصخري في حوض "بيرميان" بتكساس ونيو مكسيكو، فمن غير المحتمل أن يكفي إنتاج النفط الصخري الأميركي وحده لتلبية احتياجات العالم المتزايدة من النفط، وخاصة في حال إذا كانت احتياطيات النفط الصخري تغطي هذه الاحتياجات لنحو 10 سنوات أخرى، وليس 50 سنة بالضرورة. وينبغي على شركات النفط توفير مصادر تقليدية وغير تقليدية جديدة للنفط الخام بهدف مواكبة الطلب الراهن على نحو مليون برميل إضافي من النفط سنوياً، فضلاً عن استبدال نحو أربعة ملايين برميل تتم خسارتها سنوياً نتيجة الاستنفاد الطبيعي للمخزونات. وفي المجمل، تشير تقديراتنا إلى اضطرار قطاع النفط والغاز لاستبدال نحو 40 في المئة من إنتاج النفط اليوم على مدى السنوات السبع إلى التسع المقبلة.

ويعني هذا وجود قرارات صعبة بانتظار منتجي النفط الصخري المستقلين، وشركات النفط الوطنية، والشركات المتكاملة الكبرى. ففي حين يمكنهم البدء بالاستفادة من الاحتياطيات العالمية من النفط الصخري، والتي توجد بالفعل في كل مكان، إلا أنّ تطوير الاحتياطيات في معظم الأماكن من الصين إلى الأرجنتين يتطلب ضخ استثمارات كبيرة لتطوير النظام البيئي للنفط الصخري وسلاسل الإمداد الضرورية، فضلاً عن البنية التحتية لجمع النفط الخام ومعالجته ونقله وتخزينه. أو يمكنهم تكوين المخزونات التقليدية وهو ما سيتطلب استثمارات على المدى البعيد في تقنيات جديدة لجعل أوقات الدورات وتكاليفها أكثر انسجاماً مع الدورات الخاصة بمنتجي النفط الصخري الصغار. ومن المرجح أن يلجأ معظم المنتجين الرئيسيين ذوي الميزانيات الكبيرة نحو التحوط في رهاناتهم، وخوض المسارين.

وبصورة عامة، من المؤكد أن يحدث النفط الأرخص سعراً تأثيراً واحداً على الأقل على المدى القصير، حيث سينافس ويبطء الانتقال المتوقع للعالم نحو الطاقة المتجددة النظيفة. وتمثل وسائل النقل غالبية الطلب العالمي على النفط، وطالما بقيت أسعار النفط أدنى بكثير من الذروة التي بلغتها في العام 2008، حيث وصلت إلى 145 دولار للبرميل، سوف تقل الضرورة الاقتصادية للانتقال نحو السيارات الكهربائية والهجينة، حتى في الصين وأوروبا، إذ تم توفير دعم حكومي كبير للتحول عن استخدام السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي. وخلال السنوات الـ12 المقبلة، ستشكل السيارات الكهربائية 7 في المئة فقط من السيارات الموجودة على الطرقات، وتوقعت شركة مورغان ستانلي توقيت الانخفاض النسبي لأسعار النفط في مايو/آيار من العام 2050 حسب تقرير أصدرته بعنوان "مليار سيارة كهربائية تعمل بالبطارية بحلول العام 2050".

وعلى المدى البعيد، يتوقع انحسار الطلب على النفط لتشغيل السيارات بالتزامن مع ارتفاع وتيرة كفاءة الوقود لجميع أنواع وسائل النقل، واستمرار تراجع معدل ملكية السيارات، وازدياد شعبية السيارات الكهربائية وذات تقنية القيادة الآلية. وبحلول العام 2050 من المتوقع أن تمثل السيارات الكهربائية أكثر من نصف سيارات الركاب حول العالم وفقاً لدراسة مورغان ستانلي. ومع المزيج الصحيح من التقدم التقني وانخفاض التكاليف والتكامل مع الطاقة المتجددة والتخزين، يمكن لنقطة التحول إلى الاعتماد على السيارات الكهربائية أن تكون قبل ذلك بكثير. وستتطلب هذه التوجهات من منتجي النفط تحويل تركيزهم بعيداً عن وسائل النقل والتنويع نحو المنتجات البتروكيميائية المبتكرة للاستحواذ على حصة سوقية في الاستخدامات النهائية المختلفة مثل الملابس ومواد البناء.

ولمواكبة البيئة الجديدة من التقلبات المستمرة والصغيرة في كل من أسعار النفط وحجم العرض، ربما يحتاج منتجو ومستهلكو النفط إلى إعادة تقييم الافتراضات وتعديل استراتيجياتهم باستمرار. وفي ما يلي بعض الطرق التي بدأ باعتمادها بعض المنتجين والعملاء المستقبليين:

تنويع مورّدي النفط ومصادره

يستعد كبار منتجي النفط والغاز لمزيد من عدم اليقين عبر تحويل محافظهم الاحتياطية نحو النفط والغاز غير التقليديين للاستجابة ببراعة وتنافسية مع تحولات السوق. وأعربت شركات مثل إكسون (Exxon) وشيفرون (Chevron) وشِل (Shell) عن توقعاتها بتوسيع إنتاجها في أصول النفط الصخري بالولايات المتحدة الأميركية وكندا والأرجنتين.

وفي الطرف الآخر من المعادلة، بدأت المصافي وبدأ العملاء الصناعيون بتوسيع مصادر إمدادات النفط والتماس شروط أكثر ملاءمة. وفي العام الماضي، على سبيل المثال، بدأت الهند – التي تستورد نحو 80 في المئة من احتياجاتها من النفط الخام – باستيراد النفط من الولايات المتحدة الأميركية للمرة الأولى في تاريخها. كما وقعت بولندا مؤخراً أول عقودها للحصول على النفط الخام الأميركي لتنويع إمداداتها من روسيا. وتحاول بعض المصافي المستقلة في الصين واليابان وبولندا تأمين شحنات فورية من النفط الخام لاستكمال إمداداتها من عقود التوريد التقليدية طويلة الأمد.

تطوير كفاءات رقمية جديدة

يحاول منتجو النفط والغاز الرئيسيون الآن تطبيق الدروس المستفادة من استخدام ثورة الزيت الصخري للتقنيات الحديثة في الحد من أوقات دورة التطوير وتكاليف مشاريع النفط التقليدية البحرية بنحو 40-50 في المئة. وبالرغم من أنّ الجهود المبذولة في سبيل التحول الرقمي للعمليات التشغيلية في قطاع النفط ما تزال في مراحلها الأولية، إلا أنّ كبار المنتجين يعملون عن كثب مع شركات خدمات حقول النفط والشركات الهندسية وفرق البناء لتوظيف الذكاء الاصطناعي والروبوتات والصيانة التنبؤية في العمليات البحرية. وبدأ استخدام طائرات الدرون (طائرات من دون طيار) في عمليات التحقق من تسرّب الأنابيب، وتعمل الشاحنات ذاتية القيادة على نقل رمال القطران، وتجري شركة شلمبرجير (Schlumberger) تجارب مع أبراج حفر روبوتية قادرة على إتمام حفر آبار نفط أرضية في وقت أقل بـ30 في المائة مقارنة بالحفارات التقليدية. ومن شأن ذلك كله الحد من التكاليف الهامشية للبرميل من 70 دولار للبرميل حالياً إلى حوالي 40 دولار.

ويعمل اللاعبون الكبار على تحسين خطط تطوير الحقل عبر الاستفادة من تدفقات بيانات الإنتاج الجديدة وتطوير نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد لمنصاتهم البحرية الضخمة. ومن خلال قولبة المكونات، يأمل هؤلاء اللاعبون في التوصل إلى إمكانية بناء مشاريع التطوير البحرية في المياه العميقة بشكل مسبق، وتجميعها في غضون ثلاث أو أربع سنوات قياساً بالفترة الممتدة بين سبع إلى تسع سنوات حالياً، ومقابل جزء بسيط من التكلفة الحالية.

الاستثمار في التميز من خلال خدمات جديدة

تقوم بعض شركات النفط الوطنية وشركات النفط الكبرى باستكشاف طرق جديدة من شأنها منحهم صفة التميز عن منتجي النفط الصخري عبر الاستثمار في المصافي وخطوط الأنابيب والمنتجات البتروكيميائية والبنية التحتية للتخزين بالقرب من عملائهم. وتفكر شركة أرامكو السعودية، على سبيل المثال، في تخصيص مليارات الدولارات لتوسيع قدرات مصافيها في ماليزيا وإندونيسيا، فضلاً عن مصنع التكرير والمواد البتروكيميائية الجديد في الصين في محاولة للاحتفاظ بالعملاء.

إعادة تقييم عوامل الوقاية في ظل بيئة أكثر تقلباً

مع تحول عدم القدرة على التنبؤ إلى الوضع السائد الجديد في القطاع، بدأ بعض منتجي النفط والغاز بزيادة الاعتماد على التوازن كوسيلة لحماية أنفسهم من الأسعار المتقلبة للنفط الخام عبر شراء عقود مستقبلية من شأنها إما الحفاظ على الأسعار المستقبلية أو وضع حدود عليها على طول الطريق من رؤوس آبارهم النفطية إلى منتجاتهم المكررة. ومن خلال وضع الحدود العليا والدنيا لتقلب الأسعار، يمكن للمنتجين الاعتماد على تدفق نقدي أكثر ضماناً.

وقد تتعرض بعض الدول في آسيا والشرق الأوسط لضغوطات اجتماعية تدفعها لإعادة الإعانات المالية لحماية مواطنيها من تقلبات الأسعار المتكررة في مضخة الوقود. وكانت إندونيسيا، ودولة الإمارات العربية المتحدة والعديد من الدول الأخرى قد سرّعت من سحب دعم وقود الديزل والبنزين وربطهما بسعر السوق قبل بضع سنوات للاستفادة من الهبوط الحاد في أسعار النفط مع افتراض استمرار هذا الانخفاض "لفترة أطول".

وقد أظهرت الأشهر الأولى من العام 2018 أنّ قطاع النفط دخل إلى حقبة جديدة تعتبر فيها التغييرات هي الثابت الوحيد في المستقبل المنظور. وفي حين لن تصل أسعار النفط في ارتفاعها إلى المستويات القصوى التي بلغتها عندما تحكمت "أوبك" والأحداث الجيوسياسية بسوق النفط، يرجح أن تشهد أسواق النفط حالة عدم استقرار مع تزايد أعداد منتجي النفط الصخري، وسعي شركات النفط الوطنية والكبرى لاختبار تقنيات رقمية جديدة على حقولها التقليدية وظهور أنماط تجارية جديدة. وعلى غرار ما رأيناه في قطاعات أخرى، فإنّ تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الفرص الجديدة التي تنتظرنا، ستدفع شركات النفط، وبوتيرة متزايدة، نحو التحول إلى مؤسسات سريعة الحركة يمكنها التوازن للتعويض أو حتى الاستفادة من عمليات التحول الجديدة. ولن يستطيع أي طرف تحمّل الوقوف دون حراك!

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!