أقامت وسائل الإعلام الدولية يوماً ميدانياً، غطّت خلاله إعلان رئيس الوزراء الإسباني، عن نيّته إعادة التوقيت في إسبانيا ليوافق توقيت مدينة غرينتش البريطانية، ومطابقة ساعات العمل وإجراءاته في البلاد مع تلك السائدة في بقية أنحاء أوروبا. وذهبت بعض الصحف البريطانية والأميركية إلى أبعد من ذلك، بتفسيرها تعليقات ماريانو راخوي بتعهده بإلغاء القيلولة الإسبانية الشهيرة، المعروفة بالـ”سيستا” (siesta).

لعل حقيقة الأمر تثير قدراً أقل من الاهتمام بالنسبة للصحافيين الأجانب، إلا أنها تعني الكثير للعمال الإسبان.

سبق أن أصبحت أوقات القيلولة من الماضي (أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” مثلاً بزوال القيلولة قبل 10 سنين من الآن). نعم، كان معظم الإسبان العاملين في وقت من الأوقات يأخذون فترة استراحة من العمل تبدأ قرابة الساعة الثانية بعد الظهر. وكانت هذه الاستراحة تتيح لهم العودة إلى منازلهم لتناول طعام الغداء، وإمضاء وقت مع عائلاتهم، والاسترخاء، وحتى أخذ قيلولة قصيرة على الكنبة، مثل قيلولة القطط.

ولكن بمرور الزمن، تغيّر الوضع تدريجياً، فالمنزل الإسباني النموذجي في أيامنا هذه هو منزل يعمل فيه كلا الوالدين بدوام كامل، والاهتمام فيه بالأولاد محدود، ما يعني أنّ الجدين غالباً ما يتدخلان للمساعدة. كما يقوم معظم الإسبان العاملين الآن برحلات طويلة إلى مراكز عملهم، وبالتالي، أصبحت رحلة العودة إلى المنزل خلال اليوم غير عملية. ويُمضي الموظفون ساعات أطول في المكاتب أيضاً، إذ يبدأ يوم العمل النموذجي في إسبانيا الساعة 8:30 صباحاً، ويشمل استراحة غداء لساعة أو ساعتين، عند الساعة 1:30 بعد الظهر. ثم ينتهي يوم العمل قرابة الساعة السابعة، أو الثامنة مساء. وبانتهائه، يبدأ العديد من العمال الإسبان رحلة الإياب الطويلة إلى منازلهم. لا عجب إذن أنهم يشتهرون بتناول العشاء في وقت متأخر.

تبحث الحكومة الإسبانية عن طرق جديدة لتشجيع مدراء الشركات على تغيير توجهاتهم الإدارية لتعزيز التوازن بين الحياتين العملية والشخصية. فالموضوع إذن لا يتعلق بإلغاء فترة القيلولة، بقدر ما يتعلق باعتماد تغيير سبق للعديد من المؤسسات أن بدأت به.

وخضع التفكير الإداري حول العالم لنقلة ضمنية، ولكن مهمة في السنوات الأخيرة في ما يتعلق بمشكلات التوفيق بين العمل والحياة الشخصية. ويتزايد الإقرار بأنّ الموظفين يجدون صعوبة في تلبية متطلبات عائلاتهم ومسؤولياتهم الوظيفية، ما لم تقدّم لهم المؤسسات التي يعملون فيها الدعم وتُبدي مرونة. ويمثل هذا التوجه الفكري نقلة مهمة من رؤية مشكلات التوفيق بين العمل والحياة الشخصية، إلى الاعتراف بأنّ المدراء يؤدون دوراً حاسماً فيها.

تأثير المدير

يُظهر عدد متزايد من الأبحاث مدى تأثير المدارء. على سبيل المثال، أجرت مجموعة من الحكومات الإقليمية الإسبانية في العام 2015 استبياناً بدعم من الاتحاد الأوروبي. وكان الاستبيان يهدف إلى تقويم مدى سماح الشركات لموظفيها بالعمل من منازلهم (وهو أحد المزايا الشائعة والرائجة لتوازن العمل والحياة الشخصية). وكجزء من الاستبيان، أجريت دراسة بالتعاون مع فريقي البحثي، لاستيضاح تأثير كبار المدراء على سياسات العمل عن بعد. ونشرت هذه الدراسة في مجلة ليدرشيب أند أورغانيزايشونال ديفلوبمنت (Leadership & Organizational Development). في إطار هذه الدراسة، أفادت عينة من 2,388 مديراً متوسط الرتبة بما يراه مدراءهم الأعلى رتبة في شأن توازن العمل والحياة العائلية، بالإجابة عن أسئلة على مقياس تنازلي حول:

  • مدى اقتناع صانعي القرار المهمين بقيمة الإجراءات المراعية للحياة العائلية، التي يتخذها أقسام الموارد البشرية في الشركات.
  • موازنتهم بين العمل والحياة العائلية.
  • شعورهم بالالتزام الشخصي تجاه تطبيق إجراءات تراعي الحياة العائلية.

كما أعطى المدراء متوسطو الرتبة الذين شملهم الاستبيان معلومات عن توفير شركاتهم تسهيلات للعمل عن بعد، وعن الخصائص التنظيمية لكل شركة ينتمون إليها، بما في ذلك القطاع الذي تعمل به الشركة، ومركزها على الصعيد العالمي، وحجمها.

وقد أظهرت النتائج التي توصلنا إليها أنّ أرجحية منح الشركات تسهيلات للعمل عن بعد تزداد حين يبدي كبار المدراء دعمهم لتوازن العمل والحياة العائلية، حتى بعد ضبط متغيرات القطاع الذي تنتمي إليه كل شركة، وحجمها، وانتشارها الجغرافي. بتعبير آخر، يُعد كبار مدراء الشركات من العوامل المحفزة شديدة الأهمية للتطبيق الناجح لترتيبات دوام العمل البديلة.

الجميع رابح

للمدراء إذن تأثير واضح على إمكانية تحقيق موظفيهم توازناً بين العمل والحياة العائلية، ولكن تشير أبحاث إضافية إلى أنّ هذا التوازن قد يصبّ في مصلحة الشركة ككل أيضاً.

على سبيل المثال، وجدت في دراسة أخرى أجريتها أنا وفريقي أنّ الطرق البديلة في استخدام الوقت قد تفيد الموظفين والشركات على حد سواء. وقد حللنا بيانات متعددة المصادر من 70 شركة و3,262 موظفاً، لاستيضاح العلاقة بين مرونة دوام العمل من جهة، والنتائج التي تحققها الشركات ورفاه الموظفين من جهة ثانية. وقد أظهرت النتائج الأولية التي جرى عرضها في مؤتمر أكاديمية الإدارة (Academy of Management Conference)، أنّ السياسات الداعمة لإقامة توازن بين العمل والحياة الشخصية تمنح الموظفين شعوراً بالتحكم بدوامهم، ما يُحسن بدوره التوازن الذي أفادوا به بين عملهم وحياتهم الشخصية، إلى جانب تعزيزه المؤشرات المالية لأداء الشركة.

بالتالي، لا يتعلق اقتراح رئيس الوزراء الإسباني إنهاء يوم العمل عند الساعة السادسة مساء بالتخلي عن وقت القيلولة، الأمر الذي حدث قبل وقت طويل. وإنما يتعلق الاقتراح بإنهاء يوم العمل في ساعة معقولة ومنح الموظفين مزيداً من التحكم بوقت انصرافهم إلى منازلهم.

إنّ من شأن الاستفادة من وقتنا في المكتب على أفضل وجه وتشجيع مدراء الشركات على إبداء مزيد من التجاوب مع ترتيبات دوام العمل البديلة أن يُحسّنا موازنة الموظفين بين أعمالهم وحياتهم الشخصية ويعززا أيضاً قدرة الشركات على المنافسة على المدى الطويل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!