دع موظفيك يتمردون

33 دقيقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملاحظة من المحرر: تستند هذه المقالة إلى بحث أكاديمي تم التراجع عنه وسحبه بتاريخ 4 أغسطس/ آب 2023.

إذا كنت تريد موظفين متحمسين فدعهم يكسروا القواعد ويتصرفوا على طبيعتهم

على مدار حياتنا المهنية، يعلموننا مبدأ نفّذ ثم اعترض، وهو المبدأ الذي سنطلق عليه أينما ورد في هذا المقال اختصار نفّذ: نفّذ للأوضاع السائدة، ولآراء الآخرين وسلوكياتهم، وللمعلومات التي تدعم وجهة نظرنا. وتزداد الضغوط كلما تسلقنا السلم الوظيفي. وباعتلائنا المناصب العليا، يصبح “نفّذ” مترسخاً فينا لدرجة أننا نعزّزه داخل مؤسساتنا.

في استطلاع رأي أجريته مؤخراً على أكثر من ألفي موظف في قطاع عريض من الصناعات، أفاد نحو نصف المشاركين بعملهم في مؤسسات يشعرون فيها على الدوام بضرورة “نفّذ”، وقال أكثر من نصفهم إن العاملين في مؤسساتهم لا يتحدون الأوضاع السائدة. وكانت النتائج مشابهة حين استطلعت رأي التنفيذيين في المناصب العليا ومسؤولي الإدارة الوسطى. وحسبما تشير هذه البيانات، فإن المؤسسات تدفع الموظفين عمداً، أو دون عمد، إلى التخلي عن جانب كبير من شخصيتهم الحقيقية بمجرد دخول المؤسسة. إلا أن كلًّا من الموظفين والمؤسسات يدفع الثمن غالياً، متمثلاً في تراجع الحماس والإنتاجية والابتكار (انظر الشكل التوضيحي: مخاطر “نفّذ”).

استناداً إلى بحثي ودراساتي الميدانية ودراسات باحثين آخرين في علم النفس والإدارة، سأتناول بالشرح ثلاثة أسباب وراء امتثالنا في العمل، وسأناقش لماذا تتكبد المؤسسات خسائر فادحة جراء هذا السلوك، وسأقترح حلولاً للقضاء عليه.

بطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار “نفّذ” أمراً سيئاً بصفة عامة، لكن النجاح والتطور يتطلبان من المؤسسات تحقيق التوازن بين الالتزام بالقواعد الرسمية وغير الرسمية التي توفر النظام الضروري من جانب، والحرية التي تساعد الموظفين على تقديم أفضل أداء لديهم من جانب آخر؛ إلا أن كفة الميزان قد رجحت بشدة لصالح “نفّذ”. ففي دراسة أخرى أجريتها مؤخراً، شملت أكثر من ألف موظف في قطاعات متنوعة، أكد أقل من 10% أنهم يعملون في شركات تشجعهم دوماً على التمرد وعدم الامتثال. ولا عجب في هذا، فعلى مدار عقود كانت مبادئ الإدارة العلمية هي السائدة، وانشغل القادة كثيراً بتصميم عمليات فعالة وإجبار الموظفين على اتباعها. الآن عليهم أن يفكروا في مساوئ “نفّذ” على شركاتهم، وأن يتيحوا – بل ويشجعوا – ما أسميه “التمرد البنَّاء”: أي التصرف بما ينافي القواعد المؤسسية أو سلوكيات الآخرين أو التوقعات العامة، بشكل يصب في صالح المؤسسة.

سبب انتشار “نفّذ”

دعونا نستعرض ثلاثة أسباب رئيسة ومتشابكة وراء امتثالنا غالباً في العمل.

سقوطنا فريسة للضغوط الاجتماعية. في مستهل حياتنا، نتعلم أن المنافع الملموسة تتحقق من اتباعنا القواعد الاجتماعية حول ما يجب أن نقوله، وكيف نتصرف، وكيف نرتدى ملابسنا، إلخ. “نفّذ” يجعلنا نشعر بالقبول الاجتماعي وبأننا جزء لا يتجزأ من الأغلبية. ووفقاً لبحث كلاسيكي أجراه عالم النفس سولومون آش في منتصف القرن العشرين، فإن الامتثال لضغوط الأقران بغاية القوة لدرجة أنه يحدث حتى إذا عرفنا أنه سيقودنا إلى اتخاذ قرارات غير صائبة. في إحدى التجارب، طلب آش من المشاركين أن يخوضوا ما اعتقدوا أنها مهمة إدراكية بسيطة: تحديد أي من الخطوط الثلاثة في إحدى البطاقات له طول الخط نفسه في بطاقة أخرى. حين سئلوا بشكل فردي، اختار المشاركون الخط الصحيح، لكن حين سئلوا في وجود ممثلين مدفوعي الأجر تعمّدوا اختيار الخط الخطأ، امتثل نحو 75% منهم لرأي الجماعة مرة واحدة على الأقل. بعبارة أخرى: اختاروا الإجابة الخطأ بهدف مسايرة الغير.

دائماً ما استغلت المؤسسات هذه النزعة. فمثلاً: كانت الأسر الرومانية القديمة تستعين بنادبين محترفين في الجنازات. وتستأجر شركات الترفيه أشخاصاً (مصفّقين مستأجرين) للتصفيق في العروض. وغالباً ما تستشهد شركات تسويق المنتجات الصحية بالأطباء البشريين أو أطباء الأسنان الذين يستخدمون منتجاتها.

يتخذ “نفّذ” في العمل صوراً عدة، مثل: محاكاة سلوك الآخرين في الوظائف المماثلة، أو التعبير عن المشاعر الملائمة، أو ارتداء الزي المناسب، أو الاتفاق دائماً مع آراء المديرين، أو الرضوخ لقرارات الفريق السيئة، إلخ. وفي أغلب الأحيان، يقلل الخضوع لضغوط الأقران من حماس الموظفين تجاه عملهم، وهذا أمر مفهوم، فمبدأ “نفّذ” يتعارض غالباً مع تفضيلاتنا ومعتقداتنا الحقيقية، ما يجعلنا نشعر بأننا مضطرون إلى إخفاء شخصياتنا الحقيقية. في الواقع، أثبت بحث أجريته بالتعاون مع مريم كوتشاكي من جامعة نورث وسترن، وآدم غالينسكي من جامعة كولومبيا، أن شعور الموظفين بضرورة إخفاء شخصياتهم الحقيقية في عملهم إنما يرجع في العادة إلى رضوخهم للضغوط الاجتماعية بالتنفيذ.

اعتيادنا الأوضاع السائدة. تؤدي الممارسات السائدة في المؤسسات (أي الطرق المعتادة في التفكير والتصرف) دوراً حيوياً في هيكلة الأداء بمرور الوقت، لكنها يمكن أن تؤدي أيضاً إلى الجمود وفتور الحماس وتقييد القدرة على الابتكار أو العمل بمستوى متميز. ولوحظ أن العديد من التقاليد المؤسسية تستمر بحكم الروتين، أو ما يسميه علماء النفس “الانحياز للوضع السائد” بدلاً من نشوئها نتيجة اختيارات مدروسة. ونظراً لأننا نشعر بالثقة والاطمئنان حين نتقيّد بالأطر المعتادة لنا في التفكير والتصرف، ونظراً لأننا – بحسب ما تثبته الأبحاث باستمرار – نقيم وزناً للخسائر المحتملة الناتجة عن مخالفة الوضع السائد أكثر مما نقيم وزناً للمكاسب المحتملة، فإننا ننحاز للقرارات التي تحفظ الأوضاع الراهنة.

الموظفون الذين قالوا إنهم يستطيعون التعبير عن شخصياتهم الحقيقية في العمل كانوا أكثر التزاماً تجاه مؤسساتهم.

الصورة: غيتي إيميجز

لكن الالتزام بالوضع السائد يمكن أن يؤدي إلى الملل، وهو ما سيغذّي بدوره حالة من الرضا بالوضع القائم والركود. وتعتبر بوردرز وبلاكبيري وبولارويد وماي سبيس أمثلة لشركات عديدة كانت تعمل في الماضي وفق معادلة ناجحة، لكنها لم تهتم بتطوير استراتيجياتها حتى فات الأوان. وبسبب القناعة بالأوضاع السائدة، لجأ قادتها إلى التقاليد المؤسسية وتجنبوا السلوكيات المتمردة التي كان من الممكن أن تحفّز مزيداً من النجاح.

تفسير المعلومات بما يخدم مصالحنا. إن السبب الثالث وراء انتشار “نفّذ” هو أننا نميل إلى تفضيل المعلومات التي تدعّم معتقداتنا الحالية ونتجاهل المعلومات التي تدحضها، وبالتالي نتغاضى عن الأمور التي يمكن أن تحفز التغيير الإيجابي. وما يزيد الأمور تعقيداً أننا نميل أيضاً إلى التعامل مع المعلومات غير المتوقعة أو غير السارة باعتبارها تهديداً، ومن ثم نتجنبها، وهي ظاهرة يسميها علماء النفس “الشك المُسبَّب”.

في الواقع، تشير الأبحاث إلى أن الطريقة التي نزن بها الأدلة تشبه طريقتنا في وزن أنفسنا على ميزان الحمام. إذا أعطانا الميزان قراءة سيئة، فإننا ننزل عنه ونصعده مرة ثانية، معتقدين أنه ربما تعطّل أو أننا أخطأنا القراءة. وإذا أعطانا قراءة جيدة، فإننا نفترض أنه مُصيب ونبدأ في الاستحمام مبتهجين.

إليكم مثال آخر، ولكنه علمي هذه المرة. طلب عالما النفس بيتر ديتو وديفيد لوبيز من المشاركين في إحدى الدراسات أن يقيِّموا ذكاء طالب من خلال قراءة معلومات عنه، معلومة تلو الأخرى، بالطريقة نفسها التي يقيِّم بها مكتب القبول في الكليات الطلاب المتقدمين. كانت المعلومات سلبية إلى حد ما، وكان يحق للمشاركين التوقف بمجرد أن يتوصلوا إلى قرار نهائي. حين تعرضوا للتحفيز كي يروقهم الطالب (من خلال صورة شخصية له وبعض المعلومات عنه قبل التقييم)، قلَّبوا بطاقات المعلومات واحدة تلو الأخرى، باحثين عن أي شيء يتيح لهم إعطاءه تقييماً إيجابياً. وحين تعرضوا للتحفيز كي يكرهوه، قلَّبوا بضع بطاقات قليلة، وأبدوا استهجانهم، ثم أعلنوا قرارهم.

إن قبول المعلومات دون انتقاد حين تتماشى مع معتقداتنا، وطلب المزيد منها حين لا تكون كذلك، يؤدي إلى ترجيح كفة القرارات السيئة.

عن الكاتبة فرانشيسكا جينو

عادة كان فهم السبب وراء امتثال الناس لسلوك الآخرين في أغلب الأحوال مثار اهتمام فرانشيسكا جينو منذ وصولها إلى الولايات المتحدة من موطنها إيطاليا عام 2001. وعلى الرغم من أنها كانت تنوي البقاء سنة واحدة فقط، فقد شعرت بالاضطرار إلى “نفّذ”.

وهي تقول: “أخذت دروساً في الكلام نظراً لاستيائي من أن لكنتي الغريبة كانت تلفت الأنظار إلي، كما قررت أن أستبدل بثيابي الإيطالية ثياباً أخرى ذات طابع أميركي”. إلا أنها لم تشعر بصواب ما تفعله؛ لذا بعد أن مدّت إقامتها، قررت أن تكون على طبيعتها.

لازمتها تجربتها وأثارت فضولها المهني. وخلال عملها أستاذة في جامعة كارنيغي ميلون، وجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، والآن في كلية هارفارد للأعمال، حيث تعمل أستاذ كرسي تاندون فاميلي لإدارة الأعمال، طرحت هذه الأسئلة: ما الذي يحفز الرغبة في “نفّذ”؟ متى يكون “نفّذ” مفيداً للأفراد والمؤسسات، ومتى يكون ضاراً؟ كيف يمكن أن يحقق القادة التوازن المثالي بين تطبيق مبدأ “نفّذ” وعدم تطبيقه في مؤسساتهم وفيهم هم أنفسهم؟

شكت جينو أن ضغوط “نفّذ” الموجودة في معظم المؤسسات ترتبط بكارثة فتور حماس الموظفين وفشل الشركات في التأقلم مع التغيير، فبدأت تبحث عن مؤسسات يشجع قادتها الموظفين على التصرف بتلقائية، واستثمار مواطن قوتهم الفريدة، وتحدي الوضع السائد. وقد وجدت أمثلة في قطاع عريض من الصناعات، بدءاً بالبرمجيات والترفيه والخدمات المالية وصولاً إلى تصنيع الصمامات ومعالجة الأغذية والتوظيف. واستناداً إلى أفكار من علم الاقتصاد السلوكي وعلم النفس، اكتشفت استراتيجيات تستخدمها تلك الشركات لتشجيع “التمرد البناء”.

في هذه المقالة، تشاركنا جينو اكتشافاتها، وتستعرض دراسات حالة، وتقدم نصائح عملية. وهي تأمل أن يستطيع القادة الاستفادة من اقتراحاتها لتوفير بيئة عمل أكثر إبداعاً وإنتاجية يشعر فيها الموظفون بالحماس تجاه عملهم ويسهمون فيه بكامل طاقتهم.

تشجيع التمرد البنَّاء

يهتم قليل من القادة بتشجيع موظفيهم على السلوك المتمرّد، لكن أغلبهم يبذلون ما في وسعهم للقضاء عليه. إلا أن التمرد يحفّز الابتكار، ويحسّن الأداء، ويمكن أن يعزز مكانة المرء أكثر من “نفّذ”. على سبيل المثال، أثبت بحث أجريته بالتعاون مع سيلفيا بيليزا من جامعة كولومبيا، وأنات كينان من جامعة هارفارد، أن الناس يحكمون على متحدث يرتدي حذاءً رياضياً أحمر، وعلى مدير تنفيذي يقوم بجولاته مرتدياً سترة ذات قلنسوة وبنطالاً من الجينز، وعلى مقدمة عروض تصنع نموذجها الخاص من العروض التقديمية بدلاً من استخدام نموذج شركتها، باعتبارهم يملكون مكانة أعلى من نظرائهم الذين يلتزمون بقواعد شركتهم.

كما أثبت بحثي أيضاً أن مخالفة القطيع يُكسبنا الثقة في تصرفاتنا، وهو ما يجعلنا نشعر بالتفرد والحماس، ويثمر أداءً أعلى وقدرة ابتكارية أكبر. في إحدى الدراسات الميدانية، طلبت من مجموعة من الموظفين أن يتصرفوا بطرق تمردية (كالتعبير عن رأيهم إذا كانوا يعارضون قرارات زملائهم، والتعبير عما يشعرون به، وليس ما يعتقدون أنهم يجب أن يشعروا به، إلخ)، ثم طلبت من مجموعة ثانية أن تتصرف بطرق امتثالية، ومن مجموعة ثالثة أن تفعل ما يفعله أعضاؤها في العادة. وبعد ثلاثة أسابيع، أفادت المجموعة الأولى بشعورها بقدر أكبر من الثقة والحماس تجاه عملها مقارنةً بالمجموعتين الأخريين، وأظهر أعضاؤها قدراً أكبر من الإبداع في إحدى المهمات التي كانت جزءاً من الدراسة، كما حصلوا على تقييم أعلى في الأداء والقدرة الابتكارية.

توجد ست استراتيجيات يمكن أن تساعد القادة على تشجيع التمرد البنّاء في مؤسساتهم وبالنسبة لهم أنفسهم.

الخطوة الأولى

أتح للموظفين الفرصة كي يكونوا على طبيعتهم

أظهرت الأبحاث النفسية على مدى عقود أننا نشعر بالقبول ونعتقد أن آراءنا أكثر مصداقية حين يتشاركها زملاؤنا. لكن على الرغم من أن “نفّذ” قد يجعلنا نشعر بالطمأنينة، فإنه لا يمكِّننا من جني ثمار الصدق مع النفس. في إحدى الدراسات، قام دان كيبل من كلية لندن للأعمال، وفرجينيا كاي، الأستاذة وقتها في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، باستطلاع رأي 154 من الحاصلين على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال حديثي التخرج ويعملون منذ أربعة أشهر. ووُجِد أن أولئك الذين شعروا بأنهم يستطيعون التعبير عن شخصياتهم الحقيقية في العمل كانوا أكثر حماساً والتزاماً تجاه مؤسساتهم بنسبة 16% في المتوسط مقارنةً بأولئك الذين شعروا بأنهم مضطرون إلى إخفاء شخصياتهم الحقيقية. وفي دراسة أخرى، استطلع الباحثان آراء 2700 معلم كانوا يعملون منذ عام، وراجعا تقييمات الأداء التي أعدها المشرفون عليهم. حصل المعلمون الذين قالوا إنهم يستطيعون التعبير عن شخصياتهم الحقيقية على تقييمات أعلى من المعلمين الذين لم يشعروا بأنهم يستطيعون عمل ذلك.

وإليك بعض الطرق لمساعدة الموظفين على التصرف بطبيعتهم:

شجّع الموظفين على التفكير فيما يجعلهم صادقين مع أنفسهم. يمكن عمل ذلك منذ بداية علاقة التوظيف، أي خلال مرحلة تعريف الموظف بالشركة. في دراسة ميدانية أجريتها بالتعاون مع كلٍّ من براد ستاتس من جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، ودان كيبل، خاض الموظفون في قسم إسناد العمليات للجهات الخارجية في شركة ويبرو الهندية لتكنولوجيا المعلومات عملية تعريف معدلة قليلاً. فقد أمهلناهم نصف ساعة ليفكروا فيما يجعلهم متفردين وصادقين، وكيف يمكنهم إظهار شخصياتهم الحقيقية في العمل. بعد ذلك قارناهم بموظفين آخرين خاضوا عملية التعريف المعتادة في شركة ويبرو، التي لم تتح لهم الوقت للقيام بهذا التفكير. وجد الموظفون في المجموعة الأولى طرقاً لهيكلة متطلبات عملهم بطريقة تمكّنهم من التعبير عن شخصياتهم الحقيقية. فاستخدموا، على سبيل المثال، مهارة الارتجال عند الرد على المكالمات الهاتفية، بدلاً من اتباع نص الشركة بحذافيره، فكانوا أكثر حماساً تجاه عملهم، وتحسن أداؤهم، وزادت احتمالات بقائهم في الشركة بعد مرور سبعة أشهر.

بمقدور القادة أيضاً تشجيع هذا النوع من التفكير بعد بدء الموظفين العمل. وتعتبر بداية العام الجديد هي التوقيت المناسب؛ كي يفكر الموظفون وقادتهم فيما يجعلهم متفردين وصادقين، وكيف يمكنهم إعادة متطلبات هيكلة عملهم – حتى لو بطرق بسيطة – لتجنب “نفّذ”. يمكن تشجيع هذا التفكير أيضاً في مراحل وظيفية أخرى، مثل: تقييم الأداء أو الترقي أو الانتقال إلى منصب جديد.

أخبر الموظفين بالعمل الذي يجب تنفيذه ولا تخبرهم بكيفية تنفيذه. عندما كانت كولين باريت نائب الرئيس التنفيذي في شركة ساوث ويست أيرلاينز منذ عام 1990 حتى 2001، رسّخت مبدأ إتاحة الفرصة للموظفين كي يتصرفوا بتلقائية. فمثلاً، شجّعت مضيفي الطيران على إلقاء تعليمات السلامة المطلوبة قانوناً بطريقتهم الخاصة وبشكل فكاهي. وقد قالت: “دائماً ما رأينا أنه يمكن الربط بين الهواية والعمل الاحترافي، وبذلك لن تضطر إلى التصنّع والتمثيل في حياتك حين تغادر منزلك متوجهاً إلى عملك”. ساعد تطبيق هذه الفلسفة على أن تتصدر شركة ساوثويست قائمة أفضل الشركات من حيث أعداد الركاب والربحية ورضا العملاء ومعدل دوران العمالة.

دع الموظفين يحلوا المشكلات بمفردهم. يمكن تشجيع التلقائية من قِبَل القادة بإتاحة الفرصة أمام الموظفين لتقرير كيفية التعامل مع مواقف معينة. فعلى سبيل المثال، في تسعينيات القرن العشرين، تخلصت الخطوط الجوية البريطانية من دليل خدمة العملاء الضخم، وأعطت الموظفين الحرية (في حدود المنطق) ليقرروا كيفية التعامل مع مشكلات العملاء حال نشوئها.

يحدد موظفو شركة سيمكو جروب بأنفسهم مواعيد عملهم ومستهدفاتهم الإنتاجية الخاصة. حتى إنهم يختارون حجم التعويض الذي يحصلون عليه ونوعه.

شركة أخرى تؤمن بهذه الفلسفة هي بالز سادن سيرفس، سلسلة مطاعم للوجبات السريعة في جنوب الولايات المتحدة. بتطبيق مبادئ التصنيع الرشيق، بما في ذلك فكرة تمكين الموظفين من التدخل وحل المشكلات، استطاعت مطاعم بالز تحقيق أرقام باهرة، مثل: خدمة سيارة واحدة عبر نافذة طلبات السيارات كل 18 ثانية، وارتكاب خطأ واحد كل 3,600 طلب (المتوسط في هذا القطاع هو خطأ واحد كل 15 طلباً)، وارتفاع مستوى رضا العملاء بنسبة 98%، وارتفاع تقييم التفتيش الصحي بنسبة تتجاوز 97%، كما تبلغ نسبة دوران العمالة على مستوى المديرين المساعدين أقل من 2%، وعلى مدار ثلاثة عقود لم تخسر مطاعم بالز سوى سبعة من مديري العموم، اثنان منهما بسبب بلوغهما سن التقاعد. أما نسبة دوران العمالة سنوياً في الخطوط الأمامية فتبلغ نحو 34%، أي نصف المتوسط الشائع في هذا القطاع. تقدم مطاعم بالز لموظفيها تدريباً مكثفاً، فموظفو الخطوط الأمامية الجدد يتلقون 135 ساعة تدريب في المتوسط (في حين أن متوسط القطاع نحو ساعتين). نتيجة لذلك، يثق الموظفون في قدرتهم على حل المشكلات بمفردهم، ويمكنهم إيقاف أي عملية لو بدت غير سليمة (كما يعلمون أيضاً أن بوسعهم طلب المساعدة). حين كنت أجري مقابلات لإعداد دراسة حالة عن مطاعم بالز، أعطاني أحد مديري العموم مثالاً لكيفية تشجيعه موظفي الخطوط الأمامية على اتخاذ القرارات بأنفسهم: “حين يُريني موظف عمره 16 عاماً شطيرة نقانق مغبَّرة بالدقيق، ويسألني عن رأيي فيها، أجيبه: القرار قرارك، هل كنت لتبيعها هكذا؟”.

دع موظفيك يحددوا أهدافهم. في شركة مورنينغ ستار، بكاليفورنيا، التي تعمل في مجال معالجة الطماطم، يُطلب من الموظفين كتابة “بيانات أهداف تجارية شخصية” تعكس شخصيتهم وتحدد أهدافهم خلال مدة معينة، بحيث تسهم في نجاح الشركة. تُسجل بيانات الأهداف في عقود تُسمى “خطابات تفاهم الزملاء”، التي يتفاوض الموظفون بشأنها مع زملائهم، بحيث يذكر كل منهم كيف سيتعاون مع الآخرين. الهدف التجاري الشخصي لمؤسس الشركة كريس روفر هو “تطوير تكنولوجيا معالجة الطماطم لتصبح الأفضل في العالم، ومراعاة أعلى معايير النظافة في تشغيل هذه المصانع”. أما هدف أحد موظفي المبيعات والتسويق فهو “ترك بصمة دائمة من منتجات مورنينغ ستار على ألسنة وعقول كل مستخدم للطماطم”. بينما يتمثل هدف أحد موظفي الشحن في “توفير شحنات ممتازة من المنتج المطلوب إلى العملاء بطريقة موثوقة وفعّالة”.

الخطوة الثانية

شجّع الموظفين على إبراز مواطن قوتهم الفريدة

وصف مايكل أنجيلو النحت بأنه عملية يحرر خلالها الفنان المنحوتة المثالية من كتلة الحجر التي تكمن فيها. كلُّ منا يتمتع بمنحوتة مثالية دفينة، بمعنى مواطن قوة فريدة – مثل التواصل الاجتماعي أو القدرة على رؤية الإيجابيات في أي موقف – نستخدمها بالفطرة في حياتنا. وكلنا نميل إلى عمل ما نبرع فيه، وأن يعرفنا الآخرون على هذا الأساس. دور القائد هو أن يشجع الموظفين على نحت عملهم لإظهار مواطن قوتهم، وأن ينحت عمله هو أيضاً. قد تساعدك الطريقتان التاليتان.

امنح الموظفين الفرصة لاستكشاف مواطن قوتهم. في مشروع بحثي أجريته مع دان كيبل وبراد ستاتس، بالإضافة إلى جوليا لي من جامعة ميشيغان، كان قادة الوكالات الحكومية الوطنية والمحلية عبر أنحاء العالم يفكرون كل صباح في مواطن قوتهم الفريدة وكيف يستثمرونها، كما قرأوا وصفاً لأزهى فترات أدائهم، كتبها أشخاص من دائرتي معارفهم الشخصية والمهنية. أظهر هؤلاء القادة سلوكاً حماسياً وإبداعياً أكبر من أعضاء إحدى مجموعات الضبط، كما كان أداء فرقهم أفضل.

صمّم وظائف تناسب مواطن قوة الموظفين. تشتهر شركة فيسبوك بتعيين الأشخاص الأذكياء بغض النظر عن المناصب الشاغرة في الشركة، حيث تجمع معلومات عن مواطن قوتهم، وتصمم وظائفهم بما يلائمها. مثال آخر يتجلى في أوستريا فرانشيسكانا، المطعم الحاصل على ثلاث نجوم ميشلان في مودينا بإيطاليا، الذي حصد المركز الأول في قائمة أفضل خمسين مطعماً على مستوى العالم عام 2016. تتقيد معظم المطاعم – لا سيما الحاصلة على تصنيف مرتفع – بتسلسل وظيفي صارم، مع ألقاب محددة لكل منصب. لكن في أوستريا فرانشيسكانا، تُصمّم الوظائف والمسؤوليات المرتبطة بها بما يتناسب مع كل موظف على حدة.

يتطلب اكتشاف مواطن قوة الموظفين وقتاً ومجهوداً. فمثلاً، يقوم ماسيمو بوتورا – مالك المطعم ورئيس الطهاة – بنقل المتدربين عبر مناصب متنوعة لبضعة أشهر على الأقل، حتى يستطيع هو وفريقه تصميم وظائف تعزف على أوتار مواطن قوة الموظفين الجدد، ما يضمن أن يمارس الموظفون أكثر الأدوار ملاءمة لهم.

إذا كانت هذه العملية مُضنية بالنسبة إلى مؤسستك، فيمكنك إعطاء الموظفين مساحة من الحرية لاختيار مسؤولياتهم في حدود الأدوار المكلفين بها.

الخطوة الثالثة

راجع الأوضاع السائدة وشجّع الموظفين على عمل المثل

على الرغم من أن الشركات يمكن أن تستفيد من الممارسات المتكررة التي تضمن الاتساق، فإن بوسعها أيضاً إثارة حماس الموظفين وإبداعهم بمراجعة الإجراءات الاعتيادية، أي الطرق التي دائماً ما نفذت العمل بها. وإليك بعض الأساليب المجربة.

اسأل “لماذا؟” و”ماذا لو؟”. بطرح مثل هذه الأسئلة بانتظام على الموظفين، استطاع ماكس زاناردي، الذي شغل منصب المدير العام لعدة سنوات في فندق ريتز كارلتون في أسطنبول، أن يدفعهم بطريقة مبتكرة إلى إعادة تعريف معنى الرفاهية عن طريق تقديم تجربة فريدة وغير اعتيادية إلى العملاء. على سبيل المثال: اعتاد الموظفون زراعة الزهور كل عام في الشرفة الواقعة خارج مطعم الفندق، وذات يوم، سأل زاناردي: “لماذا نزرع الزهور دائماً؟ ماذا عن زراعة الخضراوات أو الأعشاب؟” أدى هذا إلى زراعة حديقة في الشرفة تحتوي على الأعشاب والطماطم غير المهجّنة التي استُخدمت في المطعم، وهو أمر راق رواد المطعم كثيراً.

القادة الذين يراجعون الوضع السائد يعطون الموظفين أسباباً كي يظلوا متحمسين، وغالباً ما يشعلون جذوة أفكار جديدة يمكن أن تعيد الحياة إلى العمل.

أكِّد أن الشركة ليست بمنأى عن الخطأ. كان إد كاتمول، الشريك المؤسس، رئيس استوديوهات بيكسار للرسوم المتحركة، يخشى أن ينبهر الموظفون الجدد أكثر من اللازم بنجاح بيكسار، ما قد يمنعهم من تحدي ممارسات العمل القائمة. لذا خلال جلسات التعريف بالشركة، كانت خطبه تضم أمثلة لأخطاء الشركة. التأكيد بأننا جميعاً بشر وأن الشركة لن تكون مثالية على الدوام يعطي الموظفين الحرية لممارسة التمرد البنّاء.

تميز في الأساسيات. إن التأكد من تحلي الموظفين بمعرفة عميقة حول الطريقة المعتادة لسير الأمور يعطيهم أساساً لمراجعة الأوضاع السائدة بشكل بناء. هذه الفلسفة هي الأساس وراء الساعات العديدة التي تخصصها مطاعم بالز للتدريب، فقادة الشركة يريدون أن يصبح الموظفون خبراء في جميع جوانب عملهم. وبالمثل، يؤمن بوتورا بأن صنع أطباق مبتكرة يستلزم تمكن طهاته من إتقان أساليب الطهو التقليدية.

الخطوة الرابعة

اصنع تجارب صعبة

من السهل أن يملّ الموظفون، ويتقيدوا بالروتين حين تنطوي وظائفهم على قدر ضئيل من التنوع أو التحدي، والموظفون الذين يجدون عملهم مملاً يفتقرون إلى الدافع لممارسة عملهم ببراعة وإبداع، في حين أن العمل الصعب يثير حماسهم. أثبت بحث بقيادة ديفيد زولد من جامعة فاندربيلت أن السلوك غير الاعتيادي –مثل تجربة شيء جديد أو محفوف بالمخاطر– يحفّز إفراز الدوبامين، وهي مادة كيميائية تساعد على إشعال حماسنا وشغفنا بالابتكار.

يمكن أن يستعين القادة بالأساليب التالية عند تصميم وظائف الموظفين:

عظِّم الاستفادة من التنوع. هذا يقلل من احتمالات لجوء الموظفين إلى الروتين، ويزيد من فرص توصلهم إلى طرق مبتكرة لتحسين عملهم. كما أنه يعزز الأداء، حسبما اكتشفت مع براد ستاتس خلال تحليلنا بيانات بنكية على مدار عامين ونصف العام من قسم أحد البنوك اليابانية المسؤول عن مراجعة طلبات القروض العقارية. اشتملت خدمة القروض العقارية على سبع عشرة مهمة، بما في ذلك تصوير الطلبات ضوئياً، ومقارنة المستندات المصورة بالنسخ الأصلية، وإدخال بيانات الطلب إلى الكمبيوتر، وتقييم ما إن كانت المعلومات تتوافق مع معايير الضمان، والاطلاع على الأرصدة البنكية. كان الموظفون الذين كُلفوا بمهمات متنوعة يومياً أكثر إنتاجية من زملائهم (قياساً إلى الوقت المستغرق لاستكمال كل مهمة)، فالتنوع هو ما حافظ على حماسهم. أتاح هذا للبنك إتمام الطلبات بشكل أسرع، ما زاد من قدرته التنافسية.

يمكن تحقيق التنوع بطرق عدة. فمثلاً: تقوم مطاعم بالز بتبديل الموظفين بين الوظائف (ما بين تلقي الطلبات، والشواء، وتسلم النقدية، إلخ) بترتيب مختلف كل يوم. وترفض بعض الشركات المسارات المهنية المحددة، وتنقل الموظفين بدلاً من ذلك بين مناصب متنوعة داخل الأقسام أو الفرق على مدار أشهر أو أعوام.

علاوة على رفع مستوى الحماس والمشاركة، فإن التنقل بين الوظائف يوسِّع مهارات الموظفين، ما ينتج عنه أيدٍ عاملة أكثر مرونة، وهذا يسهِّل توفير بدلاء إذا مرض أحدهم أو استقال فجأة، كما ينقل الموظفين من مهمات صاروا غير مطلوبين فيها.

بث روح التجديد في العمل باستمرار. التجديد قوة مؤثرة. حين يحدث أمر جديد في العمل، فإننا ننتبه إليه، ونشترك فيه، ونميل إلى تذكره. قلما نستهين بعملنا إذا استمر في توليد مشاعر قوية داخلنا. التجديد في العمل أكثر إرضاءً لنا من الاستقرار.

إذاً، كيف يمكن أن يبث القادة روح التجديد في العمل؟ يطلب بوتورا من فريقه تعديلات في قائمة الطعام في اللحظات الأخيرة ليحافظ على جذوة حماسهم متّقدة. وفي مطاعم بالز، لا يعرف الموظفون ترتيب مهمات عملهم اليومية إلا بعد وصولهم إلى العمل.

يمكن أن يُشِيع القادة التجديد أيضاً بالحرص على أن تضم المشروعات بعض الموظفين الذين يمارسون عملهم خارج دائرة المألوف إلى حد ما، أو بإعطاء الفرق تحديات جديدة على نحو دوري (كأن يطلبوا منهم مثلاً توصيل منتج ما أسرع من المعتاد). ويمكنهم أن يضعوا الموظفين في فرق مسؤولة عن تصميم عمليات عمل جديدة أو طرح خدمة جديدة.

حدّد فرصاً للتعلم والنمو الذاتي. أظهرت الأبحاث أن توفير مثل هذه التجارب للموظفين هي طريقة أساسية لتشجيع التمرّد البناء. فمثلاً، في دراسة ميدانية أُجريت في شركة استشارية عالمية، اكتشفت مع زملائي أن مرحلة تعريف الموظفين الجدد بالشركة التي لا تركز فقط على الأداء، وإنما على فرص التعلم والنمو أيضاً، تؤدي إلى زيادة سلوكيات المشاركة والابتكار بعد ستة أشهر. غالباً ما تكتشف الشركات فرص النمو خلال تقييم الأداء بالطبع، لكنّ هناك طرقاً أخرى عديدة لعمل ذلك. طهاة مطعم أوستريا فرانشيسكانا، على سبيل المثال، يمكن أن يرافقوا بوتورا إلى منتديات الطهو التي تعرِّفهم بالدول الأخرى وطعامها وتقاليدها وفنونها وثقافتها، وكلها مصادر إلهام محتملة لابتكار أطباق جديدة. حين عملت استشارية بحثية في شركة ديزني خلال صيف 2010، عرفت أن أعضاء فريق الهندسة التخيلية في قسم البحث والتطوير كانوا يتلقون تشجيعاً للانضمام إلى الجمعيات المتخصصة وحضور المؤتمرات ونشر أعمالهم في الدوريات المهنية والأكاديمية. يمكن أن تسهم الشركات في دفع رسوم الدورات التدريبية التي قد لا ترتبط بشكل مباشر بمهمات الموظفين الحالية، ولكنها توسّع مهاراتهم أو تغذّي فضولهم.

أعط الموظفين المسؤولية كاملة ثم حاسبهم عليها. في شركة مورنينغ ستار، إذا احتاج الموظفون إلى معدات جديدة للقيام بعملهم، حتى لو كانت تكلف آلاف الدولارات، فمسموح لهم بشرائها. وإذا رأوا عملية يمكن أن تستفيد من مهارات مختلفة، فلهم أن يوظفوا مَن يتمتع بها. لا بد لهم أن يستشيروا زملاءهم الذين قد يتأثرون بقرارهم (الموظفين الآخرين الذين سيستخدمون المعدات الجديدة)، لكنهم لا يحتاجون إلى موافقة الإدارة العليا. ونظراً لعدم وجود ألقاب وظيفية في الشركة، فإن كيفية تأثير الموظفين على الآخرين – وبالتالي على إنجاز العمل – تتوقف بشكل أساسي على استيعاب زملائهم لجدوى قراراتهم.

الخطوة الخامسة

شجّع وجهات النظر الأوسع

غالباً ما ينصب تركيزنا على وجهة نظرنا الخاصة لدرجة أننا نواجه صعوبة في فهم تجارب الآخرين وتصوراتهم. وحسبما تشير الأبحاث، فمع تقلدنا مناصب عليا، يصبح تركيزنا الأناني على أنفسنا أقوى. وإليك بعض الطرق للتغلب على ذلك:

وفر فرصاً للموظفين كي يروا المشكلات من زوايا متعددة. جميعنا نميل إلى خدمة مصالحنا الخاصة عند معالجة المعلومات وإيجاد بدائل للوضع السائد (أو الفشل في إيجادها). يمكن أن يساعد القادة موظفيهم في التغلب على هذه النزعة بتشجيعهم على رؤية المشكلات من زوايا مختلفة. في مصنع شارب للإلكترونيات، ثمة قول شائع: “كونوا كاليعسوب، لا كالسمكة المفلطحة”. فحشرة اليعسوب تتمتع بعيون مركبة تستطيع الرؤية في اتجاهات عديدة في وقت واحد، أما السمكة المفلطحة فكلتا عينيها في الجانب نفسه من الرأس ولا تستطيع أن ترى سوى جانب واحد فقط.

يطالب جون أولينتو وأنتوني أكيل – مؤسسا سلسلة مطاعم الوجبات السريعة “بي غود” – جميع موظفيهما (بمن في ذلك المديرون) والفروع حاملة الامتياز بتلقي تدريب في جميع الوظائف، بدءاً من تحضير الطعام والشواء وصولاً إلى الوقوف على ماكينات الدفع. (لكن على عكس مطاعم بالز، لا تنقل مطاعم بي غود موظفيها بين الوظائف المختلفة كل يوم). التعرض لتصورات مختلفة يزيد من الحماس والسلوكيات الابتكارية، حسبما اكتشفت الأبحاث.

استخدم تعبيرات تقلل التحيز للمصالح الشخصية. للحيلولة دون اغترار مضاربيها بالنجاح وقت ازدهار السوق، تحرص بعض شركات وول ستريت على تذكيرهم دوماً: “لا تحسبوا أن ذكاءكم هو المسؤول عن ازدهار السوق”. في شركة جنرال إلكتريك، هناك تعبيرات، مثل “غرس البذور” (لوصف الاستثمارات التي ستحقق نتائج مثمرة حتى بعد انتقال المديرين المسؤولين عنها إلى وظائف أخرى) دخلت قاموس الشركة.

عيِّن موظفين ذوي تصوّرات متنوعة. أظهرت أبحاث أُجريت على مدى عقود أن العمل وسط أشخاص متنوعي الثقافات والخلفيات يساعدنا على رؤية المشكلات بطرق جديدة والتفكير في أفكار كان من الممكن أن نغفلها، كما يشجع على الابتكار الذي يدعم التغيير. في مطعم أوستريا فرانشيسكانا، مساعدا الطاهي هما كوندو تاكاهيكو (واختصاراً تاكا) من اليابان، وديفيد ديفابيو من إيطاليا. وهما مختلفان ليس فقط في بلد النشأة، لكن أيضاً في مواطن قوتهما وطرق تفكيرهما: ديفيد يحب الارتجال مثلاً، بينما تاكا مهووس بالدقة. إن تنوع طرق التفكير هي سمة تنشدها ريتشيل تشونغ، مؤسِّسة شركة كاشفير الناشئة ورئيسها التنفيذي. فعندما تقابل المتقدمين للوظائف، فإنك تصف لهم التحديات المحتملة وتستمع بعناية لترى ما إن كانوا سيتوصلون إلى عديد من الحلول الممكنة، أم أنهم سيتقيدون بحل واحد. لتشجيع الابتكار والرؤى الجديدة، يعيِّن إد كاتمول كوادر متميزة من خارج الشركة، ويسند إليهم أدواراً مهمة، ويشيد بإسهاماتهم علناً. لكن كثيراً من الشركات تفعل العكس تماماً، فتستعين بأشخاص يعكس تفكيرهم منظور فريق الإدارة الحالي.

الخطوة السادسة

عبِّر عن الآراء المخالفة وشجعها

غالباً ما نبحث عن معلومات تدعم معتقداتنا ونتشبث بها. ومع ذلك فالبيانات التي تتعارض مع تصوراتنا أو حتى تستفز مشاعر سلبية (مثل الإحساس بالفشل) يمكن أن تتيح فرصاً لتحسين مؤسساتنا وتطوير قدراتنا. ويمكن أن يستعين القادة بعدد من الأساليب لإخراج الموظفين من دائرة التعود.

ابحث عن أدلة تشكيكية. ينبغي ألا يسأل القادة: “مَن يوافق على هذا الإجراء؟” أو “ما المعلومات التي تدعم وجهة النظر هذه؟” بدلاً من ذلك، يجب أن يسألوا: “ما المعلومات التي تشير إلى أن هذا المسار قد لا يكون مساراً صحيحاً؟”. ميلودي هوبسون، رئيسة شركة “أرييل انفيستمنتس”، رئيس مجلس إدارة شركة دريم ووركس أنيمشن للرسوم المتحركة، دائماً ما تبدأ اجتماعات الفريق بتذكير الحاضرين بأنهم ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا على صواب؛ كل ما عليهم هو تقديم معلومات يمكن أن تساعد الفريق على اتخاذ القرارات الصائبة، وهو ما يحدث حين يعبِّر أعضاء الفريق عن مخاوفهم ومعارضتهم. في مجلس شيكاغو للتجارة، يفحص محققون داخليون التعاملات التي قد تنتهك قواعد التبادل التجاري. ولتجنب التحيز في جمع المعلومات، تلقوا تدريباً لطرح أسئلة مفتوحة الإجابة خلال المقابلات، وليس أسئلة يمكن الإجابة عنها ببساطة بنعم أو لا. يمكن أن يستخدم القادة أسلوباً مماثلاً عند مناقشة القرارات. كما يجب أن يتوخوا الحرص بعدم الاعتماد على الآراء الشخصية، وإنما يقيِّموا ما إن كانت البيانات تدعم وجهة النظر السائدة، أم تفنّدها.

اجعل الاعتراض هو القاعدة. يمكن أن يشجع القادة الجدال خلال الاجتماعات بدعوة الحاضرين إلى تبني وجهات نظر متعارضة، كما يمكنهم أيضاً تصميم عمليات تنطوي على المعارضة. حين يقترح موظفو مطعم بالز أفكاراً واعدة لأجل أصناف جديدة في قائمة الطعام، تُختبر الأفكار في ثلاثة فروع مختلفة: فرع يحب مالكه الفكرة (المؤيد)، وفرع ثان يشعر مالكه بالشك تجاه الفكرة (المعارض)، وفرع ثالث لا يزال على مالكه أن يكوِّن رأياً محدداً (المحايد). هذا يضمن التعبير عن الآراء المعارضة ومساعدة الرئيس التنفيذي على اتخاذ قرارات واعية حيال الأصناف المقترحة.

اعثر على معارضين يتحلّون بالشجاعة. حتى في وجود مناخ يشجّع المعارضة، فإن العديد من الموظفين الصغار أو المترددين لن يفعلوا. لذا احرص على أن يضم فريقك أفراداً تعلم أنهم سيعبّرون عن مخاوفهم، حسبما تشير ديانا ماكلين سميث في كتابها “فيل في الغرفة: كيف تبني العلاقات نجاح القادة والمؤسسات أو تهدمه” (The Elephant in the Room: How Relationships Make or Break the Success of Leaders and Organizations). ما إن يرى الموظفون المترددون أن الآراء المعارضة تلقى ترحيباً، يبدأون في الشعور بالاطمئنان حيال التعبير عن معارضتهم أيضاً.

تحقيق المعادلة الصعبة

يستطيع القادة باتباعهم الاستراتيجيات السابقة أن يقاوموا ميلهم وميل موظفيهم إلى “نفّذ” عندما يكون مضراً بمصالح الشركة. لكن لتحقيق التوازن المثالي بين “نفّذ” والتمرد، يجب عليهم إمعان التفكير في الحدود التي يحق للموظفين مخالفة الأوضاع السائدة في إطارها. على سبيل المثال: يمكن اعتبار الطريقة التي يقود بها أي مدير فريقه مسؤوليته وحده ما دام سلوكه يتسق مع أهداف الشركة وقيمها، وما دام يحقق تلك الأهداف.

توفر “خطابات تفاهم الزملاء” في شركة مورنينغ ستار هذه الحدود، فهي تذكر بوضوح أهداف الموظفين ومسؤوليتهم تجاه تحقيق غايات الشركة، لكنها تترك لكل موظف أن يقرر كيفية تحقيق تلك الأهداف. والزملاء الذين يتفاوض معهم أحد الموظفين بشأن خطاب تفاهم، سيخبرونه إذا تخطت أفعاله تلك الحدود.

وبالمثل، فإن شركة سيمكو جروب في البرازيل، المكونة من ثلاثة آلاف موظف، تعتمد على ضغوط الأقران وغيرها من الأساليب لتعطي الموظفين حرية كافية، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا يتخطوا الحدود. لا يوجد في الشركة ألقاب وظيفية أو زي رسمي أو قواعد مؤسسية. إذا أردت مساحة عمل، يمكنك حجزها عبر أحد المكاتب القليلة التابعة للشركة التي تنتشر بأنحاء ساو باولو. يحدد الموظفون –بمن في ذلك عمال المصنع– مواعيد عملهم ومستهدفاتهم الإنتاجية الخاصة، حتى إنهم يختارون حجم التعويض الذي يحصلون عليه ونوعه. ما الذي يمنع الموظفين من سوء استغلال هذه الحرية؟ أولاً: تؤمن الشركة بالشفافية، فكل بياناتها المالية متاحة على الملأ، وبالتالي يعرف كل موظف ما يجنيه زملاؤه. والموظفون الذين يحددون لأنفسهم أجراً أكبر من اللازم عليهم العمل مع زملاء ناقمين. ثانياً: أجور الموظفين مرتبطة بشكل مباشر بأرباح الشركة، ما يخلق ضغوطاً هائلة من الأقران للحفاظ على اتساق الميزانية.

تجيد فنادق ريتز كارلتون أيضاً تحقيق التوازن بين “نفّذ” والتمرد، فهي تعتمد على ثلاثة آلاف معيار وُضعت على مر السنين لضمان اتساق تجربة العملاء في جميع الفروع. تتنوع هذه المعايير ما بين طريقة تقطيع ثمرة الليمون وصولاً إلى اختيار أدوات النظافة الشخصية في المراحيض. لكن يتمتع الموظفون بقدر كبير من الحرية في إطار تلك المعايير، ويمكنهم مراجعتها إذا وجدوا طرقاً لتقديم تجربة أكثر تميزاً للنزلاء. فمثلاً: على مدى سنوات طويلة، سمحت الشركة للموظفين بإنفاق ما يقرب من ألفي دولار لحل أي شكوى من النزلاء بالطريقة التي يرونها مناسبة. (أجل، ألفا دولار لكل موظف على كل نزيل). يؤمن الفندق بأن الشركة تكون في أوج نجاحها حين يكون لدى الموظفين معايير واضحة يفهمون المنطق من ورائها، ويحصلون على الاستقلالية في تنفيذها.

من السهل أن تصبح المؤسسات –مثلها مثل الأفراد– قانعة بأوضاعها، لا سيما إذا كان العمل يسير على ما يرام. وغالباً ما يترسخ الشعور بالرضا نتيجة تطبيق “نفّذ” بشدة الذي ينبع من ضغوط الأقران، وقبول الأوضاع السائدة، وتفسير المعلومات بطرق تخدم المصلحة الذاتية. النتيجة هي فريق من الموظفين الذين يعجزون عن التصرف بتلقائية في عملهم، كما يشعرون بالملل، ولا يقيمون وزناً لآراء الآخرين.

يمكن أن يساعد التمرد البنَّاء الشركات على تجنب هذه المشكلات. لو كرس القادة نصف الوقت فقط الذي يقضونه في ترسيخ “نفّذ” لابتكار وتطبيق أساليب لتشجيع التمرد البنّاء، ستتضاعف مشاركة الموظفين وإنتاجيتهم وابتكاراتهم.

دراسة حالة: إيغون سيندر

الفضول هو الصفة الأهم في المواهب المتمردة

شركة التوظيف إيغون سيندر تتوصل إلى وجود علاقة بين أصحاب الإمكانات الواعدة والمتمردين الفضوليين.

فكِّر في ابتكار كان سبباً في تغيير طريقة تنفيذ آلية عمل أساسية في شركتك، أو في طريقة تصنيع منتج ما. أراهن أن الفضول كان هو القوة المحركة وراء هذا الابتكار.

إن الفضول هو الدافع إلى إيجاد أفكار وتجارب جديدة، وهو عنصر ضروري للابتكار؛ لأنه يجعل الإنسان ينظر إلى العالم من منظور مختلف، ويطرح أسئلة بدلاً من قبول الوضع السائد. وبالتالي فهو أداة مهمة لمقاومة “نفّذ”.

إلا أن القليل من القيادات والمؤسسات تفكر فيه بشكل منهجي، وعلى رأسها شركة التوظيف العالمية إيغون سيندر، التي طوَّرت طريقة فعالة لتقييم الفضول لدى موظفيها، ولدى المرشحين الذين ترشحهم لعملائها.

حيث تقيِّم معظم الشركات قادتها وموظفيها على أساس كفاءات رئيسة محددة، مثل التركيز على النتائج المنشودة أو القدرة على التأثير في الآخرين. إيغون سيندر نفسها اتبعت ذلك المنهج لسنوات عديدة. لكن مع تقلب بيئة الأعمال وتعقُّدها، أدركت الشركة أهمية القدرة على التكيف مع المواقف الطارئة عن طريق تعلُّم مهارات جديدة، وبدأت تقيَّم المرشحين على أساس تحليهم بهذه القدرة.

وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، ابتكرت نموذجاً يرتكز على أربعة محاور:

الفضول: التعطش للتجارب الجديدة والمعرفة، والانفتاح على النقد والتعلم والتغيير.

الرؤية: القدرة على جمع وتوليف المعلومات التي تبشر بإمكانات جديدة.

المشاركة: القدرة على التواصل مع الآخرين والتعبير عن الرؤى والأفكار.

الإصرار: المثابرة على تخطي العقبات وتحقيق أهداف صعبة.

التركيز على الفضول، وعلى الإمكانات الواعدة بصفة عامة، يمكن أن يعرض رؤية مغايرة لهؤلاء المرشحين الذين قد يبدون غير مناسبين لمنصب معين، لكنهم يبرعون حين يواجهون تحديات جديدة.

توصلت أبحاث شركة إيغون سيندر إلى أن الفضول كان الصفة الأهم من بين المحاور الأربعة، وأن الأشخاص الذين أحرزوا درجات عالية في تلك الصفة كانوا أكثر قدرة على إحراز درجات عالية في غيرها من الصفات. في الواقع، يحدد مستوى الفضول مدى جاهزية الفرد لإظهار السلوك المرتبط بالصفات الأخرى، كما أن الاختلاف في مستويات الفضول لدى الأفراد ينبئ باحتمالية اختلاف مستويات أدائهم في العمل وسلوكياتهم الابتكارية. إذ يحفّز الفضول استجابة مباشرة للمواقف التي تناقض افتراضاتنا. ومن شأن قدرتنا على التساؤل أن تكشف عن إمكانية التغيير الذي تجسده مثل هذه المواقف.

التركيز على الفضول، وعلى الإمكانات الواعدة بصفة عامة، يمكن أن يعرض رؤية مغايرة لهؤلاء المرشحين الذين قد يبدون غير مناسبين لمنصب معين، لكنهم يبرعون حين يواجهون تحديات جديدة. تأمَّل هذا المثال: منذ عدة سنوات، طلبت إحدى شركات الطاقة العالمية من شركة إيغون سيندر تقييم مرشحها الداخلي الأساسي لمنصب الرئيس التنفيذي. بعد مقابلة مجلس الإدارة، وضعت إيغون سيندر وصفاً تفصيلياً لمهمات الوظيفة، موضحةً الكفاءات المطلوبة في الوقت الحاضر وتلك المحتمل الحاجة إليها في المستقبل. وقيّمت المرشح الداخلي على أساس هذه المهارات، كما اقترحت على مجلس الإدارة ستة مرشحين خارجيين مؤهلين. أظهر التقييم أن المرشح الداخلي يتمتع بقدرات تشغيلية وتحليلية ممتازة؛ لكنه يفتقر إلى الذكاء الاستراتيجي ولم يكن يجيد تفويض المهمات بكفاءة. نتيجة لذلك، رأى مجلس الإدارة أنه قد يضطر إلى اتخاذ خطوة تستنزف الوقت وربما تكون محفوفة بالمخاطر، وهي تعيين أحد المرشحين الخارجيين.

ومع ذلك، لم يعد هذا ضرورياً بمجرد أن قيمت إيغون سيندر قابلية المرشح الداخلي للتأقلم والنمو. كشفت المقابلات التي أُجريت معه ومع زملائه أنه أحرز درجات عالية في جميع المحاور الأربعة للنموذج، لا سيما الفضول. وعلى الرغم من أنه كان بحاجة إلى صقل مهارته في التعامل مع الآخرين، فإنه كان يتمتع بعقلية مُفعمة بالفطنة علاوة على قدرته على التعبير عن رؤيته بفاعلية، كما كان سجله حافلاً بالتغلب على العقبات وإنجاز الأهداف الصعبة.

استنتجت إيغون سيندر أنه بمقدور المرشح الداخلي التغلب على نقاط ضعفه والتكيف مع المواقف المتغيرة الناجمة عن التطورات المتلاحقة في مجاله، بشرط توفير التدريب والدعم من مجلس الإدارة. وبرؤيته من خلال منظور هذا النموذج، وُجد أنه أجدر بالمنصب من المرشحين الخارجيين. وضع مجلس الإدارة برنامج تطوير احترافياً في العام الذي سبق توليه منصب المدير التنفيذي، وتم تكليفه بأدوار مهمة تتطلب القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وطلبوا منه أن يفوض جانباً أكبر من مسؤولياته التشغيلية. ومنذ أن تقلَّد المنصب قبل بضع سنوات، فاق كل توقعات مجلس الإدارة.

لتقييم الفضول، اطرح أسئلة كالتي يطرحها مسؤولو التوظيف في إيغون سيندر، وبصفة خاصة: متى عجزت عن منع نفسك من تعلُّم شيء جديد؟ وما الذي غذّى تلك الرغبة؟ ستوضح الإجابات ما إذا كان الشخص يتعلم من أجل هدف محدود (“اضطررت إلى تعلُّم ذلك من أجل عملي”) أم بدافع الفضول الفطري (“أردت فقط أن أتعلم”). الشخص الفضولي يعاني من أجل تعلم شيء ما، لكنه لا يستسلم، فهو يشعر بأنه بحاجة إلى الفهم.

لا يزيد الفضول من احتمالية نجاة المرء فحسب، ولكنه يرفع من احتمالية انتصاره أيضاً عندما يصادف تحديات غير متوقعة. بمقدور القادة إطلاق العنان لقدرة مؤسستهم على التأقلم والنمو بتحفيز فضول الموظفين، وصقل تلك المهارة في أنفسهم أيضاً.

دراسة حالة: صن هيدروليكس

رجل الصناعة المتمرد الذي منح عمّاله الحرية

في مصنع صن هيدروليكس، لا وجود للألقاب الوظيفية تقريباً، حيث يبتكر العاملون وظائفهم بأنفسهم، ويمكنهم اتخاذ القرارات وتنفيذ التغييرات التي يرونها مناسبة.

يبدأ ميلنا إلى الانسجام مع مَن حولنا عن طريق المحاكاة منذ مرحلة مبكرة في حياتنا، فبعد دقائق من مولده يبدأ الرضيع في محاكاة تعبيرات وجه والديه. لكن هذه النزعة الفطرية إلى “نفّذ” يمكن أن تكبّد المؤسسات خسائر فادحة، فهي تُضعف قدرة الموظفين –رؤساء ومرؤوسين– على التفكير الإبداعي والابتكار.

كيف يمكن أن تقاوم المؤسسات “نفّذ”؟ عن طريق تشجيع الموظفين على أن يكونوا أنفسهم؛ وذلك من خلال تشجيعهم على تجنب التقليد واستغلال مواطن قوتهم. لكن للأسف، نادراً ما يحدث ذلك. ويعد صن هيدروليكس أحد الاستثناءات، وهو مصنع في فلوريدا متخصص في تصنيع الأنابيب اللولبية وصمامات الخراطيش الهيدروليكية عالية الجودة. تحقق الشركة مبيعات سنوية تقدر بنحو مائتي مليون دولار، وموظفوها التسعمائة موزّعون بين الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وكوريا الجنوبية والهند والصين.

حين أسهم روبرت كوسكي في تأسيس الشركة عام 1970، كان يخطط لإنشاء شركة بلا تسلسل إداري أو هيكل مؤسسي أو ألقاب أو أوصاف وظيفية أو مكاتب مستقلة أو درجات إدارية أو حتى إشراف مباشر. أراد أن يعرف الجميع بما يجري في العمل، وأن يعوا الأهداف والطموحات المؤسسية. أراد أن يكون قادراً على إعطاء الثقة للموظفين في اتخاذ القرارات الصحيحة، وأن يوفر بيئة عمل تستثمر مواطن قوتهم.

كان كوسكي –الذي كان في الأربعينيات وقتها– متأثراً بالإحباط الذي تعرض له في محل عمله السابق. فقد عمل لأكثر من عقد من الزمان في شركة ديناميك كونترولز، التي تقع في أوهايو وتصنع منتجات للتحكم في طاقة السوائل، وقد تدرّج في المراكز الوظيفية حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الشركة ومدير التطوير المؤسسي. خلال تلك الفترة، نمت مبيعات الشركة السنوية من ستمائة ألف دولار إلى خمسة ملايين دولار، إلا أن كوسكي شعر بأن هيكل الشركة وثقافتها –خاصة هوسها بالإجراءات الروتينية– يعوقان إسهامات الموظفين.

تُوفي كوسكي عام 2008، لكن ما زالت شركة صن هيدروليكس تعكس رؤيته. الألقاب الوظيفية الوحيدة في الشركة هي تلك التي يفرضها القانون بحكم أن الشركة عامة (مثل: الرئيس التنفيذي والمدير المالي). وللموظفين حرية كبيرة في اتخاذ القرارات وتنفيذ التغييرات التي يرونها مناسبة. ولا يوجد مفتشو جودة؛ لأن الجميع مسؤولون عن جودة عملهم.

يُنتظر من الموظفين أيضاً اختيار أكثر الأنشطة التي تتيح لهم المساهمة في الشركة والتعبير عن مواطن قوتهم التي يتميزون بها عن غيرهم. فقد يقررون توسيع نطاق مسؤولياتهم أو مشاطرتها مع الغير. على سبيل المثال: اكتشفت موظفة إدارية ومكتبية أن الموظفين الآخرين غالباً ما يلجأون إليها طارحين عليها أسئلة أو مشكلات تخص علاقات العمل. وبعد بضع سنوات، أصبح يُنظر إليها باعتبارها مسؤولة عن الموارد البشرية وما يرتبط بها من مهمات.

تبدأ جهود شركة صن في تحفيز الموظفين لاستخدام مواطن قوتهم الرئيسة والتعبير عن شخصيتهم الحقيقية منذ مرحلة التعيين. يأخذ جميع الموظفين الجدد جولة تعريفية حول المصنع، يجوبون خلالها أقسامه المختلفة، بما في ذلك التجميع والاختبار والغسيل والخراطة. وقد تستغرق الجولة ما بين أسبوعين إلى أربعة أشهر، بحسب منصب الموظف. تتيح هذه الجولة التعريفية للعمال معرفة المهمات المتنوعة في العمل، واكتشاف أيّها يثير اهتمامهم أكثر ويناسبهم بشكل أفضل. كما تتيح لهم بناء علاقات عبر أرجاء المؤسسة، وفهم الشركة من جميع الزوايا. وأخيراً، فإنها تمكّنهم من فهم أدوار وقدرات بعضهم، وهو أمر أثبتت أبحاثي المستمرة أنه يبني الثقة، وبالتالي يزيد من إقدام الموظف على التصرف على طبيعته واستخدام مواطن قوته.

بعد الجولة التعريفية، ليس مستغرباً أن يتقلد العامل دوراً مختلفاً عن ذلك الذي عُيِّن من أجله. وتحتل الاهتمامات الشخصية والمؤهلات الأولوية. فمثلاً: مهندس عُين لوظيفة تطوير المنتجات صار مهتماً بالحواسيب وقرر التركيز على تصميم تطبيقات برمجية بدلاً من وظيفته الأصلية. هذا، وتملأ الشركة الشواغر الناتجة عن تلك العملية من خلال النقاش والتخطيط المتأني، حتى لو استغرق ذلك شهوراً.

إن أسلوب شركة صن في الإدارة الذاتية يعطي جميع الموظفين حرية تحديد فرص نموهم، ومناقشة أفكارهم مع زملائهم، وتنفيذ التغييرات دون انتظار موافقة عليا. لقد رأيت أمثلة عديدة على هذا في أحد فروع الشركة في فلوريدا. فقد خطرت لميكانيكي فكرة لتحسين إحدى العمليات، فطرحها على زملائه، وتلقى ردود فعل إيجابية، ونفذها. لم يكن هناك مَن يشرف عليه؛ لكنه كان يعلم أن بوسعه طلب المساعدة في أي مرحلة. كما كان يعلم أنه ما دام مجهوده قائماً على حسن النية، فلن يُعاقب إذا مُنيت فكرته بالفشل. عامل آخر أصابه الإحباط بسبب طول مدة تجهيز الصمامات الهيدروليكية يدوياً لاختبارها، ففكر في آلة بسيطة يمكنها عمل التعديلات اللازمة، وأقنع مهندساً كان متشككاً في البداية لتصميمها، فأصبحت جزءاً قيماً في عملية التجميع. وعامل ثالث عند تسلمه مسؤولية مخزون الألومنيوم في المصنع، وضع نظاماً فورياً للطلبات بعد أن أقنع مُشغلي الآلات بتعلم كيفية استخدامه. والآن يتم توصيل ألواح الألومنيوم يومياً بالكميات المطلوبة بدقة، بدلاً من توصيلها شهرياً بكميات غير دقيقة، ما قلل من تكاليف التخزين.

تؤمن شركة صن بضرورة مساعدة عمالها على تنمية قدراتهم عند ظهور احتياجات جديدة، بدلاً من الاستعانة بخبرات خارجية. فمثلاً: عند طرحها جيلاً جديداً معقداً من أنظمة التشغيل المرنة، أرسلت الشركة مُشغلي المصنع إلى مصنع الوكيل ليتعلموا كيفية برمجتها. كانت تلك أول مرة يُطلب فيها من الوكيل تدريب عمال ورشة بسطاء نسبياً، إذ كان العملاء الآخرون يستعينون بمبرمجين ومدربين متخصصين. لكن شركة صن أرادت أن تضمن تحلِّي العمال الذين سيستخدمون معداتها بالمهارات اللازمة لتشغيلها وصيانتها، حتى إن الوكيل قال إنه لم يشهد من قبل استخدام أجهزته بهذه السرعة والسلاسة.

حتى المؤسسات ذات التسلسل الإداري المبالغ فيه يمكن أن تتعلم من جهود شركة صن في تشجيع الموظفين على التصرف بتلقائية. فإبلاغ العاملين بجميع عمليات الشركة وأهدافها، مثلاً،  يزيد من قدرتهم على اتخاذ القرارات بمفردهم، ما يعطيهم سلطات واسعة. كما يمكن أن تسمح المؤسسات لموظفيها بتصميم وظائفهم، أو أن تمنحهم قدرة أكبر على التحكم في مهماتهم كي يعكس عملهم اهتماماتهم ويستثمر إمكاناتهم بصورة أفضل. لا ضرر من تشجيع العاملين على التصرف بطبيعتهم واستثمار مواطن قوتهم. هناك فقط هذه الفوائد: موظفون أكثر حماساً وإنتاجية وابتكاراً.

للموظفين حرية كبيرة في اتخاذ القرارات وتنفيذ التغييرات التي يرونها مناسبة.

دراسة حالة: أرييل انفيستمنتس

طرق يومية تساعد بها إحدى القائدات موظفيها على تحدي الوضع السائد

رئيسة شركة أرييل انفيستمنتس، ميلودي هوبسون، تشجّع السلوك المتمرد بإصرارها على تشكيك موظفيها في كل شيء وكل شخص، حتى هي شخصياً.

ألقيتُ محاضرة في فبراير/شباط 2014، في إطار فعاليات “قمة التأثير” (Impact Summit) بحضور أهم 250 شخصية نسائية في مجال الخدمات المالية، كانت أبرزهن تحديداً ميلودي هوبسون، رئيسة شركة أرييل انفيستمنتس المتخصصة في إدارة الأموال، ويقع مقرها في شيكاغو ولها فروع في نيويورك وسيدني. تشغل هوبسون عضوية مجلس إدارة شركتي إستي لودر وستاربكس، وترأست مجلس إدارة شركة دريم ووركس أنيميشن للرسوم المتحركة حتى استحوذت عليها مؤخراً شركة كومكاست – إن بي سي يونيفرسال. بالتأكيد كانت ذات تاريخ حافل، لكن ليس هذا ما لفت انتباهي نحوها، ولا حتى لأنها الأمريكية الوحيدة ذات  الأصول الأفريقية بين الحاضرين. لكن ما لفت انتباهي هو تصريحاتها خلال جلسة بعنوان “رؤى حول القيادة الإبداعية”، حيث أشارت هوبسون إلى سهولة “نفّذ” لطرق التفكير الاعتيادية في الشركات، وإلى أهمية مقاومة تلك النزعة. كما أشارت أيضاً إلى أن الاختلاف يجعلك ذا مآثر مشهودة، وأعربت عن أملها في أن يتقبل الناس اختلافاتهم، لا أن يخفوها.

ألهمتني تصريحات هوبسون أن أكتب دراسة حالة لكلية هارفارد للأعمال بشأن أسلوب قيادتها في شركة أرييل. اكتشفت خلال بحثي أنها قدوة لا مثيل لها. وفي مقابلة أجريتها معها مؤخراً، استعرَضَت طرقاً بسيطة يمكن استخدامها من جانب أي قائد لمقاومة “نفّذ” وتشجيع الآخرين على الاقتداء به.

جينو: حدّثينا عن تجربتك الشخصية مع الضغوط المؤسسية للامتثال.

هوبسون: “نفّذ” هو القاعدة السائدة في الكثير من المؤسسات، لكنه لحسن الحظ لم يلعب دوراً كبيراً في مسيرتي المهنية، وذلك لسببين رئيسين.

أولهما هي نصيحة ثمينة لا تُنسى تلقيتها في أول يوم عمل لي في شركة أرييل، التي انضممت إليها عقب تخرجي في جامعة برنستون؛ حيث قال لي المؤسس، الرئيس التنفيذي، جون روجرز الابن: “ستتعاملين مع أشخاص يجنون ثروات هائلة ويتقلدون مناصب كبيرة؛ لكن هذا لا يعني أن أفكارك أقل روعة من أفكارهم، إن لم تكن أفضل. أود أن أسمع أفكارك. أنتِ ملزمة بالتعبير عن رأيك”. وسمح لي بالتعبير عن الحقائق من منظوري، أي كما أراها بصفتي امرأة شابة (كنت في الثانية والعشرين آنذاك). كانت هذه توجيهات مشجّعة ومؤثرة للغاية.

بعد ذلك بثلاث سنوات، أقنعت جون بالانفصال عن شركة كالفرت، التي كانت تبيع صناديق أرييل الاستثمارية تحت مُسمى صناديق كالفرت – أرييل. كانت لدينا استثمارات تقدر بنحو 400 مليون دولار في تلك الصناديق آنذاك. قلت له إننا أقوياء بما يكفي لنعمل بمفردنا. المدهش أن جون استجاب لي قائلاً: “أثق بك”. وكما في حالات الطلاق، كان الانفصال عن شركة كالفرت صعباً ومُحرِّراً في الوقت نفسه؛ لكن بهذه الطريقة أصبحت أرييل أخيراً قادرة على التحكّم في مصيرها.

حكيت تلك القصة مرات عديدة؛ لأن هذا النوع من الثقة يعدّ نعمة كبيرة. عيَّنت مؤخراً امرأة لتنضم إلى فريقنا البحثي، وقلت لها: “أتوقع أن تكون أفكارك مصدراً للتوهج في الشركة، وأن تدفعينا إلى قول الحقائق المُرّة”. فظلت تسألني: “هل تشجعين هذا حقاً؟”، فطمأنتها قائلة: “هذا ما أنتظره منك!”

السبب الثاني الذي أعتقد أنه لم يجعلني أجنح إلى “نفّذ” قط طوال حياتي المهنية هو أنني كنت أعمل بعقلية ريادية. حين يتبنى المرء تلك العقلية، فسيحاول التفكير والتصرف بطريقة مختلفة لكي يتألق. ودائماً ما كنت أؤمن بأن الأصالة والتفرد أمران من الصعب تحقيقهما؛ لكنني كنت أطمح إليهما. وهذا لا يعني من وجهة نظري الاكتفاء بطرح أفكار مبتكرة في الاجتماعات أو طرق مبتكرة للتصدي للمشكلات، لكنه يعني أيضاً أن أكون على طبيعتي دون خوف.

على سبيل المثال: أتبع أسلوباً غير تقليدي فيما يخص زي العمل؛ فحين يتعلق الأمر بالموضة، أحب أن أكون على طبيعتي. وواقع أنني امرأة ذات بشرة سوداء يتحدى أيضاً الوضع السائد. وبدلاً من أن أرى ذلك عائقاً محتملاً، مثلما يفعل البعض عند النظر إلى الأمور الحساسة، فإنني أرى تفرّدي فرصةً للتألق. كما أن اسمي ميلودي (Mellody) بحرفيّ L متكررين، ما يجعله مختلفاً. كثيراً ما أمزح بأنني لست بحاجة إلى لقب عائلتي.

“أتوقع أن تكون أفكارك مصدراً للتوهج في الشركة، وأن تدفعينا إلى قول الحقائق المرة”.

بصفتك قائدة، كيف تشجعين موظفيك على مقاومة ضغوط زملائهم للامتثال؟

من الصعب مقاومة “نفّذ” على الصعيد الشخصي، وتشجيع الآخرين على مقاومته أيضاً. لكنّ ثمة طرقًا لعمل ذلك، بعضها معقد، والآخر بسيط.

على سبيل المثال: خلال اجتماعات العصف الذهني، ربما أتفوّه بجمل مثل: “قد تكون هذه فكرة مجنونة”. أفعل ذلك لتحفيز الآخرين على طرح أفكار مجنونة. وفي الاجتماعات التي أتحدث فيها بمفردي بخصوص أمر ما، أشير إلى ذلك وأقول: “أشعر بالوحدة وأنا أتناول هذه الفكرة بمفردي؛ لكنني متفائلة بشدة حيالها”. هذه طريقتي لإخبار الحاضرين بأنني مستعدة أن أخوض الأمر وحدي، على أمل أن أشجعهم على عمل المثل.

كما أنني أضرب بنفسي مثالاً للسلوكيات المعارِضة. فمثلاً: حين نختلف أنا وجون في أحد الاجتماعات، فإنني أقول للموظفين: “والداكم يختلفان” أو أنظر إليه بابتسامة على وجهي وأقول: “ماذا ستفعل؟ ستفصلني؟” لم أكن أحاول إهانته، بل كنت أوجّه رسالة إلى الآخرين بأنني لا أخشى عواقب الاختلاف معه في الرأي، وأنهم يجب أن يشعروا بحرية التعبير عن رأيهم أيضاً.

حين أرى حالات “نفّذ ثم اعترض” في أرييل، فإنني ألفت الانتباه إليها. على سبيل المثال: حين أرى الموظفين يوافقون تلقائياً على آراء الآخرين، أقول لهم: “إننا نصنع دوناتس”، في إشارة إلى إعلان دانكن دوناتس منذ بضع سنوات، حيث كان الخبّاز فريد يستيقظ قائلاً: “حان وقت إعداد الدوناتس”، وفي اليوم التالي يفعل الأمر نفسه، وهكذا دواليك؛ لذا حين أشعر بأننا نكرر أمراً ما دون التشكيك فيه، أقول للموظفين: “إننا نصنع دوناتس”. استخدمت هذه العبارة لفترة طويلة من الوقت حتى أصبحت مفهومة هنا. عبارات سريعة كهذه يمكن أن تكون مفيدة  للغاية.

إحدى طرق تفشّي “نفّذ” هي الرسائل الإلكترونية المتسلسلة. يطول تسلسل الرسائل حتى إن الموظفين يبدأون في الموافقة على آراء بعضهم بعضاً؛ لأنهم يفقدون المغزى من الرسالة. أحاول دوماً إيقاف هذه الرسائل المتسلسلة. فبعد تبادل الرسالة ذهاباً وإياباً لثالث مرة، أكتب لهم: “توقفوا وتقابلوا!”

من الضروري بالطبع الالتزام بقواعد ومعايير معينة. فكيف تحققين التوازن بين تنفيذ القواعد والتمرد عليها؟

ثمة شَعرة دقيقة بين التميز والالتزام بالقواعد؛ لذا لدينا قواعد واضحة فيما يخص آليات العمل. فلا يمكنك الارتجال في عملية ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الشركة. لا بد أن تتبع قواعد تلك العملية قدر المستطاع، وأن تقدم مبررات مقنعة ومنطقية للغاية في حالة عدم الالتزام بها. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها تحليل الأمر إذا وقع خطأ ما.

قد تنطوي هذه العمليات على مهمّات بسيطة، مثل كيفية إتمام صفقة ما، أو كيفية الالتزام بقوانين الدعاية في المجال، أو كيفية مراجعة بيان أحد العملاء قبل خروجه. لدينا قاعدة تحظر خروج أي خطاب من الشركة قبل قيام اثنين من المدققين بمراجعته لضمان خلوّه من أي أخطاء مطبعية. لا شيء أسوأ من خطاب عمل مليء بالأخطاء المطبعية، فهذا يضر بسمعة العلامة التجارية.

من المخاطر الكبرى ألا يشكك الموظفون في الممارسات السائدة التي لم تعد مجدية. فكيف تشجعين موظفيك على تحدي الأوضاع السائدة؛ أي الطريقة التي دائماً ما أثبتت نجاحها في الشركة؟

نشجع الموظفين في أرييل على طرح الأسئلة، وإجراء أبحاث أكثر عمقاً، وألا يأخذوا أي شيء باعتباره أمراً مفروغاً منه. طرح الأسئلة مهم بصفة خاصة. وهذا عين ما كان يفعله أفلاطون وسقراط. الطريقة السقراطية في طرح الأسئلة تقود إلى أفضل طرق التفكير وأحسن النتائج. إذ يمكن أن تؤدي الأسئلة إلى إنجازات غير مسبوقة، وليس التوصل إلى إجابات وحسب. وشخصياً فإنني أطرح الكثير من الأسئلة، وأريد أن يكون طرح الأسئلة جزءاً من ثقافة الشركة. كثيراً ما نمزح أنه لو اتفق الجميع على إجابة روتينية، فيجب أن يثير هذا قلقنا.

غالباً ما نكلّف موظفاً بأداء دور محامي الشيطان. بين عامي 2008م و2009م، وخلال الأزمة المالية العالمية، كان دور محامي الشيطان محور عمليتنا البحثية؛ حيث اعتدنا تكليف موظف بتقديم إجابة روتينية، وآخر مهمته أن يجادل بإجابة متناقضة. هذه إحدى الطرق للتأكد من عدم امتثال الموظفين لآراء الآخرين أو تأثرهم بعقلية القطيع. نحن مستثمرون غير تقليديين؛ نحاول في الأساس ممارسة عملنا بشكل مختلف عن الآخرين؛ لذا تتطلب معظم ممارساتنا الوقوف في وجه الريح، ويجب أن تتعلم الثقة بنفسك عند الوقوف وحدك.

ثمة أمور أخرى نفعلها لتشجيع الموظفين على تحدي الأوضاع السائدة. في نهاية فترة التدريب الصيفي، نسأل المتدربين عما قد يفعلونه بطريقة مختلفة إذا تسنى لهم قيادة الشركة. وعندما ينضم موظفون جدد إلى الشركة، نسألهم عن أفضل ممارسات شركاتهم السابقة.

يبدو أنك جربت مأسسة المعارضة.

أجل. لديّ مقولة لشركة ماكنزي على مكتبي تقول: “عزِّز التزامك بالمعارضة”. لقد عرفت أن التعبير عن المعارضة في شركة ماكنزي ليس اختيارياً، بل مطلب أساسي. بالمثل، يقول ريد هاستينغز – الرئيس التنفيذي لشركة نتفليكس – إنك لو لم تعترض باحترام، فإنك خائن لشركتك. كلتا الجملتين كانت لها صدى لديَّ.

إليك مثالاً لكيفية تطبيقنا هذه الأفكار على أرض الواقع في أرييل. نريد أن يجتهد المحللون في استخراج فكرة ما من الملفات مثلما يجتهدون في إدخالها. لا نريدهم أن يؤيدوا الاستثمارات المحتملة فحسب، بل نريدهم أن يقاوموها بقصارى جهدهم؛ لأننا جميعاً سنتضرر إذا فشل أحد الاستثمارات.

هل هناك طرق أخرى تشجعين بها وجهات النظر المتنوعة؟

إحداها في ممارسات التوظيف لدينا؛ لأننا نريد أن نضمن وجود موظفين يتمتعون بخبرات وخلفيات متباينة. ونحن مقتنعون تماماً بكتابات سكوت بيج، الأستاذ في جامعة ميشيغان الذي ألّف كتاب “الاختلاف” (The Difference). فهو يرى أنك إذا أردت أن تحل مشكلة عويصة، فستحتاج إلى أشخاص ينظرون إليها من زوايا مختلفة.

نحب العثور على أشخاص مختلفين. ولا نشعر أننا مضطرون إلى قبول المرشحين ذوي الخلفيات المالية التقليدية، أو أولئك المتخرجين في كليات تقليدية فقط. فمرشح يحمل شهادة في العلوم الإنسانية يمكن أن يكون ذا بصيرة بقدر مرشح يحمل شهادة في الاقتصاد. وليست لدينا قواعد صارمة بشأن سابقة الخبرة، فنحن نكيّف المنصب أو الوظيفة بما يناسب مهارات المرشح.

وحسبما يشير سكوت بيج، فقد يؤدي التنوع إلى النزاع. وفي بعض الأوقات، هذا ما يحدث فعلاً في شركة أرييل. لكن، مثلما كتب بيدج، لو وجدت نفسك في اجتماع تتجادل مع زملائك، فيجب أن تقف وتصفق؛ لأن اختلاف الآراء يؤدي إلى نتائج أفضل. قد يكون من الأسهل أن توجد بين أشخاص يتفقون معك في الرأي، لكن هذا لن يحقق نتائج أفضل.

تقييم

هل أنت “متمرد بنَّاء”؟

ثمة حكمة ظلت سائدة في عالم الإدارة لعقود من الزمان، شجّعت المسؤولين على تصميم آليات عمل فعالة وإرغام الموظفين على الالتزام بها؛ إلا أن “نفّذ” يمكن أن يضر المؤسسات، وذلك لأن الابتكار والأداء المتميز عادةً ما ينبعان من السلوكيات التي تتحدى المعايير المؤسسية المتعارف عليها؛ أي الطرق السائدة في التفكير والتصرف. إلى أي مدى تضغط عليك شركتك للامتثال؟ وهل ترضخ لهذه الضغوط وتضيع فرصك في النجاح؟ خض الاختبار التالي (المستوحى من أبحاثي الجاري تنفيذها) لتكتشف ما إن كنت تمارس ما أسميه التمرد البنَّاء؛ أي السلوك الذي يكسر القواعد ويخدم المؤسسة.

 

فيديو

المواهب المتمردة في أوستريا فرانشيسكانا

 

“لكي تبني فريقا، يجب أن تعرف أعضاءه. يجب أن تعرف من معك، وأن تمعن النظر إلى عيونهم وتجد فيها شعلة الحماس”.

— ماسيمو بوتورا رئيس الطهاة في مطعم أوستريا فرانشيسكانا

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .