تسعى الشركات اليوم لإيجاد سبل مختلفة لتلبية احتياجات الآباء العاملين، إذ يقدمون لهم إجازات أسرية، وجداول عمل مرنة وخيارات متعددة لرعاية الأطفال بتكاليف في متناول الجميع. إلا أنه يبقى الآباء محجمين عن الاستفادة الكاملة من هذه المزايا، على الرغم من قولهم أنهم يرغبون في أن يتشاركوا في مسؤولية رعاية الأطفال مع زوجاتهم، من تبديل الحفاظات لأطفالهم، إلى تحضير وجبات طعامهم، وكل ما يستلزم الأمر من مهام أخرى. في بحثنا حول سياسات الإجازة الأسرية المتبعة وثقافة التربية في اسكتلندا، قيل لنا كثيراً أنّ الآباء يشعرون بالقلق وحتى بالإحراج من الحصول على الإجازات المقدمة وامتيازات جداول العمل المرنة.

ووفقاً لنتائج بحثنا؛ فإنّ حوالي 78% من الآباء في اسكتلندا يحصلون على بعض الإجازات بعد ولادة أطفالهم، ولكن 18% فقط يحصلون على أكثر من أسبوعين. وهذا يعني أنّ 22% منهم لا يحصلون على مثل هذه الإجازات على الإطلاق. كما أنّ الآباء أصحاب الدخل المنخفض أقل احتمالاً لأن يتمتعوا بمزايا هذه الإجازات، خوفاً من أن يؤثر الدخل المنخفض أو حتى انقطاعه على الاستقرار المالي لأسرهم. ووجدنا أنّ 43% فقط من هذه الشريحة منخفضة الدخل يحصلون على إجازة بعد ولادة أطفالهم.

قد يعتقد مدراء الشركات أنّ هذا هو السيناريو الأفضل: فإنهم بذلك يجنون المنافع الاجتماعية لتقديمهم (في بعض الأحيان) مزايا سخية للآباء العاملين، ولكنهم يتجنبون في الوقت نفسه تكلفة الإجازة غير المخطط لها. إلا أنّ واقع الأمر يقول؛ عندما لا يأخذ الآباء إجازاتهم المخصصة لهم، فإنّ ذلك لا يخدم مصالح الشركة، حيث يشير بحثنا إلى أنّ الشركات التي لديها مساهمة أعلى في البرامج المصممة لدعم الآباء العاملين؛ تتمتع بنسبة احتفاظ أعلى بالموظفين والرضا الوظيفي، وهذان عاملان يوازنان تكلفة تقديم المزايا للأب العامل.

دعم الآباء في مكان العمل

قام فريق البحث في جامعة إدنبرة بتحليل بيانات دراسة التنشئة في اسكتلندا، وهي دراسة استقصائية طولية صُممت للحصول على تقديرات سكانية من خلال تتبع حياة آلاف الأطفال الصغار خلال مرحلة الطفولة. وأجرينا أيضاً مقابلات معمقة مع الآباء في الأسر ذات الدخل المزدوج، كما أجرينا تدقيقاً في المزايا التي تقدمها الشركات التي يعملون فيها. وأردنا أن نفهم أكثر حول العامل الذي يمنع الآباء من النجاح كأباء عاملين، وكيف يمكن للشركات تقديم الدعم للتغلب على التحديات.

يرغب العديد من الآباء الذين شملتهم دراستنا أن يساهموا في تربية أطفالهم، لكنهم يشعرون بأنهم قادرون على ذلك فقط إذا قام زملاؤهم بدعم خياراتهم. إذ أنّ التوقعات السائدة في العديد من الشركات لما يمكن أن يقوم الموظفون به في مقابل الموظفات لا تزال متباينة إلى حد كبير. وفي حين أنّ العديد من الشركات لديها البرامج التي تدعم الأمهات الشابات – من خلال الإرشاد، وبرامج العودة إلى العمل، وتغطية إجازات الأمومة – إلا أنّ هذا الدعم لا يتوفر للآباء الجدد. وبالتالي، يشعر الآباء بالقلق حول تأثير ذلك على مستقبلهم المهني إذا خالفوا ما هو مألوف في أماكن عملهم.

وقال العديد من الآباء أنهم يشعرون بالقلق من أن تشكل مثل هذه الإجازات عبئاً مالياً كبيراً. ووجدنا أنه في غياب الإجازة الأسرية مدفوعة الأجر، سوف يعمل الآباء عوضاً عن ذلك للحصول على عطل مدفوعة الأجر، وبالنتيجة سوف يحصلون على أيام إجازة أقل لقضاء بعض الوقت مع أطفالهم مما قد يحصلون عليها بقانون الشركة. وكان الآباء أصحاب الدخل المرتفع أقل قلقاً وأكثر احتمالاً لأن يحصلوا على الإجازات، إلا أنّ الآباء أصحاب الدخل المنخفض لديهم مجموعة مخاوف حقيقية حول كيفية رعاية أسرهم من الناحية المادية في حال حصلوا على إجازات غير مدفوعة أو منخفضة الأجر.

إلى جانب ذلك، كان الآباء الذين يشعرون بأنّ شركتهم تدعمهم كآباء (من خلال جداول العمل المرنة، والدعم المالي والاجتماعي أثناء الإجازة الأسرية، وترتيبات أخرى) أكثر احتمالاً لأن يبقوا في وظائفهم لمدة أطول مما إذا كان الأمر خلافاً لذلك. وبالنظر إلى البحث الذي أجريناه في الولايات المتحدة، قال الآباء الذين قابلناهم أنّ هذه الامتيازات قدمت لهم حافزاً أقوى للبقاء في الشركة مما قدمته زيادة الراتب. ولكن هذه المزايا تضيع عندما لا يحصل الآباء على الإجازات التي تقدمها الشركة.

ما الذي يمكن فعله؟

يجب أن تكون ثقافة الشركة مبنية على مبادئ تجعل الآباء يشعرون بأنه يمكنهم الاستفادة من المزايا المقدمة لهم من دون القلق بشأن مستقبلهم المهني. ويمكن لعدد من السياسات أن تساعد على تحقيق ذلك، بما فيها ضمان أنّ الآباء لديهم تغطية مناسبة لمسؤولياتهم في العمل، كما هو الحال مع الإجراءات الروتينية التي تُقدم للأمهات على خلفية إجازات الأمومة التي يأخذنها، والتأكد من أنّ المدراء يدعمون جهود الأب في الجمع بين العمل والحياة الأسرية. إنّ الآباء بحاجة إلى الوقت الكافي لحضور المواعيد السابقة للولادة، وبحاجة لأن يكونوا حاضرين في حالات الطوارئ أو المرض، كما لهم الحق في طلب جداول عمل مرنة. ولا يجب على الشركة أن تتبع سياسات صارمة بهذا الشأن، فإنّ فهم مسؤوليات الوالدان، وعقد اجتماعات منتظمة وفقاً لذلك، تعد بمثابة خطوة بسيطة يمكن أن تطال مزاياها الجميع.

من الواضح أنّ الشركات التي لا تدعم الإجازات الأسرية تخشى من التكلفة الباهظة، بينما يشير بحثنا إلى أنّ التكاليف قد تتوازن بسبب ارتفاع معدل مشاركة الموظفين والقدرة على الاحتفاظ بهم. والخبر الجيد هو أنّ الشركات قد تحصل على منفعة مزدوجة من دعمها للآباء: فإنه بالإضافة إلى قدرتها على جذب الآباء الموهوبين والاحتفاظ بهم؛ تكون قد خلقت أيضاً فرصاً للأمهات، فعندما يصبح وضع الأب العامل طبيعياً مثل وضع الأم العاملة، فإنّ النساء يصبحنّ أقل عرضة لتسليط الضوء عليهنّ بسبب سعيهنّ للحصول على إجراءات عمل مرنة للتعامل مع الولادة ورعاية الأطفال. ونتيجة لهذا، يمكن للشركات التي تتّبع سياسات وثقافة تدعم الوالدين العاملين أن تشهد انخفاضاً في فجوات الأجور بين الجنسين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!