تابعنا على لينكد إن

في اليوم الخامس من أغسطس/آب 2010، وفي وقت مبكر من بعد الظهيرة، شهد منجم سان خوسيه للذهب والنحاس في صحراء أتاكاما التشيلية انهيار أكثر من 700,000 طن متري من الصخور بصورة مفاجئة لتسدّ الممر المركزي للأنفاق فيه. تمكّن بعض العمال المذعورين الذين كانوا قرب المدخل من الخروج سالمين، لكن بقي 33 من الرجال الذين كانوا يعملون في أعماق المنجم محتجزين تحت بعض من أقسى الصخور على وجه الأرض.

تقع حوادث كثيرة في المناجم العميقة وهذا أمر شائع جداً، ولكن هذه الحادثة كانت الأولى من نوعها على عدة أصعدة، كعمق المكان الذي احتُجز فيه العمال والتشكيل غير المستقر للصخور، بالإضافة إلى قدم المنجم وسوء سمعة سجل السلامة فيه وغير ذلك. وبعد يومين من الحادث، وقع انهيار ثان للصخور وأدى إلى سدّ منافذ التهوية للمنجم، وقدّر الخبراء احتمال العثور على العمال المحتجزين وإخراجهم أحياء بنسبة لا تزيد عن 1%.

ومع ذلك، وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، راقب أكثر من مليار شخص على شاشات التلفاز خروج العمال المحتجزين، الذين أطلقوا على أنفسهم مجموعة الثلاث والثلاثون (Los 33)، ضعفاء، ولكن أحياء بعد قضاء 69 يوماً على عمق 2,300 قدم تحت الأرض، في حين رفع المنقذون لافتة كُتب عليها (تمت المهمة بنجاح، تشيلي) (Misión Cumplida, Chile).

كانت عملية الإنقاذ في سان خوسيه جهداً استثنائياً وضع القيادة تحت ضغط زمني كبير واحتاج إلى مشاركة المئات من الأشخاص من مؤسسات ومناطق وبلاد وخبرات مختلفة في عمل جماعي واحد. وكان الناس في كل مكان، ونحن الثلاثة من بينهم، يراقبون عملية الإنقاذ بقلق ودهشة وإعجاب. لم يمض وقت طويل قبل استنتاجنا أن هذه الحادثة فيها الكثير من الدروس التي يجب أن يتعلمها المدراء عن القيادة في الظروف الصعبة.

سافرت زميلتنا فائزة رشيد إلى سانتياغو بُعيد إنقاذ العمال وأجرت مقابلات متعمقة مع عدة شخصيات رئيسية. وأصبح بحثنا أساساً لدراستي حالتين قمنا بتدريسهما حول العالم. ومن خلال عملنا اكتسبنا رؤى جديدة للدور الذي يجب على القادة ممارسته في الحالات غير مؤكدة النجاح أو الفشل، ذات الحساسية الزمنية والخطورة المرتفعة.

تتشابه الصعوبات التي واجهتها قيادة فريق الإنقاذ في سان خوسيه مع الصعوبات التي يواجهها كبار الإداريين في بيئة الأعمال المضطربة الحالية برغم اختلاف التفاصيل. فاليوم، يجب على المؤسسات التعامل مع التهديدات التي تواجه ازدهارها واستمرارها في كل خطوة، إذ أن المخاطر غير مفهومة والإجراءات المضادة غير واضحة، وحتى الفرص يصعب التقاطها. بالإضافة إلى عدم وجود تجارب سابقة تمنح دليلاً كافياً عما سينجح في المستقبل، كما يتوجب على الإداريين التعلّم بسرعة والتنفيذ بصورة متقنة تحت قيود زمنية صارمة. ويمكن لهذه العوامل أن تجعل الوضع مضطرباً، وهذا أمرٌ محبط وغالباً ما يكون مخيفاً.

في الظروف المشحونة بالعواطف كهذه يشعر معظم القادة بأنهم ممزقون، ويكون السؤال: هل عليهم أن يصدروا أوامر توجيهية ويتحملوا المسؤولية بأنفسهم ويراقبوا الجميع بدقة؟ أم عليهم أن يشجعوا الآخرين ويدعوهم إلى الابتكار ويسمحوا للكثير من التجارب أن تزدهر؟ يشير بحثنا إلى أن الإجابة عن كِلا السؤالين ستكون “نعم”، إذ لا يمكن فصل أيٍ منهما عن الآخر.

في الظروف المعقدة التي تتطور بسرعة شديدة، يجب أن يقود الرؤساء التنفيذيون العمل ليتمكنوا من تنفيذه بكفاءة والتركيز حتى على الفرص العابرة. ولكن من الضروري أيضاً أن يكونوا هم وفرقهم سريعي التعلّم ليبقوا مواكبين لتطور الأحداث ويبقوا في مقدمة المنافسة. وهذا لن يحصل إلا إذا رعى القادة الإبداع والانفتاح وشجعوا الاكتشاف والابتكار ويسّروا التعاون بين جميع التخصصات ووجهات النظر.

ولتلبية هذه المتطلبات المتضاربة، على القادة أن يناوبوا بين توجيه العمل وتمكين الابتكار، حيث يجب عليهم في بعض الأحيان أن يكونوا حاسمين ويُصدروا التوجيهات ويوقفوا النقاشات بصورة دورية كي يتمكن الفريق من إنجاز الأعمال. ويجب في أحيان أُخرى أن يوجدوا مساحة للأفكار الجديدة ويشجعوا اختلاف الآراء ويطرحوا أسئلة ويعززوا التجارب. فالقادة الذين يعتمدون أكثر من اللازم على إصدار الأوامر بلا هوادة أو على الخيال الجامح يعرّضون مستقبلهم للخطر.

تمت دراسة مفهوم الازدواجية في القيادة في مجلة هارفارد بزنس ريفيو سابقاً، حيث أشار الأستاذ في جامعة ستانفورد جيمس مارتش إلى حاجة المؤسسات للاستكشاف والاستغلال. كما قدّم كلّ من مايكل توشمان من جامعة هارفارد للأعمال وتشارلز أورايلي من جامعة ستانفورد فكرة المؤسسات الضبطاء (ambidextrous) (وهو تعبير يستخدم لمن يستخدم كلتا يديه بمهارة). ويتوسع مقالنا بهذه الفكرة ليكشف عن إطار عمل يمكن للقادة الذين يواجهون حالات معقدة ذات ضغط عال اتباعه لإيجاد ابتكارات سريعة وتنفيذ عاجل.

وكما سنرى، فإنّ عملية الإنقاذ في سان خوسيه جرت على مرحلتين، مرحلة بحث استمرت 17 يوماً لتحديد مكان العمال والتواصل معهم، ومرحلة الإنقاذ التي استمرت 52 يوماً تم خلالها إمدادهم بالمؤونة ثم إخراجهم إلى الأمان. وركزت كل مرحلة على مشكلة مختلفة، كانت الأولى تستلزم إيجاد إبرة في كومة قشّ، أما الثانية فكانت وضع خطة إنقاذ جديدة وتنفيذها بسرعة. ومن أجل إيجاد حل لكلتا المشكلتين، استخدم قادة الحملة الطريقة المتضاربة ذاتها: السيطرة والتمكين. فركز القادة على الاستمرار بالعمل والبحث عن أفكار جديدة في الأماكن المستبعدة، لقد تصرفوا بسرعة وتمكنوا من التفكير ملياً بذات الوقت.

ولتطبيق هذه الخطة المزدوجة بكفاءة، وجدنا أنه على القادة أن يقوموا بتنفيذ ثلاث مهمات رئيسية: التخيل والتوظيف والمشاركة. ويجب إنجاز هذه المهمات الثلاث مراراً وتكراراً، تخيلها كثلاث عقد على شكل مثلث وليست خطوات متتالية. ويجب أن يكون التركيز الرئيسي في أيّ وقت على مهمة واحدة فقط، ومع تطور الوضع ستصبح كلّ واحدة منها مركزاً للاهتمام. أضف إلى ذلك أنّ لكل مهمة مكونات توجيهية وتمكينية. ولذلك، يجب على القادة أن يقوموا بتحليل الوضع والبيئة المتغيرين باستمرار من أجل تحقيق التوازن المتناغم بينها.

التخيّل: أجر تقييماً واقعياً وافسح مجالاً للأمل

تحتاج الفرق إلى الواقعية والأمل من أجل النجاح في البيئات المضطربة. ويجب على القادة تعزيزهما معاً عن طريق فهم الواقع وتصوّر ما سيكون، وعن طريق دعوة الآخرين للمشاركة في الانتقال من الأمر الواقع إلى النتيجة المرجوّة.

ويبدأ التصدي للأمر الواقع بإجراء تقييم واضح للوضع الحالي ومحاولة توقع أية عواقب مستقبلية. ولكن يمكن أن تلقي الفجوة بين الظروف الحالية والنتائج المرجوّة عبئاً نفسياً كبيراً على الناس وتشل حركتهم. ولذلك، من الضروري أن يقوم القادة بمدّ أتباعهم بالأمل. يشير خبير الإدارة جيم كولينز إلى الحاجة المزدوجة للأمل مع اتباع نهج عملي كما في مفارقة ستوكديل، وهي آلية التأقلم التي اتبعها الطيار في القوات البحرية الأميركية جيمس ستوكديل لقيادة زملائه عندما اعتقلوا في مخيم الأسرى شمال فيتنام.

وخلال عملية الإنقاذ في سان خوسيه، رفع القادة السياسيين في تشيلي آمال الناس وكانوا واقعيين في الوقت ذاته. بعد وقوع الحادثة بساعات، قام رئيس البلاد المنتخب حديثاً سيباستيان بينيرا بإيفاد وزير التعدين، وهو رجل الأعمال لورنس غولبورن، لوضع تقييم أولي للوضع. وأدرك الرئيس أنّ على الحكومة تولّي عمليات الإنقاذ على الفور بمجرد معرفته بالكارثة الوشيكة والصعوبات التقنية الهائلة التي تواجه المنقذين وافتقار شركة التعدين للإمكانات واليد العاملة.

ربما يكون للظروف دور في اتخاذه لهذا القرار، فقد واجه سلفه انتقادات كثيرة بسبب بطء تجاوبه عند وقوع زلزال في فبراير/شباط 2010، وكان الأمل يتزايد في تشيلي من أجل اعتبارها قادرة على القيام بأمور عظيمة. سافر بينيرا إلى موقع المنجم مخالفاً جميع نصائح كبار المستشارين السياسيين ومعرضاً نفسه لمخاطرة سياسية كبيرة، وقابل مجموعة صغيرة من عائلات العمال وأعلن التزامه القطعي بإنقاذهم. وكانت توجيهاته واضحة: وهي إعادة عمال المنجم إلى منازلهم، أحياء أو أموات، مهما كلّف الأمر. وبذلك وضّح بينيرا الفجوة بين الواقع والأمل وتعهّد بردمها.

ثم توجه بعد ذلك لطلب مساعدة أكبر شركة تعدين في تشيلي، وهي شركة النحاس الوطنية في تشيلي، “كوديلكو” (Codelco)، التي تعود ملكيتها للدولة. فرشّح كبار مدرائها أندريه سوغاريت لقيادة عمليات الإنقاذ، وهو معروف بالحفاظ على رباطة جأشه تحت الضغط. كان سوغاريت، مهندس المناجم صاحب 20 عاماً من الخبرة، يدير منجم “إل تينيينتي” (El Teniente) المعروف بأنه أكبر منجم في العالم. قام سوغاريت باختيار أفراد فريقه بعناية، فدعا 32 مديراً من شركة “كوديلكو” لمساعدته في عملية الإنقاذ. وكان من بينهم اثنان من مشرفي المناجم وخبير اتصالات وأخصائي نفسي في إدارة الموارد البشرية وهو من تولى الجوانب المتعلقة بالعلاقات في عملية الإنقاذ. وبعد أربعة أيام من الانهيار، عاد الرئيس إلى سان خوسيه ليعرّف عائلات العمال على سوغاريت.

وفي موقع الحادث، وجد سوغاريت الفوضى تسود المكان الذي كان يعجّ بالمئات من أقارب العمال وعمال آخرين وطواقم الإسعاف والصحافة وأشخاص أتوا عند سماعهم بالكارثة، كلهم يبحثون عن أجوبة ويتسببون بزيادة الاضطراب والفوضى. فقام هو وفريقه بإنهاء الاضطراب وتأسيس حالة “الوعي الظرفي”، وهو فهم عالي المستوى للعناصر الحاسمة لبيئة معقدة، ويستعين به منظمو النقل الجوي والقادة العسكريون وطواقم الإسعاف، حيث يقللون من الافتراضات ويطرحون الكثير من الأسئلة.

أجرى سوغاريت حوارات مع عمال المناجم ومع علماء جيولوجيين وخبراء حفريات، من أمثال والتر فيليز ونيكولاس كروز وماركوس بيرموديس العاملين في شركة “بي إتش بي إسكونديدا للتعدين” (BHP Escondida) وخوسيه تورو العامل في شركة “كوديلكو” والذي وصل قبلهم إلى موقع الانهيار. وعلم منهم أنه إذا نجا العمال من الانهيار واتبعوا إجراءات بروتوكول الطوارئ فمن المفترض أن يتجمعوا في ملجأ صغير يقع على عمق 2300 قدم تقريباً تحت الأرض لا تزيد مساحته عن 530 قدم مربع ويحوي على مؤونة تكفي عشرة عمال لمدة يومين فقط ومياه شرب تكفيهم لمدة شهر، وأنه سيكون بإمكانهم الصمود لفترة طويلة نسبياً إذا لم يكونوا مصابين واستطاعوا الحفاظ على انضباطهم ومعنوياتهم. كان الخطر متجسداً بإمكانية وفاتهم قبل تمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليهم.

وكما فعل الرئيس، قدم سوغاريت لذوي العمال ولشعب تشيلي عامّة قاعدة منطقية للأمل بنجاة العمال دون إخفاء الحقيقة بشأن الصعوبات التي تواجههم. وفي مواجهاته الأولى مع الصحافة، تعهد ببذل الجهود الحثيثة ولم يعد بنتائج باهرة. وشرح خبراته ومعارفه وأهدافه والتزامه المطلق بإتمام عملية الإنقاذ. كما أنه لم يتردد بالتحدث عمّا تواجهه فرق الإنقاذ من حيرة وصعوبات.

أصبح الحفاظ على حالة الوعي الظرفي مهمة دائمة مع استمرار تغيّر الواقع. في البداية، ظنّ سوغاريت أنّ بإمكان فريقه الوصول إلى العمال المحتجزين عن طريق استخدام منافذ التهوية وأنفاق الطوارئ التي ستوصلهم إلى متاهة الأنفاق السفلية. ولكن حالة عدم الاستقرار المتزايدة داخل المنجم والانهيارات الصخرية الثانوية التي سدت المنافذ بسرعة جعلت هذه الخطة غير قابلة للتنفيذ. فاتسعت بذلك الفجوة بين الواقع والنتيجة المرجوة وكان من الضروري إيجاد طرق جديدة لجسرها.

وأصبح سوغاريت واثقاً من إمكانية الفريق إنقاذ العمال عن طريق حفر ثقب يصل إلى الملجأ أو الأنفاق المجاورة له. ولكن حفر ثقب يتسع لتمرير كبسولات الإنقاذ يحتاج لأشهر، ولن يتمكن العمال المحتجزون من الصمود لفترة طويلة كهذه إن لم يحصلوا على المزيد من الغذاء والماء. وقاد هذا الاستنتاج إلى إيجاد ابتكار نظري، وهو وجوب تقسيم الحلّ إلى قسمين. الأول هو القيام بعمليات حفر سريعة لممرّ صغير بعرض  15 سم لتحديد موقع العمال وتزويدهم بالاحتياجات الضرورية. والقسم الثاني يحتاج إلى إنشاء حفرة كبيرة بما يكفي لإخراج العمال من عمق يكاد يساوي ضعفي ارتفاع برج “إمباير ستيت”.

ولكن الخطة الثنائية بدت قابلة للتنفيذ نظرياً فقط، فقد كانت تقنيات الحفريات تفتقد للدقة ولم تتوفر خرائط دقيقة للمنجم البالغ من العمر 121 عاماً، ما يعني أنّ فرصة نجاح حفر ثقب يصل إلى الملجأ في الوقت المحدد ضئيلة جداً. ومع ذلك، عكست الفكرة تطوراً هاماً في فهم القادة للوضع، كما سمحت لعمليات الإنقاذ توزيع القوى والسماح بالتركيز على المرحلة الثانية الأكثر صعوبة في أثناء تنفيذ المرحلة الأولى. وفي الواقع، كان هذا العمل المتزامن، الذي أصبح علامة مميزة لعملية الإنقاذ، أحد متطلبات النجاح في البيئة المضطربة.

استطاع سوغاريت بعد فهم الخيارات المتوفرة بصورة أفضل توجيه تركيز فريقه إلى عملية البحث. وأوجد تبادل الأفكار المستمرّ في المجموعة عدة حلول مقبولة كان بإمكان الفريق تجريبها. على سبيل المثال، تضمنت عمليات البحث القيام بحفريات في عدة مواقع معاً، ما ساعد على زيادة سرعة العمل ودقته وزاد احتمال النجاح. ولاحقاً، اتبعت فرق الإنقاذ الأسلوب ذاته في سعيها لتنفيذ عدة حلول في وقت واحد، وذلك بتنفيذ ثلاث خطط حفر مختلفة، “أ” و”ب” و”ج”، بصورة متزامنة.

كانت الخطة “أ” موثوقة أكثر ولكنها شديدة البطء. وكانت إمكانية إجراء التعديلات في الخطة “ب” هي الأسرع ولكن لم تخضع تقنياتها للاختبار سابقاً. أما الخطة “ج” فكانت الأسرع ولكن لم تبلغ دقتها الدرجة المطلوبة. وشكلت كل هذه الخطط البديلة مجتمعة قاعدة منطقية وواقعية للإيمان بإمكانية نجاح عملية الإنقاذ.

وفي هذه الأثناء، واجه العمال المحتجزون تحت الأرض صعوبات جسدية ونفسية في محاولتهم الصمود والنجاة. وتمكنوا من تجاوز فترة ثلاثة أيام من الارتباك والصراع واستعادوا انضباطهم وأملهم بمساعدة مشرف الوردية لويس أورزوا الذي تمكن من تهدئتهم. ونظراً لتهديدات نقص الغذاء وتدهور الحالة الصحية، اتبعوا هيكلاً قيادياً ديمقراطياً وقاموا بتخصيص مهمات وموارد يومية، كما أنشأوا مناطق للمعيشة وأُخرى للتخلص من النفايات واستخدموا نظام الإضاءة من أجل محاكاة الليل والنهار.

وتوطدت العلاقات بين العمال وبدؤوا يطلقون على أنفسهم “مجموعة الثلاث والثلاثين” مع قضائهم الوقت معاً يتعمقون في معرفة بعضهم البعض ويستمعون إلى القصص التي رواها كل منهم عن حياته. كان كل الأمل في وضعهم الكئيب هذا مركّزاً على إمكانية إنقاذهم وعلى الحفاظ على كرامتهم حتى لو لم تنجح عملية الإنقاذ.

التوظيف: تمكين توسيع الحدود ومناوبة الأعمال عندها بصورة مباشرة

لا يمكن أن يوجد قائد دون وجود أتباع له. وكان الأتباع في منجم سان خوسيه كثر. فقد أرسل مجتمع التعدين شديد التماسك العديد من الخبراء وأطنان من المعدات إلى موقع الانهيار. كما أنّ الخبرات، مهما كثرت لن تكون كافية دون وجود قيادة توجهها، ورأينا ذلك في العديد من الأمثلة بدءاً من وكالة “ناسا” وصولاً إلى شركة “ليمان بروذرز” (Lehman Brothers).

وخلال فترات الاضطراب يجب أن يحشد القادة مجموعات متنوعة من الأشخاص ذوي المهارات العالية، ويطلبوا منهم عدم اللجوء إلى الأفكار المسبقة والحلول الجاهزة. يجب أن يعي هؤلاء الخبراء أنهم لم يواجهوا تحدياً مماثلاً للذي يواجهونه حالياً مهما اتسعت خبراتهم. كما يجب أن تقوم المجموعة بالاستكشاف والاختبار والابتكار في الوقت ذاته، وألا تكتفي بتطبيق المعارف والأفكار المتعمقة بل تحقيق التكامل بينها أيضاً.

ويجب على الجميع العمل وفق ترتيبات سلسة ومرنة وأن يتنقلوا بين الفرق بحسب تطور متطلبات الوضع.

ويجب على القادة تقديم رؤيتهم للنتيجة المرجوّة مراراً وتكراراً من أجل دفع الأتباع للالتحاق بهم. وحتى إن بدت المهمة واضحة يجب تذكير الناس بما يحاولون إنجازه وما يجازفون به. فذلك يبث معنى متجدد للعمل ويجدد طاقة المجهود والإبداع. مثلاً، كان سوغاريت يقوم بالتركيز على الهدف الأساسي للمهمة في إنقاذ أرواح العمال لتعزيز التحاق الكوادر بفرق الإنقاذ على الرغم من الظروف القاسية في صحراء أتاكاما والصعوبات التي تتسبب بإطالة فترة الأزمة.

هناك جانب آخر للتوظيف على قدر عال من الأهمية، وهو استبعاد الأشخاص غير الفاعلين والطرق غير المجدية وإتاحة المجال لإيجاد أشخاص فاعلين وطرق مفيدة جديدة. يجب أن يكون القادة في البيئات المضطربة عازمين على رسم الحدود وإبعاد الأشخاص الذين لم تعد مشاركتهم في العمل فعالة. بعد أن قيّم سوغاريت الوضع في سان خوسيه فرض قيوداً على الدخول لم تسمح بدخول أحد غير الأشخاص ذوي المهارات التقنية والعروض القابلة للتنفيذ.

وطابق سوغاريت ونوّابه هذا المحور الداخلي مع محور خارجي مساو له. وبدعم من الرئيس بينيرا، قاموا بالتواصل مع معارفهم للحصول على أفكار وتقنيات جديدة، ودعوا مؤسسات كالبحرية التشيلية وخدمة الطرود البريدية المتحدة وخبراء حفريات أميركيين عملوا سابقاً في أفغانستان للمشاركة، كما تطوعت مؤسسات أُخرى للمساعدة مثل “ناسا” و”مابتيك”، وهي شركة برمجيات أسترالية للخرائط ثلاثية الأبعاد. وتم فحص الأفكار المطروحة وفرزها على يد فريق خارجي على بعد 500 ميل في سانتياغو، حيث قام بتقييم عدد لا يحصى من العروض من ناحية قابلية التنفيذ وأجرى مقابلات مع أصحاب الأفكار التي بدت جديرة بالاهتمام والتفكير.

وفي موقع المنجم  في سان خوسيه، استمرّ سوغاريت بتعيين خبرات جديدة كلما تغير الوضع. ومع استمرار وصول أخصائيين جدد، تفادى فرض تسلسل هرمي معقد، وكان متخوفاً من عزل نفسه عن العمليات على الأرض. فأبقى على الاتصالات المستمرة بينه وبين مجموعات متعددة، مشدداً بانتظام على أوجه الترابط بين الأدوار والتي استطاع رؤيتها من موقعه بوضوح أكبر من الأشخاص الذين كانوا يركّزون على المشاريع الفردية. بالإضافة إلى أنه كان يسارع في استثمار مبادرات التعاون المستجدة وديناميكيات القيادة التي كان يشرف عليها. مثلاً، عندما لاحظ الاحترام العميق الذي يكنه نظراؤه لوالتر فيليز، قام بتعيينه كمسؤول عن عمليات الحفريات خلال فترة البحث.

وخلال أسبوع بعد وقوع الانهيار، كانت ست عمليات حفر قيد التنفيذ ولكن لم تكن هناك إمكانية واضحة لوصول إحداها إلى مكان العمال المحتجزين بعد. ولحسن الحظ، استمرت الأفكار الجديدة بالتدفق، وكانت إحداها فكرة فيليب ماثيوز، وهو عالم جيولوجي تشيلي مختص بقياس مسارات عمليات الحفر، حيث اقترح إمكانية إدخال مسبار شبيه بالجيروسكوب في الثقب الذي تم حفره وإيجاد البعد العمودي بغض النظر عن موقع آلة الحفر المستخدمة. وبعد إجراء الاختبارات استنتج قادة الفريق أنّ معدات ماثيوز كانت الأدقّ والأكثر مطابقة في قياس المسارات تحت الأرض. فقام سوغاريت فوراً بتسليم ماثيوز مسؤولية مراقبة دقة جميع عمليات الحفريات وطلب مغادرة بقية الخبراء الذين كانوا يقومون بقياس بيانات الحفريات.

وخلال مرحلة الإنقاذ اللاحقة، وردت فكرة عبقرية من مهندس ميداني في الرابعة والعشرين من العمر، وهو إيغور بروستاكيس الذي كان يعمل في شركة “دريلرز سبلاي” (Drillers Supply) في جنوب إفريقيا وحضر إلى سان خوسيه من تلقاء نفسه. كان يؤمن أنه بإمكان تقنية المطرقة العنقودية، التي تستخدمها إحدى شركات الحفر الأميركية، اختراق الصخور الصلبة بصورة أسرع من الآلات الأُخرى. واستمع إليه ماثيوز وفيليز وشعرا أنه ربما يكون محقاً فأخذاه فوراً إلى سوغاريت. ويقول بروستاكيس عن سوغاريت: “لربما كان يعتبر هذا أهم عمل له في حياته. مع ذلك، وبرغم خبرتي القليلة وعمري الصغير استمع إليّ وطرح علي الأسئلة ومنحني فرصة”. وكان فريق الحفريات الذي قاده بروستاكيس هو أول من استطاع الوصول إلى العمال فيما بعد.

ومع توسيع القادة للحدود من أجل فسح المجال لدخول المزيد من الابتكارات، يجب عليهم إجراء عمليات دورية عندها من أجل رفع احتمالات نجاح التنفيذ. إذ تمنح الحدود الواضحة الناس المساحة التي يحتاجونها للتفكير والتنظيم والاختبار والتمعّن. ولأن سوغاريت كان مدركاً لذلك فقد منع العائلات والصحافة من التعامل مع فريق الإنقاذ بصورة مباشرة، ولكن قام باطلاعهم على المستجدات كل يوم بنفسه وبمساعدة رينيه أغيلار،  وهو خبير في مجال المخاطر وحائز على شهادة في علم النفس ويعمل لدى شركة “كوديلكو”. ومع وصول المزيد من أفراد عائلات العمال إلى الموقع، قام أغيلار بمساعدتهم على تجاوز مخاوفهم في مخيم أطلق عليه “مخيم الأمل” أُقيم قريباً من المنجم. ويقول موضحاً: “لقد أردنا أن يعمل الحفارون والمهندسون والجيولوجيون بهدوء ودون ضوضاء وتشتيت”

بذل كل من سوغاريت وأغيلار ووزير التعدين غولبرون، الذي استمر بزيارة سان خوسيه  بانتظام، جهداً لبثّ الأمل في الفريق التقني الذي تجاوز الفشل المتكرر والتقدم اليومي البطيء. لقد قدموا الدعم وركزوا بانتظام على الأهمية الكبيرة للمهمة. وكلما تعثرت جهود أحد أفراد فريق الإنقاذ كان القادة يحولون جهودهم بسلاسة إلى دعم مشاركته وتشجيعه. فأنشأوا بيئة نفسية آمنة من خلال عدم إلقاء اللوم على أحد والتركيز الدائم على التعلم من الفشل. يقول أغيلار: “كانت بيئة ذات ضغط شديد، وكلما بدا أحد ما محبطاً، كنا نسأله: “هل أنت بخير؟ هل عائلتك بخير؟ لم لا ترتاح قليلاً؟”. ساعدت هذه الأمور الصغيرة على توليد شعور بأننا نساند بعضنا البعض”.

المشاركة: التنفيذ المباشر وتمكين الابتكار

تتعلق المشاركة بالتحرك والانخراط وتنفيذ العمل. ويقود القادة العمل ضمن البيئات الغامضة والنشطة في مزيج غير اعتيادي من التنفيذ المنضبط والابتكار السريع.

وفي منجم سان خوسيه كان عمق وحجم الملجأ يجعل عملية تحديد موقعه صعبة للغاية. إذ كانوا يتجهون إلى هدف بعمق 2300 قدم تحت الأرض مع هامش خطأ يصل إلى 5%، وتضمّن ذلك إمكانية وصول الحفريات إلى أي مكان ضمن مساحة تبلغ 40,000 قدم مربع. وبما أنّ مساحة الملجأ كانت تبلغ حوالي 530 قدماً مربعاً فقط، فاحتمال وصول أي من عمليات الحفر لم يتجاوز 1.25% أو نسبة 1 إلى 80 فرصة. أضف إلى ذلك أنّ رداءة الخرائط المتوفرة لأنفاق المنجم جعلت الاحتمال أقلّ. حتى وإن قام الفريق بالحفر في عدة مواقع، لكن بدت استراتيجية العمل تجاه المجهول غير ناجحة.

وكما ذكرنا آنفاً فقد عملت عدة فرق بصورة مستقلة من أجل إيجاد خطط مختلفة للحفريات وذلك في سبيل زيادة احتمالات النجاح. وبرغم فشل عدة محاولات لاختراق الصخور الصلبة، إلا أنها استطاعت تقديم معلومات غاية في الأهمية بشأن المنجم والصخور. مثلاً، اكتشف عمال الحفريات أنّ الصخور التي سقطت احتجزت الماء والصخور الرسوبية، ما أدى إلى زيادة انحرافات عمليات الحفر. ما سيجعل إيجاد الملجأ في الوقت المناسب أشدّ صعوبة.

ولكن أتى ابتكار ليعيد الأمل من جديد. يقوم عمال المنجم عادة بقياس النتائج بعد الانتهاء من الحفريات والوصول إلى العمق المطلوب. ووقوفاً عند طلب قادة الفريق، بدأ عمال الحفريات في سان خوسيه بأخذ القياسات كل بضعة ساعات، ليتركوا الحفر التي بدت بعيدة جداً عن المسار ويسارعوا بإنشاء حفر جديدة، وكان ذلك محبطاً جداً. ولكن استطاعت دورات تقييم العمل القصيرة هذه تقليص الوقت والموارد المهدورين في المسارات الخاطئة وسمحت بإجراء تصحيحات في وقت قصير.

وكشفت القياسات المتكررة أنماط الانحرافات في الحفر التي أنشأها فريق الإنقاذ عند الحفر في زاوية ما. إذ أنهم تجنبوا الحفر في مسار عمودي للوصول إلى الملجأ وذلك من أجل منع المزيد من الانهيارات الداخلية، فبدؤوا بالحفر باتجاه مختلف تماماً عن الاتجاه المفترض له، ما كان مسؤولاً عن المنحنى الذي كشفت عنه البيانات الآنية لمسارات الحفريات، والذي كان من الصعب توقعه على الرغم من حتميته. وأدرج عمال الحفريات هذه البيانات التقنية باستمرار في خططهم وحدثوها عدة مرات في اليوم الواحد.

ومن أجل جعل المشاركة أسهل، استخدم سوغاريت تصميماً تنظيمياً دمج مكونات مركزية ولا مركزية. وكانت الاتصالات اليومية مع العائلات والصحافة وتقديم آخر المستجدات بين الرؤساء التقنيين كل صباح أموراً خاضعة لرقابة شديدة. أما قادة الفرق التقنية الفرعية الذين كانوا يجتمعون كل صباح فقد اتبعوا سياسة اتصالات حازمة لتنظيم انتقال العمل بين دوريات الليل والنهار وإجراء أعمال الصيانة الروتينية. وفي الوقت ذاته، كانوا مخوّلين بتصميم أي اختبار وإجراءه بصورة مستقلة كما يشاؤون.

كان سوغاريت يدعو لاجتماعات قصيرة بحسب الحاجة عوضاً عن وضع جدول مسبق لها. وبالأخص بعد الفشل في أحد التجارب أو المحاولات. وفي السياق المعقد وسريع التغيّر للعمليات، كان من الضروري أن تتم موازنة تقييم الصورة الشاملة مع فهم التفاصيل التي تكون هامة. وبالرغم من أنّ سوغاريت لم ينفذ سوى البعض من الخطوات التكتيكية بنفسه إلا أنّ المقابلات التي أجريناها كشفت بعض الحوادث التي استطاع فيها بتحقيقاته الماهرة توليد الإبداع عن طريق حثّ التفكير العميق والربط مع الصورة الشاملة.

شجع سوغاريت الفريق على السرعة في العمل. ولأنه لم يكن بالإمكان تفادي الفشل، أصبح الهدف هو الفشل بسرعة والتعلم بسرعة عن طريق تنفيذ عدة أفكار في وقت واحد، وليس على التوالي، لأن الوقت كان أكثر العناصر حساسية. كما حثّ الناس باستمرار على اكتشاف ما يمكن للمؤسسة تعلمه من كل عثرة ووضع أفكار جديدة قيد التنفيذ فور البدء بالعمل بالمحاولة التالية.

يُعتبر التسامح والقبول بأخطاء التنفيذ أمراً أساسياً في الحالات العملية الديناميكية، فليس هناك سوى القليل من الأفكار الجديدة التي يمكن تنفيذها بصورة مثالية من المرة الأولى. ولكن التسامح لا يعني التساهل، بل يجب على القادة إيجاد الأمان النفسي من أجل التعلم ودمجه مع المسؤولية وتشجيع الناس على تقديم أفضل ما لديهم.

بعد 17 يوماً من الحفريات، تمكن الفريق من اكتشاف موقع العمال المحتجزين، حيث وصلت الحفرة الثامنة في 22 أغسطس/آب إلى ممر على مقربة حوالي 66 قدماً من الملجأ. وكان العمال المحتجزون يسمعون أصوات عمليات الحفر منذ أيام ويعدّون الرسائل التي ألصقوها فيما بعد على رأس آلة الحفر التي اخترقت الجدران. وفي الأعلى، تهيأ لمهندسي الحفريات أنهم سمعوا أصواتاً، إلا أنهم تفاجأوا بالرسائل الملصقة على رأس المثقاب عندما قاموا بسحبه بعد ثلاث ساعات. كانت إحداها مكتوبة بقلم التخطيط الأحمر وتقول: “نحن جميعنا بخير في الملجأ، مجموعة الثلاث والثلاثون”.

وبعدها وعلى مدى 52 يوماً عملت ثلاث فرق بصورة متزامنة لإخراج العمال. كانت الخطة “أ” تستخدم الآلة الأسترالية (ستراتا 950) للحفر وتوسيع فتحة دائرية، ولكنها كانت خياراً بطيئاً. واستخدمت الخطة “ب” تقنية المطرقة العنقودية التابعة لشركة “سنتر روك” الأميركية لتوسيع الحفر الموجودة كي تتسع لكبسولة الانقاذ. أما الخطة “ج” فقد كانت حفر منفذ نجاة واسع بطريقة الحفر بتمريرة واحدة (single pass) باستخدام آلة حفر آبار النفط التي تشغلها الشركة الكندية (بيرسجن دريلنغ Precision Drilling)، ولكنها عانت باستمرار من انحراف المسار بسبب صلابة الصخر. وفي تلك الأثناء، عملت البحرية التشيلية و”ناسا” على بناء كبسولة إنقاذ فولاذية بعجلات قابلة للطي.

وعندما تمكن الفريق القائم على تنفيذ الخطة “ب” من الوصول إلى الملجأ في 9 أكتوبر/تشرين الأول، كان فريق الخطة “أ” وصل إلى 85% من العمق المطلوب، وكان فريق الخطة “ج” وصل إلى 62% من العمق المطلوب. وبعد أربعة أيام تم إخراج آخر العمال المحتجزين إلى سطح الأرض في كبسولة الإنقاذ وعاد بأمان إلى عائلته.

محور التركيز المتغير

غالباً ما يؤدي المدراء الذين يقودون التغيير المهمات الثلاث الرئيسية بتسلسل منطقي. فيبدؤون بتصوّر المستقبل ثم توظيف عناصر التغيير وآخراً المشاركة بأعمال التغيير. ولكن هذا النظام التسلسلي لا يفي بالغرض في البيئات الحيوية. والاستمرار في إعادة الصياغة أمر أساسي  لأن المشاركة تفجّر العديد من المعارف الجديدة الهامة. ومع إعادة تشكيل الواقع تتولّد الحاجة إلى طرق جديدة للنجاح وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تغيير من يجب أن يلتحق بالعمل.

على سبيل المثال، يتشابك التعلم والتنفيذ في عملية الإنتاج ضمن شركة “بيكسار” التي أصبح فيها الغموض والمواعيد النهائية الصارمة أموراً روتينية. إذ يتم تنفيذ الفكرة المبدئية على مخطط تصويري، وتؤدي اللقاءات اليومية إلى العديد من الانحرافات والاختبارات والمناظرات وتعلم أشياء جديدة فتتولد بذلك رؤية جديدة. يقول بيل كابوداغلي ولين جاكسون في كتابهما “الابتكار بطريقة بيكسار”: “أنّ الفريق يحاول ضمّ مدراء وخبراء جدد بصورة دورية إلى مجموعة مرنة يطلقون عليها “مجموعة ثقة الذهن”، من أجل الحصول على آراء ورؤى إضافية”.

وبذلك، يشكل التصور والتوظيف والاشتراك مهمات قيادية متداخلة، وسيستدعي التغييرات على أي منها التغيير في المهمتين الأخريين، ولذلك، فإنّ العمل على المهمات الثلاث معاً سيجعلها تتطور كلها سوية أثناء سير العمل. وهذا يعني أنه يجب على الشركات التحول من نظام العمل المتسلسل التتابعي إلى النظام الديناميكي التكراري.

يتمثل محور هذا النظام بالتعلم نظراً لعدم معرفة أحد لما ستكون نتيجته حقاً. أراد أحد كبار الإداريين في شركة “أوتوديسك” للبرمجيات، فيل بيرنستاين، بناء مقرّ جديد مذهل للشركة خارج مدينة بوسطن خلال مهلة زمنية ضيقة جداً. فلجأ إلى نظام الإنجاز المتكامل للمشاريع الذي يعتبر ابتكاراً ثورياً للعمليات في مجال تشييد الأبنية. ويحتاج هذا النظام إلى أن تعمل جميع الجهات المعنية بالمشروع كفريق واحد منذ اللحظات الأولى، وذلك عن طريق تبادل الأفكار والتعرف إلى الحلول وحتى مشاركة الأرباح والخسائر. وكان قلة من المشاركين يعلمون كيف يمكن أن تتطور هذه العملية الجديدة. ومع ذلك تعلم فريق بيرنستاين من الأخطاء اليومية للعملية وتمكن من تصحيح الأخطاء فيها بسرعة وتمكن من إنجاز بناء حصل على جوائز عديدة في الوقت المحدد ودون تجاوز الميزانية المخصصة له.

ليس سهلاً على القادة الانتقال إلى نظام العمل التكراري لأن معظم الثقافات والأنظمة ستضيق الخناق على محاولاتهم. وغرابة القواعد والسلوكيات الجديدة وثقل الأنظمة المعمول بها هي أمثلة على العوائق التي يواجهونها. سيتوجب على المدراء التخلي عن المعتقدات الراسخة كالتي تقول أنّ صعوبات الأعمال الهامة وفرصها معروفة وواضحة، وأنها ذات طبيعة تقنية وأنها تؤدي إلى تطبيق الخبرات بصورة منضبطة، وأنّ مقاييس الأداء الربعية هي الطريقة المناسبة لتقييم الكفاءة في مواجهة هذه الصعوبات واغتنام الفرص. ولكن اليوم، يتزايد غموض التهديدات والفرص وقابلية تغيرها وأصبحت تحتاج إلى فريق عمل سلس ومبدع أكثر بكثير. وهذا ما يحتاج إلى قادة قادرين على التوجيه والتمكين بذات الوقت، ولا يعني ذلك إرسال رسائل مختلطة وإنما يقتضي توضيح ضرورة كل من التنفيذ والابتكار لتلبية متطلبات البيئة.

يجب على المدراء تخطي اعتمادهم على خطة القيادة الواحدة. فهم ليسوا محصنين ضد مشكلة المطرقة والمسمار، وغالباً ما تصعب مقاومة الاستعانة بالخطط المتبعة سابقاً حتى عندما يكون الوضع الحالي مختلفاً، وتكون الرغبة بالتصرف والعمل شديدة حتى عندما تصعب معرفة ما يجب فعله. كما أنه يسهل على القادة في البيئات سريعة التغير التركيز أكثر على العمل وإهمال التفكير بالاحتمالات البديلة. ويكون الفشل في بيئات كهذه دليلاً على عدم إتقان إنجاز المهمات، ولكن تصعب مواجهة الفشل المتكرر المترافق مع الضغط الشديد. وتتباطأ عملية إجراء التعديلات ما أن يبدأ المدراء بتجاهل البيانات التي لا تؤيد افتراضاتهم. لذلك، يجب على القادة القبول بالفشل والغموض بصورة صحية كي يتمكنوا من استخدام خطة القيادة الثنائية بكفاءة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz