هارفارد-بزنس-ريفيو-البابا-فرانسيس

لم يُخف البابا فرانسيس عزمه على إجراء إصلاح جذري في الهياكل الإدارية للكنيسة الكاثوليكية، التي يصفها بأنها انعزالية، ومتجبرة، وبيروقراطية، وهو يُدرك أنه في عالم مفعم بالحركة، يعتبر القادة الانطوائيين والمهووسين بذواتهم عبئاً على مؤسساتهم.

في العام الماضي، وقبيل عيد الميلاد، تحدث البابا إلى قادة الكوريا الرومانية (* الجهاز الإداري والتنفيذي والاستشاري الذي يساعد البابا في الفاتيكان على إدارة مهامه المختلفة) من الكرادلة وغيرهم من المسؤولين عن إدارة الهيئات الإدارية للكنيسة البيزنطية. كانت رسالة البابا لزملائه مُباشرة وواضحة. القادة عُرضة لمجموعة من الأمراض المُنهكة كالغطرسة والتعصب وقصر النظر والنذالة، وعندما تُترك هذه الأمراض بدون علاج، يُصيب الضعف المؤسسة برمّتها، ولكي يكون لدينا كنيسة قوية، نحن بحاجة إلى قادة أصحّاء.

على مدار السنين، استمعت إلى العشرات من خبراء الإدارة يقومون بتعداد صفات القائد العظيم، لكنني نادراً ما سمعت أحداً يتحدث بصراحة عن “أمراض” القيادة. كان البابا أكثر صراحة، فهو يدرك أننا كبشر لدينا بعض الميول، وللأسف فليست جميعها نبيلة. بالرغم من هذا، ينبغي أن يلتزم القادة بمعايير راقية، وذلك لأن لعللهم تأثير أوسع نطاقاً من غيرهم وقد تكون مُعدية.

يعتبر نظام الإدارة في الكنيسة الكاثوليكية بيروقراطي، وهو نظام مليء بطيبي القلوب، لكنهم ليسوا ملائكة، وبهذا المعنى فهي لا تختلف عن أية مؤسسة أخرى، لذا فإن حكمة البابا تمتد لتشمل القادة في أي مكان. مع أخذ ذلك بالاعتبار، أمضيت قرابة ساعتين أترجم خطاب البابا إلى كلمات تفهمها الشركات. (لا أدري إن كان إعادة صياغة التصريحات البابوية أمراً غير مسموح به، لكن بما أنني لست كاثوليكياً، فلا ضير من المخاطرة).

هذا ما قاله البابا بطريقة أو بأخرى:
____________________
كي يكون قادراً على تنفيذ مهامه على أكمل وجه، يُطالب فريق القيادة بالعمل باستمرار لتطوير وتحسين الوئام والحكمة، ومثل الجسد البشري، فهم مُعرّضون للعلل والأمراض والعجز.
هذه بعض العلل التي تصيب القيادة، وهي أمراض وإغراءات قد تُضعف فعالية أية مؤسسة إلى قدر كبير.

داء التفكير بأننا خالدون، ومحصّنون، ولا يمكن الاستغناء عنا، وبالتالي نتجاهل القيام بالفحوصات الطبية المتكررة. فريق القيادة الذي يفتقد الى النقد الذاتي، ولا يواكب التطورات، ولا يسعى لتطوير نفسه هو عبارة عن جسد مريض. قد تساعدنا زيارة إلى المقبرة لرؤية أسماء لأشخاص ظنوا أنهم خالدون، ومعصومون، ولا يمكن الاستغناء عنهم. وهو مرض أولئك الذين يتحولون إلى أمراء وسادة، والذين يظنون أنفسهم فوق الجميع، وأن الآخرين في خدمتهم وليس العكس. هذا هو داء السلطة الذي ينبثق من عقدة التفوق والنرجسية التي تُطغي أبصارنا بحيث لا نرى إلا أنفسنا، ونتجاهل الآخرين، خصوصاً الضعفاء والمحتاجين. الترياق ضد هذا الداء هو التواضع؛ أن تقول بملء جوارحك، ” أنا مجرد خادم للآخرين. أقوم بأداء واجباتي فحسب.”
العلة الثانية هي الانشغال المفرط، وتجدها في أولئك الين يغرقون أنفسهم بالعمل ويتجاهلون “أخذ قسط من الراحة” مما يجعلهم عرضة للتوتر والانفعالات. يعتبر أخذ قسط من الراحة، لأولئك الذين اتموا أعمالهم، أمر إلزامي، ويجب أن يؤخذ بجدية. يمكن فعل ذلك عن طريق قضاء وقت مع العائلة واحترام وقت الاجازات كلحظات لإعادة شحن البطارية الداخلية.
ومن ثم هناك مرض “التحجر” الذهني والعاطفي، وتجده يصيب القادة الذين يملكون قلوباً قاسية؛ “المتصلبون” الذين يفقدون بمرور الوقت صفائهم الداخلي واليقظة والجُرأة، ويختبئون تحت اكوام المعاملات الورقية، ويتحولون إلى مكائن لا بشر. هو الخطر في خسارة الإحساس الانساني الذي يجعلنا نبكي مع الباكين ونفرح مع الفرحين. بمرور الزمن، تصبح قلوبنا قاسية وغير قادرة على محبة الناس من حولنا. تجد لدى القائد الانسان مشاعر التواضع والعطاء والتجرُّد والكرم.
وهناك داء التخطيط المُفرط. عندما يخطط القائد لكل شيء إلى أدنى التفاصيل، ويعتقد بأنه بالتخطيط التام يستطيع ضبط جميع الأمور، ويتحول حينها إلى مُحاسب أو مدير للمكتب. بالطبع هناك حاجة للتخطيط الجيد، لكن دون الوقوع في شباك محاولة القضاء على العفوية والصُدفة، التي تعتبر أكثر مرونة من أي تخطيط بشري. يصيبنا هذا المرض لأنه من الأسهل محاولة حل الأمور بطرقنا المستقرة والمعتادة.
مرض ضعف التنسيق، ويحصل حين يفقد القادة الشعور بالمجتمع من حولهم. حينها تفقد القيادة وظائف التناغم والاتزان، وتصبح أوركسترا للضوضاء لا الموسيقى، ويفقد الأعضاء القدرة على العمل الجماعي والزمالة. عندما تُصرح القدم بعدم حاجتها للذراع، أو عندما تقول اليد للدماغ؛ أنا صاحبة الأمر والنهي، يؤدي ذلك إلى إثارة مشاعر الانزعاج وضيق الأفق.
وهناك نوع من الأمراض يسمى “زهايمر القيادة”، ويتطور عندما ينسى المرء ذاكرته بشأن من رعاه ودربه ومد يد العون له خلال حياته. نرى هذا الداء فيمن فقدوا ذاكرتهم بشأن من قابلوهم من عظام القادة الذين أثاروا الالهام فيهم، ومن غرقوا في لحظات الحاضر، وقاموا ببناء الجدران والروتين من حولهم، وأصبحوا رويداً رويداً عبيداً للأصنام التي صنعوها بأيديهم.
وهناك داء التنافس والمجد المُزيّف. عندما تصبح المظاهر والامتيازات والألقاب الهدف الأسمى في الحياة، وحين ننسى واجباتنا الأساسية كقادة: ” ألا ننغمس في الأنانية والغرور، أن نتواضع، وأن نتطلع إلى الآخرين بأنهم أفضل منا”. يجب علينا كقادة النظر إلى مصالح الآخرين، وألا ننصرف إلى الاهتمام بمصالحنا الذاتية فقط.
مرض الفُصام الوجودي. داء من يعيشون حياة مزدوجة، وثمرة النفاق والسخرية، ويؤدي الى تزايد الفراغ العاطفي الذي لا يملأه أي إنجاز أو لقب. يصيب هذا الداء أولئك الذين يجدون أنفسهم في اتصال مباشر مع العملاء والموظفين العاديين، والذين يحصرون أنفسهن في المسائل البيروقراطية، ويخسرون الاتصال بالواقع ومع الناس العاديين.
وهناك علة النميمة والغيبة والتذمُّر. مرض خطير يبدأ ببساطة وبالتحدث قليلاً عن الآخرين، ومن ثم يستحوذ على الفرد ويحوله إلى “ناشر للأمراض”، وفي العديد من الحالات إلى قاتل بدم بارد لشخصيات زملائه. هو مرض الجبناء الذين يفتقدون الشجاعة للتحدث بشكل مباشر إلى الآخرين، ويفضلون التحدث عنهم وراء ظهورهم. يجب أن نكون على حذر من إرهاب النميمة!
ومن ثم هناك علة تأليه القادة. مرض أولئك الذين يتمسحون برؤسائهم أملاً بالحصول على حظوة لديهم. هم ضحايا الوصولية والانتهازية، فيقومون بتكريم الأشخاص لا المؤسسات ومهمتها، وينحصر تفكيرهم فيما يمكنهم الحصول عليه لا ما يمنحونه للآخرين. هم أشخاص ضيقوا الأفق، تعساء ويستمدون العزيمة من الأنانية القاتلة. حتى الرؤساء قد يصابون بهذا الداء عندما محاولتهم الحصول على الخضوع والاخلاص والتبعية من مرؤوسيهم، والمحصلة النهائية هي التواطؤ.
ومن ثم هناك داء اللامبالاة بالآخرين. عندما لا يفكر القادة إلا بأنفسهم ويخسرون الصدق والدفء الحقيقي للعلاقات الانسانية. يمكن أن يحدث بطرق عديدة؛ عندما لا يقوم الأكثر معرفة بتسخير معرفتهم لخدمة زملائهم الأقل دراية، وعندما تتعلم أمراً وتبقيه لنفسك بدلاً من مشاركته مع الآخرين، وعندما تفرح – بسبب الغيرة والحسد- عند تعثُّر الآخرين بدلاً من مساعدتهم وتشجيعهم.
وهناك مرض التجهم، وتجده في الأشخاص الكئيبين والعنيدين الذين يعتقدون بان الجدية تعني أن ترتدي قناع الكآبة والحزم، وفي معاملة الآخرين – خصوصاً من هم أقل شأناً – بصرامة وفظاظة وغطرسة. تعتبر مظاهر الشدة والتشاؤم العقيم أعراض الخوف وانعدام الأمن. يجب على القائد بذل الجهود لإظهار التهذيب والهدوء والحماس والسعادة، وأن ينشر بذور الفرح حيثما حل. القلب السعيد يشع بالفرح ويصيب من حوله بالسعادة. على القائد ألا يخسر روحه السعيدة والمرحة والُمنكرة للذات التي تجعل الناس تشعر بالأنس في وجودهم حتى في أحلك اللحظات. كم هي مفيدة تلك الجرعة الجيدة من الفكاهة! …
مرض مُراكمة الأشياء. يحصل عندما يحاول القائد ملء الفراغ الداخلي في قلبه عن طريق مُراكمة الأشياء المادية، ليس بسبب الحاجة، لكن ليشعر بالأمان. الحقيقة باننا لا نأخذ معنا أي شيء مادي للآخرة، وبما أن “الكفن ليس له جيوب”، فلن تكفينا خزائن الأرض لملء هذه الفجوة، ويتحول إلى مرض أعمق وأكثر تطلباً. مراكمة المشتريات المادية تضع المزيد من الأعباء علينا وتجعل رحلتنا أكثر بُطئاً.
مرض الدوائر المغلقة، عندما يُصبح الانضمام إلى زُمرة معينة أكثر قوة من هويتنا المشتركة. يبدأ هذا الداء دائماً بالنوايا الحسنة، ولكنه مع مرور الوقت يستفحل ويستعبد أعضائه ويصبح كالسرطان الذي يهدد تناغم المؤسسة ويثير شروراً عظيمة، خصوصاً تجاه من نعتبرهم دخلاء. “النيران الصديقة”، من زميلك الجُندي، هي الأخطر والأشد فتكاً، وهي الشر الذي يفتك بنا من الداخل، وكما يحكي الكتاب المقدس، “المملكة المنقسمة على ذاتها مصيرها إلى الضياع.”
واخيراً هناك مرض الإسراف والتفاخر بالذات. يحصل هذا عندما يُحوِّل القائد خدمته إلى سلطة، ويستخدم تلك السلطة للكسب المادي أو للحصول على سلطة أكبر. وهو مرض الأشخاص الذين يحاولون تجميع القوة بلا هوادة، ومن أجل هذا فهم مستعدون للتشهير بالآخرين وتشويه سمعتهم، وهم مستعدون لإبراز أنفسهم على أنّهم أكثر قدرة من الآخرين. هذا مرضٌ عُضال يسبب الكثير من الأذى، وذلك لأنه يدفع الناس لتبرير استخدام أية وسيلة مهما كانت للحصول على أهدافهم، وباسم العدل والشفافية. في هذا الموقف، أتذكر أحد القادة الذي اعتاد دعوة الصحفيين ليحدثهم عن زملائه، والافتراء عليهم. جُلّ اهتمامه كان في أن يرى صورته على الصفحات الأولى في الإعلام، وكان هذا الأمر يُشعره بالقوة والزهو، بالرغم من الأذى العظيم الذي كان يجلبه على الآخرين وعلى المؤسسة.
هذه الأمراض والعلل هي خطر على كل قائد وكل مؤسسة وقد تُصيبنا على جميع المستويات كأفراد ومجتمعات.
____________________
هل أنت قائد خالٍ من الأمراض والعلل؟ استخدم قائمة أمراض القيادة لمعرفة ذلك. على مقياس من 1-5، إلى أي مدى لديك الأعراض التالية:

تشعر بأنك أعلى منزلة من أولئك الذين يعملون لديك.
لديك عدم توازن ما بين العمل والحياة.
تستبدل الشكليات بالعلاقات الانسانية الحقيقية.
لديك اعتمادية على التخطيط بدلاً من الحدس والابتكار.
تمضي القليل من وقتك في كسر الحواجز وبناء الجسور.
تُخفق في الإقرار بالامتنان تجاه من علّمك وتجاه الآخرين.
تشعر بالرضا كلما زادت امتيازاتك ومميزاتك.
تعزل نفسك عن العملاء والموظفين من المستوى الأول.
تقوم بتحقير دوافع وانجازات الآخرين.
تُبدي أو تُشجّع على الذُل والخنوع.
تُعطي لنجاحك الشخصي الأهمية على نجاح الآخرين.
تفشل في بث روح السعادة والفرح في بيئة العمل.
تظهر الأنانية عندما يتعلق الأمر بتقاسم المكافآت والثناء.
تُشجع على ضيق الأفق بدل العمل الجماعي.
تتصرف بأنانية مع من حولك.
كما هو الأمر في جميع الاستشارات المرضية، من المهم الحصول على رأي ثانٍ او ثالث. أطلب من زملائك تقييمك على نفس المعيار. لا تتفاجأ عندما يخبرونك بأنّك لست على ما يرام. وكغيره من الفحوص الطبية، يمكن لهذه الأسئلة مساعدتك في التركيز على الفرص التي تُحصّنك من الإصابة بهذه الأمراض. تذكّر عِظم المسؤوليات والتأثيرات التي تنطوي على موقعك كقائد، فلما لا تأخذ الحكمة والمشورة من قائد روحي عظيم كالبابا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz