تابعنا على لينكد إن

تُبقيك الشبكة الاجتماعية القوية على اطلاع بما يجري، كما أنها تعلّمك أشياء جديدة، وتدفعك إلى المزيد من الابتكار. إنها تمنحك مجالاً للتعبير عن أفكارك واستطلاع آراء الآخرين بها، وتساعدك في إنجاز الأمور حين تكون مستعجلاً. ولشبكة العلاقات الاجتماعية القوية فوائد أخرى كثيرة (انظر الفيديو على موقع “لين إن”  (Lean In)، الذي أتحدث فيه عن كيفية تعزيز الشبكات الاجتماعية لتأثيرك).

ولكن مقابل كل شخص يقدِّر قيمة الحفاظ على مجموعة واسعة التأثير ومتنوعة من المعارف المختصين، ثمة عدد أكبر بكثير ممن يعانون للتغلب على المقاومة الفِطرية للتعارف، إن لم نقل النفور منه. في السنوات العشرين التي قمتُ فيها بتعليم كيفية بناء الشبكات الاجتماعية واستخدامها بطرق أكثر فاعلية، وجدت أن أعظم العوائق التي يواجهها الناس في العادة لا تتعلق بالمهارة، وإنما بالقناعة الفكرية.

وبإصغائي بانتباه إلى المعضلات المتكررة التي يواجهها تلاميذي والتنفيذيون في قسم ماجستير إدارة الأعمال، استنتجت أن مفهوماً واحداً أو أكثر من المفاهيم الخمسة الخاطئة قد يمنع الناس من جني المنافع الكاملة للتعارف. فأيّ من هذه المفاهيم يعيق تقدمك؟

المفهوم الخاطئ الأول: التعارف بمعظمه مضيعة للوقت. قد تؤدي قلة الخبرة بالتعارفف إلى دفع الناس إلى التساؤل عن مدى كونه توظيفاً قيّماً لأوقاتهم، لا سيما في الحالات التي لا تكون فيها العلاقات الاجتماعية الجاري بناؤها مرتبطة مباشرة بالمهمة المطروحة. على سبيل المثال، أخبرني “جو”، وهو تنفيذي أمريكي لاتيني في شركة كبيرة يسعى جاهداً ليعزز التعاون المهني، أن كل زميل يزور بلده يطلب منه الاجتماع به. وقد استقبل جو في السنة الماضية وحدها 60 شخصاً، ما يُعدّ عبئاً ثقيلاً يضاف إلى عمله اليومي. ويتساءل جو عن حق ما إذا كانت تلك اللقاءات توظيفاً صحيحاً لوقته.

لا تستلزم الفوائد الكثيرة التي ذكرناها للشبكات الاجتماعية أن تتمتع شبكتك بالمزايا نفسها؛ فالأمر كله يعتمد على نوع شبكتك، وكيفية بنائك إياها. معظم الناس لا يُبيّتون نية معينة قبل بنائهم شبكاتهم الاجتماعية. فهم مثل جو، يتجاوبون للطلبات، ولا يتصلون بالآخرين إلا عند حاجتهم إلى أمور معينة. وسيُثمر على الأرجح تواصلك مع الأشخاص الذين صنَّفتهم بأنهم مهمون استراتيجياً لجدول أعمالك.

المفهوم الخاطئ الثاني: ينقسم الناس إلى موهوب بطبيعته في التعارف، وغير موهوب به؛ وبشكل عام يصعب تغيير ذلك. يعتقد كثيرون أن التعارف هو أمر سهل على أصحاب الشخصية الانبساطية، فيما تكون نتيجته عكسية للشخص الخجول بطبيعته. وحين يرون أنهم يفتقرون إلى هذه الموهبة الفطرية، لا يستثمرون جهداً فيها، لأنهم لا يعتقدون أن ذاك الجهد سينفعهم كثيراً.

أثبتت كارول دويك، عالمة نفس في جامعة ستانفورد، أن المعتقدات الأساسية للناس عن “الطبيعة مقابل التنمية” (nature versus nurture)، لها تبعات مهمة بالنسبة إلى مقدار الجهد الذي سيبذلونه في تعلّم شيء لا يمتلكونه بالفطرة من حيث الصفات الشخصية، مثل الذكاء والقيادة. ويعتقد أصحاب النظريات “الثابتة” أن القدرات فطرية بشكل أساسي، فيما يرى أصحاب القناعات المتطورة أن من الممكن تنمية القدرات بمرور الوقت.

وكما أظهر الأساتذة الجامعيون “كوابارا” و”هيلدبراند” و”زو” في بحث أكاديمي لهم سينشر لاحقاً، ستشعر على الأرجح بالحماسة لتحسين قدرتك على التعارف، إنْ كنت تعتقد بأنه مهارة تستطيع أن تنمّيها. وستبذل حينها جهداً أكبر وتحقّق نتائج أفضل لتعارفك مقارنة بشخص ثابت القناعات.

المفهوم الخاطئ الثالث: ينبغي أن تُبنى العلاقات الاجتماعية على نحو طبيعي. أحد أهم المفاهيم الخاطئة التي يمتلكها الناس عن التعارف هو أن العلاقات الاجتماعية ينبغي أن تتشكل وتنمو عفوياً، بين الأشخاص المعجبين ببعض تلقائياً. وهم يعتقدون أن التخطيط لبناء العلاقات وتنميتها والعمل المنهجي على ذلك وسيلة، حتى إنها قد تكون بنظرهم غير أخلاقية.

والمشكلة في هذه الطريقة من التفكير أنها تُنتج شبكات اجتماعية ليست مفيدة لك، ولا لمعارفك، لأنها شديدة التجانس. فقد أظهرت عقود من الأبحاث في مجال علم النفس الاجتماعي أنه لو تُركت لنا حرية التصرف والاختيار، لبنَينا وحافظنا على علاقات مع أشخاص يشبهوننا تماماً ومعرفتهم مناسبة لنا، لأننا غالباً ما نصادفهم (وإذا صادفناهم غالباً فهم على الأرجح يشبهوننا).

ومن المستحيل أن تمنحنا هذه الشبكات “النرجسية الكسولة” سعة وتنوع المدخلات التي نحتاج إليها لنفهم العالم من حولنا، ونتخذ قرارت جيدة، ونجعل الأشخاص المختلفين عنا منسجمين مع أفكارنا. ولهذا السبب، علينا أن نطور شبكاتنا المهنية عمداً، في إطار جهد مقصود ومنسَّق لتحديد وتنمية العلاقات مع الأطراف ذوي الصلة.

المفهوم الخاطئ الرابع: الشبكات الاجتماعية بطبيعتها نفعية، أو أنانية. يبرر العديد من الأشخاص الذين يفشلون في التعارف خيارهم بأنه مسألة قيم شخصية. فهم يجدون التعارف “غير نزيه”، أو “أداة للتلاعب”، أي طريقة غير شريفة للحصول على منافع. في المقابل، يرى آخرون في التعارف فرصة للتبادل، ورد الجميل للآخرين بقدر ما أعطوا.

اكتشفت إحدى الدراسات أن الآراء حول أخلاقيات التعارف تختلف بحسب مستوى أصحابها. فقد كان المهنيون المبتدئون عرضة للشعور بـ”الريبة” تجاه التعارف الوسائلي، الذين كانوا يعلمون أنهم مضطرين إليه لتطوير حياتهم المهنية، في حين لم يشعر كبار الموظفين بأدنى تضارب تجاهه، لاعتقادهم بأنهم يمتلكون شيئاً ذا قيمة مماثلة ليقدموه.

ويعود الفرق بين المجموعتين إلى ثقة المهنيين، أو شكّهم بقيمة إسهاماتهم، إذ يشعر المبتدئون بأنهم أشبه بالمتوسلين منهم بأطراف في عملية تبادل منصفة. ويفيد بحثي الخاص أن الطريقة الوحيدة لاعتماد وجهات نظر أسمى عن التعارف هي بممارسته، واختبار قيمته شخصياً، ليس على المستوى الفردي فقط، بل على مستوى فريقك ومؤسستك.

المفهوم الخاطئ الخامس: روابطنا القوية هي الأعلى قيمة. ثمة مفهوم خاطئ آخر يعترض الطريق إلى بناء شبكة اجتماعية أكثر نفعاً هو الفكرة الحدسية التي مفادها أن أهم العلاقات في شبكتنا هي أقوى روابطنا، وتعني العلاقات المقرّبة شديدة الثقة مع أشخاص نعرفهم جيداً، ويؤلفون دائرة شبكتنا الداخلية. لا شك أن هذه العلاقات مهمة فعلاً، إلا أننا نميل إلى التقليل من أهمية “روابطنا الضعيفة”، أي علاقاتنا بالأشخاص الذين لا نعرفهم جيداً بعد، أو لا نقابلهم كثيراً، والذين يؤلفون الدائرة الخارجية لشبكتنا.

إن المشكلة في مستشارينا الموثوقين ودائرة الأشخاص الذين اعتدنا وجودهم إلى جانبنا لا تكمن في عدم رغبتهم بالمساعدة، ولكن في أرجحية امتلاكهم المعلومات وووجهة النظر نفسها التي نمتلكها نحن. وقد أظهرت أبحاث كثيرة أن الابتكار والإلهام الاستراتيجي ينسابان عبر تلك الروابط الأضعف، التي تضفي على شبكتنا قابلية الاتصال، بتمكينها إيانا من الاتصال بأشخاص لا نعرفهم عن طريق أشخاص نعرفهم. وهذه هي الطريقة التي نتعلم بها أموراً جديدة ونتوصل إلى معلومات وموارد بعيدة عن متناولنا.

وتتمثل إحدى أهم شكاوي التنفيذيين من طلابي من شبكاتهم الحالية في كونها نتيجة عفوية للماضي، أكثر من كونها مصدراً للدعم المستقبلي. فمَن يملكون مفتاح تطور شبكتنا هم مَن تجمعنا بهم روابط ضعيفة، أي الأشخاص الموجودون على هامش شبكاتنا الحالية، والذين لا نعرفهم جيداً بعد. بالتالي، تؤثر قناعاتنا عن التعارف بالوقت والجهد اللذين نستثمرهما فيه، وأخيراً بالعائد الذي نحصل عليه من استثمارنا. لِم توسّع دائرة معارفك بطريقة غير مدروسة في حين أن وقتك بالكاد يكفي لعملك الفعلي؟ هل تظن أنك لن تبرع في التعارف قط؟ أم تعتقد أنه في النهاية وسيلة “رخيصة” بعض الشيء، وفي أفضل الأحوال سياسية؟

من الممكن أن تتغير القناعات، وهي بالفعل تتغير، ولكن بالتجربة المباشرة. والطريقة الوحيدة التي تجعلك تدرك أن التعارف من أهم الموارد لعملك وحياتك المهنية هي بتجربته، واكتشاف قيمته بنفسك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

2 تعليقات على "خمسة مفاهيم خاطئة عن التعارف"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
rawashdeh84
Member
rawashdeh84
2 سنوات 4 شهور منذ

مقال رائع

halqahtani
زائر
halqahtani
2 سنوات 3 شهور منذ

باعتقادي ان هذه العوائق تظهر بشكل واضح في الثقافة العربية التي تكونت العاطفة في اجزاء كبيرة منها ، فنحن لا نثق كثيرا بالعلاقات التي تختلف رؤية اصحابها عنا ، ونكتفي بالمجاملة وقت التعارف دون اية استفادة مهنية في تبادل الخبرات لاحقا .
قبل تغيير الافكار التي ادت الى هذه العوائق اظن انه ينبغي الاهتمام بمعرفة الذات وكيفية نشوء مثل هذه الاقكار المعيقة.

wpDiscuz