تجتاح الثورة التكنولوجية الرقمية جميع قطاعات ومجالات الحياة، ولا يشكل قطاع الأعمال استثناء من ذلك. ومن بين التبعات الأساسية لتلك الثورة على مسيرة الموظفين المهنية التغيير الحاصل في الطلب على المهارات البشرية. فقد أظهر بحث أجرته شركة لينكد إن على سبيل المثال أنّ نصف المهارات المطلوبة التي تتصدر لائحة ما تحتاجه الشركات اليوم لم تكن موجودة على تلك اللائحة قبل ثلاث سنوات من الآن.

ومن أكثر المهارات المطلوبة، الفضول الفكري والقدرة على التعلم، أي توفر الرغبة والمقدرة على التطور السريع وتكييف المهارات لتلائم متطلبات البقاء في الوظيفة. وهكذا بات ما تعرفه أقل قيمة مما يمكن أن تتعلمه، وأصبحت معرفة الإجابات عن الأسئلة أقل أهمية من امتلاك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة في المقام الأول. ولذلك لا يفاجئنا أن نرى الشركات الكبرى مثل جوجل، وأميركان إكسبرس، وبريدج ووتر أسوشيتس، تجعل من التعلم جزءاً لا يتجزأ من أنظمة إدارة المواهب لديها. وكما يشير تقرير من إعداد جوش بيرسين، فإنّ “أكبر محرك وحيد لقدرة الشركة على التأثير هو قوة ثقافة التعلم في تلك الشركة”.  

بيد أنّ ثقافة التعلم الحقيقية، التي يعرّفها مجلس الرؤساء التنفيذيين على أنها “الثقافة التي تدعم الانفتاح الفكري والسعي المستقل إلى المعرفة والتعلم المشترك الموجه نحو تحقيق رسالة المؤسسة وأهدافها”، لا تزال تمثل الاستثناء، لا القاعدة. فقد وجد بحث حديث أنّ 10% فقط من الشركات قد نجحت في خلق ثقافة تعلم حقيقية، و20% فقط من الموظفين يبدون سلوكيات قوامها التعلم الفعال في مكان العمل. كما درس بيرسين مسألة ثقافة التعلم بمزيد من التفصيل، ووجد أنّ الشركات التي تغذي ثقافة التعلم لدى موظفيها بشكل حقيقي وفعال تمتلك فرصة أكبر بـ30% على الأقل من سواها لأن تكون رائدة قطاعها في السوق خلال فترة ممتدة من الزمن.  

فيما يلي أربع توصيات قائمة على العلم لمساعدتك على خلق ثقافة تعلم حقيقية ضمن فريق عملك وفي مؤسستك.

كافئ التعلم المستمر

من المستحيل الدفع نحو التغيير الموجه في فريقك أو مؤسستك، من دون تطبيق أنظمة مكافآت رسمية لحث الموظفين وتشجيعهم على ذلك – وحتى حينئذ، فإنك لن تنجز ذلك التغيير ما لم تكن المكافآت متوازنة وفعالة. ولسوء الحظ، فحتى عندما يستوعب المدراء أهمية التعلم (نظرياً بالحد الأدنى) نجدهم في الغالب أكثر اهتماماً في تشجيع الأداء والنتائج قصيرة المدى، التي قد تكون من ألد أعداء التعلم. فالأداء يكون من حيث المبدأ أعلى عندما لا نضيع وقتنا في التعلم. وبالمقابل من الصعب على الموظفين إيجاد الوقت والحيز اللازمين للتعلم عندما يُطلب منهم تعظيم نتائج عملهم وأدائهم وإنتاجيتهم. لقد وجد تقرير أعده بيرسين أنّ موظفي المؤسسات الـ700 التي جرت دراستها لا يكرسون في المتوسط سوى 24 دقيقة أسبوعياً لأنشطة التعلم الرسمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ مكافأة الفضول الفكري وحب التعلم لا تكون فقط من خلال مديح أولئك الذين يبذلون جهداً للتعلم والتطور، وترقيتهم وظيفياً، بل أيضاً من خلال خلق مناخ يغذي التفكير النقدي ويشجع على تحدي أصحاب السلطة والتعبير عن الرأي بجرأة وصراحة حتى لو أدى ذلك إلى بعض الخلافات والتنافس وحتى الشقاق. فذلك المناخ بالغ الأهمية، وبخاصة إذا أردت من فريقك أن يبدع شيئاً جديداً ومبتكراً.

زود موظفيك بملاحظات قيّمة وبناءة حول أدائهم

في عصر تركز فيه غالبية المؤسسات إجراءاتها التنموية على “نقاط القوة”، وتقوم فيه أساليب الإدارة الإيجابية والتفاؤلية بتلطيف الـ”سقطات” و”مكامن الضعف” من خلال النظر إليها بوصفها “فرصاً”، من السهل أن ينسى المرء قيمة الملاحظات النقدية السلبية. بيد أنه من الصعب تحسين أي شيء عندما لا تكون مدركاً لمواضع القصور في أدائك وعندما تكون راضياً كلياً عن إمكاناتك أو عن نفسك على نحو غير مبرر. وعلى الرغم من أنّ واحدة من أفضل الطرائق لتحسين أداء الموظفين هي تسليط الضوء على أخطائهم، يتجنب المدراء في كثير من الأحيان الدخول في المواجهات الصعبة، الأمر الذي يؤدي بهم إلى توجيه الملاحظات الإيجابية أكثر من السلبية. ويعد هذا السلوك إشكالياً بخاصة فيما يتعلق بالفضول الفكري والتعلم، إذ إنّ أفضل الطرق لتحفيز الفضول هي الإضاءة على الفجوة المعرفية – أي جعل الناس يدركون ما لا يعلمون، وبخاصة إذا كان ذلك يشعرهم بعدم الارتياح. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الناس عموماً غير واعين لما يجهلونه وغير مدركين لحدود معرفتهم، وبخاصة عندما تنقصهم الكفاءة، ولذلك فإنّ التوجيه والملاحظات من قبل الآخرين تعد من الأمور الحاسمة لتطورهم. ومع ذلك من الضروري أن توجه الملاحظات النقدية بأسلوب بناء ولطيف – الأمر الذي يعد فناً حقيقياً – إذ إنّ الناس أقل استعداداً لتقبل النقد من تقبلهم للمديح والتقدير، وبخاصة في الثقافات الفردية (المسماة بالنرجسية).

ليكن سلوكك القيادي مثالاً يحتذى به 

إنّ المحرك الحاسم الآخر لتعلم الموظفين هو ما تقوم به أنت كمدير أو قائد. فكما يظهر نموذج سلسلة قيم القيادة، يمتلك سلوك القادة – وبخاصة ما يقومون به بشكل روتيني – تأثيراً كبيراً على سلوك وأداء بقية أفراد فريقهم. وكلما ارتفعت سوية القائد، ازداد تأثير سلوكه الفعلي على سلوك وأداء الموظفين في مؤسسته. وبالتالي، فإذا أردت أن تغذي فضول أفراد فريقك وتعزز رغبتهم في التعلم، عليك أن تطبق فعلياً ما تنادي به. ولتبدأ شخصياً بتعلم مهارات جديدة وإطلاق العنان لفضولك الفكري. إنها إحدى فرائض الفيلسوف إيمانويل كانط: لا تطلب من موظفيك أن يفعلوا ما لا تفعله أنت شخصياً. فإذا أردت أن يقرأ الناس أكثر، بادر أنت إلى القراءة – واجعل الآخرين يلحظون اهتمامك بالقراءة (من خلال مشاركتك لهم بكتبك المفضلة وبما تتعلمه). وإذا أردتهم أن يأخذوا على عاتقهم مجموعة مهام جديدة وصعبة، يتعين عليك أولاً أن تأخذ على عاتقك المهام الجديدة والصعبة. فلتتعلم مهارة جديدة على سبيل المثال، أو فلتلتزم بعمل تطوعي لا علاقة له بوظيفتك الأساسية، أو لتأخذ على عاتقك مجموعة مهام من خارج منطقة راحتك، حتى ولو لم تكن تجيد القيام بتلك المهام – فحينئذ يمكنك أن تثبت لموظفيك أنّ المرء قادر بقدر ضئيل من الفضول والالتزام أن يحسّن أداءه، الأمر الذي يلهم الآخرين على أن يحذوا حذوك. وإذا ما اردتهم أن ينتقدوا الوضع الراهن ويطرحوا الأسئلة غير المريحة ويخالفوا الاتجاه السائد، يتعين عليك ألا تلعب دور المنفذ الأمين للقواعد والنظام.

وظف أناساً فضوليين 

كثيراً ما نركز اهتمامنا على تدريب الموظفين وتطويرهم، الأمر الذي يسبب لنا قدراً كبيراً من المشاكل الإدارية، متناسين بذلك الأهمية الكبرى لعملية الانتقاء السليم للموظفين. غير أنّ الواقع يظهر لنا أنّ توقّع المشاكل وتجنبها أساساً أسهل بكثير من حلها لاحقاً. فعندما تكون عملية الانتقاء سليمة تكون الحاجة إلى التدريب والتطوير أقل بكثير، فضلاً عن أنّ الاختيار الجيد للموظفين يجعل عملية تدريبهم وتطويرهم أكثر فعالية لأن تحسين إمكانات الشخص المناسب أسهل من تدريب الشخص غير المناسب والعمل ضد طبيعته. ولا يشكل التعلم والفضول أي استثناء في هذا المجال: فعندما توظف أشخاصاً فضوليين بطبيعتهم، وتعظم درجة التوافق بين مصالحهم الخاصة ومصلحة الموقع الذي يعملون فيه، فإنك لن تضطر حينئذ إلى القلق حيال رغبتهم في التعلم واستعدادهم لإطلاق العنان لفضولهم الفكري. ولحسن الحظ توفر الدراسات التحليلية التلوية كتيباً مفصلاً للخصال – ومقاييسها المناسبة – التي تزيد من ميل الشخص إلى التعلم والتطور الفكري، حتى بعد البلوغ. وهنالك علم قائم بذاته يهتم بتوقع احتمالات وفرص الناس في امتلاك تلك الخصال (مثل الاختبارات الشخصية لقياس انفتاح الأشخاص على خوض التجارب الجديدة، وتقبل الغموض، والتفكير النقدي، والميل إلى حب الاطلاع وتقصي الحقائق). وبالمثل فقد أظهر الكم الهائل من البحوث على مدار عقود من الزمن حول موضوع الاهتمامات المهنية أنّ التوفيق بين دوافع الموظفين واهتماماتهم من جهة ومواصفات الوظيفة وثقافة المؤسسة من جهة أخرى، من شأنه أن يعزز ليس فقط ميل الموظفين إلى التعلم، بل وأداءهم أيضاً.

خلاصة القول: إذا أردت أن تغذي الفضول الفكري والتعلم لدى موظفيك، لست بحاجة للاعتماد على برامج التعلم والتطور الرسمية في مؤسستك؛ بل إننا ننصحك بأن تشجع موظفيك على سلوك التعلم الإيجابي، وتوجه إليهم الملاحظات النقدية والبناءة للتوفيق بين جهودهم والأهداف الصحيحة للتعلم، وتظهر فضولك الشخصي، وتوظف أشخاصاً يتمتعون بمقدرة عالية على التعلم وفكر فضولي منفتح وحر، لأن من شأن هذه التوصيات الأربع أن تخلق ضمن فريق عملك وفي مؤسستك، ثقافة تعلم قوية وفعالة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!