كيف تنشر ثقافة التخيُل بين موظفيك لتحفيز الابتكار؟

7 دقيقة
ستيفن سمبسون/غيتي إميدجيز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: مع تراجع نظام التجارة القائمة على القواعد، لم يعد بمقدور الشركات تحقيق النمو بسهولة من خلال التوسع إلى أسواق جديدة أو زيادة الطلب من خلال التوريد من مصدر واحد منخفض التكلفة. في هذه البيئة المليئة بالتحديات، يجب على الشركات التي تسعى إلى النمو تطوير عروض مبتكرة لزيادة الطلب. هذه العروض هي في الأساس نتاج الخيال؛ أي تصور فرص جديدة وتحقيقها، وهو التحدي الذي تواجهه الشركات. يقدم مؤلفا هذا المقال نهجاً من 6 خطوات تُعد أساس "آلة الخيال" في الشركات.

يعتمد خلق القيمة على المدى الطويل على النمو بدرجة كبيرة؛ يكشف تحليلنا لإجمالي عائد المساهمين (TSR) الذي أجريناه في أكثر من ألفي شركة كبيرة أنه يمكن أن يرجع نصف إجمالي عائد المساهمين على مدى 5 سنوات إلى نمو المبيعات، في حين يرجع النصف الآخر إلى توقعات المستثمرين وخفض التكاليف والتغيرات في الهامش التشغيلي. وعلى مدى 10 سنوات، يرجع نحو ثلاثة أرباع إجمالي عائد المساهمين إلى نمو المبيعات.

في فترات النمو الإجمالي المرتفع، يمكن للشركات أن تنمو ببساطة من خلال تهيئة نفسها للاستفادة من الانتعاش الاقتصادي، ولكن الوقت الحالي ليس إحدى تلك الفترات. إذ يؤدي ارتفاع تكاليف رأس المال إلى زيادة تكلفة الاستثمار في خيارات النمو ويدفع المستثمرين إلى البحث عن مكاسب قصيرة الأجل. وما يزيد الطين بلة أن فوائد العولمة تتباطأ بسبب تراجع نظام التجارة القائمة على القواعد، إذ لم يعد بمقدور الشركات أن تحقق النمو بسهولة من خلال التوسع إلى أسواق جديدة أو زيادة الطلب من خلال التوريد من مصدر واحد منخفض التكلفة. بدلاً من ذلك، تجد هذه الشركات نفسها مضطرة إلى الانسحاب من بعض الأسواق (مثل الصين) بسبب التوترات الجيوسياسية أو من أجل تنويع سلاسل التوريد الهزيلة التي تتعرض لمخاطر متزايدة. وأخيراً، من المحتمل أن تؤدي الضغوط البيئية على كوكبنا إلى الحد من إمكانات النمو أكثر.

في هذه البيئة المليئة بالتحديات، يجب على الشركات التي تسعى إلى تحقيق النمو تطوير عروض مبتكرة لزيادة الطلب، وهذه العروض في الأساس نتاج الخيال؛ أي تصوّر فرص جديدة وتحقيقها. في الواقع، بُنيت الشركات العظيمة جميعها على عملٍ من الخيال، بدءاً من فكرة جيمس دايسون عن مكنسة كهربائية دون كيس (مستوحاة من رحلة إلى منشرة محلية حيث لاحظ كيفية إزالة نشارة الخشب من الهواء باستخدام فاصل مخروطي) إلى رؤية تشارلز ميريل لمصرف حديث يقدم خدماته للأفراد عبر مجموعة متنوعة من المنتجات بأسعار شفافة للأميركيين العاديين، مستوحى من وظيفته السابقة في سلسلة المتاجر الاستهلاكية سيفواي (Safeway).

تكمن المشكلة في أن الشركات الكبيرة تنسى جذورها الإبداعية التي أدت إلى نجاحها الأولي، فتصبح مع نموها أكثر تركيزاً على الداخل مع إعطاء الأولوية لتحسين المنتجات ونماذج الأعمال الحالية على حساب ابتكار منتجات ونماذج جديدة، وهذا يؤدي إلى التقسيم والتخصص وزيادة التعقيد فيعوق توليد الأفكار الجديدة. كما أن النجاح المالي يؤدي إلى القناعة بالوضع الراهن وتفادي المخاطرة، فيتردد القادة في تحدي النماذج الفكرية التي كانت أساس نجاحهم في الماضي.

إذاً كيف يمكن للقائد استعادة ألق مخيلته؟ تشير أبحاثنا في معهد هندرسون التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) إلى أنه يمكن الاستفادة من الخيال على نحو منهجي من خلال دورة من 6 خطوات تُعد أساس "آلة الخيال" في الشركات.

1. تبنَّ الحالات الشاذة

يبدأ كل جهد تخيلي بفكرة أو رؤية مفاجئة: يجب أن تلهمنا الأفكار غير المتوقعة التي تتحدى منظورنا المعتاد للعالم. لجعل هذه العملية منهجية، نحتاج إلى البحث بفعالية عن معلومات جديدة من شأنها تحفيز أفكار جديدة. يمكن تطبيق ذلك عملياً، على سبيل المثال، من خلال ضمان تعامل الموظفين جميعهم مع العملاء أو من خلال الإبلاغ عن الحالات الشاذة المثيرة للاهتمام إلى جانب المتوسطات والنتائج والإجمالية.

خذ على سبيل المثال حالة شركة بروكس أوتوميشين (Brooks Automation) الرائدة في مجال تصنيع قطع غيار آلات أشباه الموصّلات التي واجهت تراجعاً في النمو في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إذ بحثت عن الحالات الشاذة التي حفزتها على إعادة النظر في نهجها من خلال دراسة براءات الاختراع التي استشهدت ببراءات اختراعها، وأخرى استشهدت بالأولى، وكشفت هذه الدراسة عن فرص لم يتخيلها أحد من قبل في مجال علوم الحياة باستخدام تقنيات التلاعب بأشباه الموصلات في ظل ظروف خاضعة للرقابة الشديدة باستخدام عينّات بيولوجية. تحولت شركة بروكس أوتوميشين نحو هذه الفرصة الجديدة وأصبحت في نهاية المطاف رائدة في قطاع البنوك الحيوية الناشئ حديثاً.

2. انظر إلى الافتراضات على أنها خيارات

لتطوير نماذجنا الفكرية، علينا التعامل مع العديد من الافتراضات والمعتقدات غير المعلنة التي توجه أفعالنا على أنها نتائج اختيارات وليست حقائق ثابتة. تبدو عبارة "لدينا حصة 2% في مجال الصناعات الدوائية" حقيقة واقعة، لكن نطاق الشركة وحدودها وهويتها هي خيارات، ويمكننا أن نقول بالمثل: "لدينا حصة 1% من سوق الصحة".

لتحديد طرق تغيير الواقع، يجب أن نعزز مهارات التفكير التي تتحداه؛ أي القدرة على تخيل "ما لا وجود له ولكن يمكن التوصل إليه (بشرط تغيير النماذج أو الافتراضات الفكرية)". تدرَّس المهارات التحليلية عادة في الكليات وتُصقل بعد ذلك في الشركات، لكن هذا لا ينطبق على المهارات والأساليب المطلوبة لاكتشاف الإمكانات الجديدة من خلال تطبيق القيود أو إزالتها أو من خلال إعادة تجميع عناصر المنتج أو نموذج العمل.

على سبيل المثال، نجحت إحدى شركات الأجهزة الطبية مراراً وتكراراً في إعادة تصور أعمالها وتوسيع سوقها من خلال تطبيق قيدٍ يتمثل في السؤال عما يحتاج إليه طبيب عام لتنفيذ إجراء يؤديه طبيب مختص عادةً، أو ما تحتاج إليه ممرضة لتنفيذ إجراء يؤديه طبيب عام عادة، أو ما يحتاج إليه المستهلك لتنفيذ إجراء يتطلب مختصاً طبياً.

3. تحقق من صحة الأفكار في العالم الحقيقي

بمجرد تكوين الفكرة، يجب أن تختبرها على أرض الواقع بدلاً من الإفراط في تحليلها. تُجري شركات عديدة تجارب لمعرفة إذا ما كانت عروض نماذجها الأولية الجديدة ناجحة أم لا، ولأن نجاح غالبية العروض الجديدة ليس فورياً، فمن المهم توليد نتائج أو "مفاجآت" غير متوقعة يمكن أن تحفز على إعادة التفكير فيها، ويمكن تعزيز هذا الجانب من خلال الاختبارات المبكرة واعتماد تقنيات الابتكار المفتوح وشحذ قدرات الملاحظة.

من الأمثلة البارزة على تحقيق أقصى استفادة من الصدفة من خلال اختبار الأفكار على أرض الواقع وتطبيق الملاحظة الدقيقة عقار الفياغرا لمعالجة الضعف الجنسي، الذي كانت شركة فايزر تهدف في الأصل إلى استخدامه دواءً للقلب. أعادت الشركة إعادة صياغة أحد الآثار الجانبية الغريبة على أنه فرصة، ونتيجة لذلك أصبح الدواء أحد أكثر الأدوية مبيعاً في العالم.

4. تعلم كيفية نشر الأفكار

لزيادة الأثر المحتمل لفكرة ما إلى أقصى حد ممكن، يجب تضخيمها ونشرها على نطاق واسع حتى تتمكن من إلهام الآخرين، وهذه المهمة ليست سهلة لأن الأفكار الجديدة ستبدو بطبيعتها غير مألوفة وغير بديهية للآخرين. للتغلب على هذا التحدي، يجب نقل الفكرة بطريقة تثير خيال الآخرين، ما يسرّع تطورها وتبنّيها.

تكتل شركات ريكروت هولدينغز (Recruit Holdings) اليابانية للخدمات هو مثال على شركة أتقنت فن نشر الأفكار. تعقد المؤسسة بانتظام "مهرجانات" يتبادل فيها الموظفون الأفكار لإنشاء أعمال جديدة، وتدعم الإدارة مبتكري الأفكار الجديدة بمنحهم الثقة ليروا أنفسهم أبطالاً في مجال ريادة الأعمال وتوفير الفرص لهم ليشكلوا فِرقهم ويحصلوا على تمويل أولي تلقائي ويروجوا أفكارهم. وقد أدى ذلك إلى تحديد العديد من خطوط الأعمال الجديدة والمربحة وتطويرها.

5. ابتكر إرشادات قابلة للتطور

عندما ينجح الخيال، تتحول الفرص غير الموجودة إلى واقع جديد واسع الانتشار. ويتطلب ذلك تدوين الفكرة بحيث يمكن للآخرين تكرارها وتبنّيها بنجاح لتصبح في نهاية المطاف واقعاً جديداً شائعاً ومنتشراً في كل مكان. لكن جهد التدوين المكثف لإجراءات التشغيل القياسية المعقدة يمكن أن يعوق تنفيذ الابتكار وتطويره على حد سواء.

يجب على الشركات عند تدوين الأفكار الجديدة ترك مجال للتقدير الفردي في نصوص وصف الإجراءات، حيث يمكن للموظفين الاستفادة من فهمهم للسياق وخيالهم لتحقيق نتائج أفضل. ويجب أن يقترن هذا النهج بتحليل شامل للانحرافات الناجحة وسبب نجاحها، بالإضافة إلى عملية لتطوير الإرشادات مع مرور الوقت وفقاً لهذا التحليل.

وخير مثال على هذا النهج متجر آب ستور، أحد أشكال البيع بالتجزئة الأكثر إنتاجية في العالم. دوّن المتجر عملية التواصل مع العملاء وتلبية احتياجاتهم في نصّ بسيط يتمثل في اختصار مطابق لاسم آبل نفسه (APPLE)، الذي تعبّر حروفه بالإنجليزية بالترتيب عن كلمات "تواصل" (Approach)؛ "استفسر" (Probe)؛ "قدّم حلاً" (Present)؛ "استمع" (Listen)؛ "اختتم" (End). يُستخدم هذا النص ويُطور بفعالية من خلال مناقشته يومياً في سياق تفاعلات محددة مع العملاء.

6. ابدأ من جديد

ولّى زمن اعتماد الشركات على فكرة مبتكرة واحدة تشكّل في حال نجاحها قاعدة متينة للنمو الذي يتحقق بمجرد توسيع نطاقها وتحسينها، لذلك من المهم جداً أن تستمر الشركات بممارساتها الإبداعية القائمة على المخيلة حتى في أداء مهام الأعمال اليومية.

ينطوي ذلك على تعزيز ثقافة تقاوم الركود، على غرار عقلية "اليوم الأول" المشهورة التي تتبناها أمازون، التي تحافظ على الشعور بأن الشركة يمكن أن تسير في أي اتجاه من موقعها الحالي. يجب على القادة أيضاً أن يكونوا قادرين على إحداث زعزعة ذاتية من خلال تسريع حدوث الأزمة أو الاستفادة منها لمساعدة فرقهم على إدراك أن نماذجها الفكرية الحالية غير كافية. على سبيل المثال، عندما تولّى آلان لافلي منصب الرئيس التنفيذي لشركة بروكتر آند غامبل كانت تواجه صعوبات بالفعل، لكنه تعمّد تعميق الأزمة الداخلية من خلال إجراء بحث مكثف حول العملاء لتحديد المجالات التي لا تلبي فيها علامات الشركة التجارية احتياجاتهم. وقد أدت هذه الإجراءات إلى إعادة تصور نهج الشركة وفي النهاية تجديد مجموعة العلامات التجارية وتسريع نمو المبيعات.

دور التكنولوجيا

قالت عالمة الرياضيات البريطانية وأول مبرمجة كمبيوتر، آدا لوفليس، في أوائل القرن التاسع عشر: "إن الكمبيوتر لا يستطيع إنشاء أي شيء من تلقاء نفسه أو ابتكاره، ولا يمكنه سوى أداء المهام التي نعرف كيف نأمره بأدائها"، وما يزال هذا الاعتقاد سائداً، ويرى الكثيرون أن مصير الذكاء الاصطناعي هو تولي المهام والقرارات الروتينية، ما يوفر وقت الإنسان وقدرته الفكرية لأداء مزيد من المهام الإبداعية.

لم يفقد هذا الاعتقاد صحته تماماً، لكن خيال الشركات سيكون عبارة عن مزيج تآزري من الذكاء البشري وذكاء الآلة. تثبت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والأدوات التحليلية الأخرى يوماً بعد يوم قدرتها على تعزيز البحث عن الحالات الشاذة من خلال تمييز الأنماط والارتباطات داخل مجموعات البيانات الكبيرة، التي قد تستعصي على الذكاء البشري، كما يمكنها تسريع توليد أفكار جديدة من خلال إنشاء تشكيلات جديدة من العناصر، ويمكن أن تساعد على إدارة عدد من التجارب في الوقت نفسه وتحديد ما يجدي وما لا يجدي بسرعة، وصياغة الروايات التي تسهم بنشر الأفكار والبحث عن مصادر جديدة محتملة للزعزعة من أجل الحفاظ على تيقظ الشركة واستعدادها.

في مثالنا المتعلق بشركة بروكس أوتوميشين، دُعم البحث القائم على المخيلة عن مصادر جديدة للنمو بأداة تصور شبكي لشبكات براءات الاختراع. ومن خلال تحديد الأنماط المفاجئة في هذه الشبكة، تمكنت الشركة من التركيز على الحالات الشاذة المثيرة للاهتمام التي أصبحت أساساً لإعادة تصميم أعمالها.

مع تزايد صعوبة تحقيق النمو، ستزداد حاجة الشركات إلى الاعتماد على الأفكار المبتكرة لخلق مصادر جديدة للطلب على منتجاتها أو خدماتها؛ لذلك بدلاً من انتظار أن يضيء الإلهام مخيلة الشخص المناسب في الوقت المناسب، عليها أن تسعى إلى تسخير قوة الخيال على نحو منهجي، وصعوبة هذه المهمة على المستوى التنظيمي تجعل إنجازها مصدراً محتملاً للميزة التنافسية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .