باتت العلاقة بين الضغوط والإنتاجية معروفة جيداً وموثقة بصورة كافية. وتعود أول دراسة بهذا الشأن إلى عام 1980 عندما قام الأخصائيان في علم النفس روبرت يركيس وجون دودسون بإثبات وجود علاقة بين الظاهرتين، ولكنها علاقة لا تسير في خط مستقيم.



لقد أثبت الأخصائيان في تلك الدراسة أنه كلما ضعف المثير (الضغوط التي تمارس على العاملين) بشكل كبير، ضعفت إنتاجية هؤلاء أيضاً. وترتفع إنتاجية العاملين مع ارتفاع مستوى الضغوط التي تمارس عليهم. وهذا يعني أنّ الضغوط تمنحنا تركيزاً أكثر وتساعدنا على الاستمرار في العمل، ولكن إلى حد معين فقط. فعندما تصبح الضغوط شديدة جداً تتراجع إنتاجيتنا بسبب الشعور بالإرهاق، وإن زادت الضغوط أكثر من ذلك يمكن أن تصبح الحالة أشد سوءاً. كما لا يكون تأثير زيادة الضغوط بشكل كبير مقتصراً على مستوى الإنتاجية فحسب، بل يكون لذلك عواقب وخيمة على المستوى الشخصي أيضاً.

في البداية، يبذل الموظفون المتحمسون والمتفانون كامل طاقاتهم لتقديم "أقصى جهد إضافي ممكن"، ويشعرون أنهم قادرون على النجاح في ذلك، بل يحاولون التأقلم مع الضغوط عن طريق تجاهل علامات الخطر الطفيفة ومتابعة العمل أثناء القيام بمهام العمل المختلفة بأفضل صورة ممكنة. ولكن عندئذ يصلون إلى حد الانهيار ويظهر أثر الضغوط المفرطة عليهم. والنتيجة هي معاناة هؤلاء من إرهاق العمل والاكتئاب والمرض والطلاق ويدفعون ثمناً باهظاً على المستوى الشخصي لزيادة ضغوط العمل عليهم بشكل مفرط.

تتوقع المؤسسات من موظفيها بصورة متزايدة "بذل أقصى مجهود" أو بمعنى آخر تبني سلوكيات في العمل تتجاوز أدوارهم الرسمية بحسب تقديرهم. وهذا قد يعني في البداية (على سبيل المثال) مساعدة زميل في العمل دون أن يطلب هو ذلك، وصولاً إلى تولي مسؤوليات أكبر والعمل لعدد من الساعات أكثر، وقضاء عطلات نهاية الأسبوع أو ساعات الليل المتأخرة مستنفرين للعمل بشكل دائم.

يصاحب هذه السلوكيات في الغالب التزامات أخرى أكبر ورغبة من طرف الموظف بإثبات ذاته في مهنته، بالإضافة إلى الدوافع الأخرى لدى الأفراد لبذل أقصى جهد في العمل. ومن المعلوم أنّ المؤسسات التي تمارس فيها مثل تلك السلوكيات يمكن أن تحقق مكاسب جماعية تتعلق بتنمية رأس المال الاجتماعي وتعزيز الإنتاجية وتقليل معدل الدوران الوظيفي.

ولا شك أنه عندما يبدي الموظفون حماستهم للعمل بصورة تتعدى واجباتهم الوظيفية، ويعملون بجدّية ويبذلون جهوداً إضافية في العمل فإنهم يحققون النتائج الإيجابية لأنفسهم ولمسيراتهم المهنية وللمؤسسة ككل.

ولكن من جهة أخرى، هناك أدلة على وجود أوجه قصور وضعف تعتري الجسد والقدرة الإدراكية لدى الموظف نتيجة لذلك. ويوجد تحديداً دليل على أنّ بذل أقصى جهد إضافي ليس محصوراً في تنفيذ مهمة واحدة فقط، بل يمكن أن يتعداه إلى تنفيذ مهمتين أو ثلاث أو خمس بل إلى عشر مهمات. وبذلك يتحول الأمر في نهاية المطاف إلى سباق محموم طويل الأجل وبلا نهاية محددة.

حد الانهيار بسبب الجهد الإضافي المبذول

ظهر للعيان الجانب المظلم لبذل أقصى جهد إضافي في العمل ضمن دراسة قامت بها كلية الأعمال الإيطالية إس دي إيه بوكوني (SDA Bocconi). وقد شملت الدراسة استطلاع رأي 560 مشاركاً. وبحسب نتائج هذه الدراسة، يعاني الموظفون من تزايد واضح في الإرهاق عند شعورهم بممارسة شركاتهم ضغوطاً عليهم للقيام بأعمال أكثر مما تتطلبه وظائفهم. وفي الحقيقة، يعاني الأشخاص الذين يتعرضون لضغوط الجهد الإضافي الشديد من إرهاق يزيد بنسبة 50% مقارنة مع الموظفين الذين لا يتعرضون لنفس الضغوط. وقد وضعت الدراسة تعريفاَ للإرهاق بأنه "حالة فردية يُعزا الشعور فيها بالإنهاك أو التعب أو التوتر الشديد إلى القيام بأعمال تتجاوز واجبات الفرد". ولكن ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه النتيجة؟

باختصار، يواجه الموظفون تحدياً مزدوجاً في وظائفهم. إذ يُتوقع منهم بذل جهد إضافي بصورة طبيعية كنوع من السعي الذي تميز به أحد أفراد العاملين سابقاً، فاستحق عليه ترقية أو مراجعة أداء ممتازة. وقد أصبح هذا النموذج يمثل الوضع الراهن. ويصاحب هذا الجهد الإضافي المتوقع المسؤوليات الأساسية المكلف بها الموظف، فتلك أيضاً قائمة لا تتغير. وبذلك، يستنفد الموظف مخزونه المحدود من الوقت والتركيز. وعندما تجتمع توقعات الأداء المتميز في الوظيفة مع الضغوط جنباً إلى جنب يتم تجاوز الواجبات الوظيفية العادية، ويصبح الإرهاق هو الأثر التراكمي الناتج عن ذلك كله.

ولكن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في النتائج التي أظهرتها تلك الدراسة هو ما يتعلق بالآثار الجانبية التي تلامس الحياة الشخصية الخاصة بالموظفين. فهؤلاء يحتاجون لوقت أكبر لتجديد طاقتهم التي استنفذوها في العمل لأنهم يقومون بسلوكيات أكثر عدوانية مع أفراد الأسرة في المنزل. ولقد شملت الدراسة أيضاً استطلاع رأي شركاء الموظفين (الأزواج أو الزوجات)، وطُرحت عليهم أسئلة من قبيل ما إذا كان الموظف ينفعل لأتفه الأسباب أو أنه كثير الانتقاد للآخرين أو يتجاهل الآخرين عندما يعودون إلى المنزل وهكذا.

ما الذي يمكن للشركات القيام به؟

إنّ مطالبة الموظفين ببذل أقصى جهد إضافي هو أمر مشروع عندما يكون ذلك أمراً استثنائياً وليس دائماً. ماذا يعني ذلك؟ عند اتباع هذه الطريقة يمكن للمؤسسات استعمال العديد من التكتيكات المختلفة التي يجب أن تشكل استراتيجية شاملة فيما يتعلق بهذا الأمر. وإليكم هذه التكتيكات:

  • زيادة الوعي بين المشرفين على العاملين بشأن الدور الرئيس الذي يمارسونه في توجيه السلوكيات الفردية للآخرين. إذ أنّ دور المشرفين حيوي في إيجاد التوازن بين العمل والحياة الخاصة لمرؤوسيهم. وهؤلاء المشرفون يحتاجون إلى البصيرة والدراية لإدراك ما هو الجهد الإضافي المبذول من طرف الموظفين؟ وهل هو ضروري فعلاً أم لا؟ ومتى يجب عليهم منح موظفيهم مزيداً من الوقت لإنجاز المهام؟ لنفرض مثلاً أنّ شركة مراجعة حسابات تتوقع من موظفيها بذل جهد خارق من أجل إنهاء الحسابات المالية للعملاء في نهاية العام. لا بأس! ولكن يفترض أو يجب على هذه الشركة أن تمنح هؤلاء الموظفين حرية قضاء أيام إجازة إضافية.

  • تطبيق السياسات التنظيمية التي تعزز التوازن بين الحياة المهنية والحياة الخاصة. بعض الشركات لا تسمح لموظفيها بقراءة رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بالعمل بعد الساعة السادسة مساء أو خلال عطلات نهاية الأسبوع. إنّ شركة توزيع الطاقة إليكترو (Elektro) مثلاً، والتي حازت لقب أفضل شركة للعمل بها في البرازيل على مدار 5 سنوات متتالية، تطفئ أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالموظفين بعد مرور 10 ساعات من بدء تشغيلها كل يوم وبصورة أتوماتيكية. وهناك شركات أخرى تسمح لموظفيها بكتابة رسائل البريد الإلكتروني بعد الانتهاء من العمل ولكنها تبرمج أجهزة الخادم بالمكتب بحيث لا تسمح بإرسال هذه الرسائل إلا صباح اليوم التالي.  

  • بناء ثقافة مؤسسية موجهة نحو تحقيق النتائج على المدى الطويل. أي ثقافة تأخذ في الحسبان راحة جميع المشاركين في العمل عوضاً عن مجرد النظر إلى مؤشرات الأداء قصيرة الأمد فقط. عليكم بترسيخ الثقافة التي يمكنها تمييز علامات الخطر حال وجود ضغوط زائدة في العمل واتخاذ الإجراءات المناسبة. هذه الثقافة ترفض مثلاً اعتبار العمل لمدة 60 أو 70 ساعة أسبوعيا أمراً طبيعياً. كما ترفض هذه الثقافة السماح بأن تكون ساعات العمل الإضافية وسرعة الاستجابة في الرد بعد انتهاء وقت العمل هي المعيار الرئيس لتوظيف الأشخاص أو منحهم مكافآت.

  • تقع على كاهلنا نحن القيادات والمدراء مهمة وضع أهداف تشكل تحديات لمرؤوسينا في العمل من أجل استنهاض طاقاتهم وأيضاً للحفاظ على صحتهم النفسية والجسدية. فبذل أقصى جهد إضافي لن يستفيد منه أحد إذا وصل الموظف إلى حد الانهيار.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!