تابعنا على لينكد إن

ما إن تستذكر أحد الصراعات التي تعرّضت لها في عملك، حتى يخطر في ذهنك مُسبّبه: إما رئيسك غير الكفؤ، أو زميلك السلبي والعدائي، أو ذاك الذي يستأثر بالموارد في قسم آخر ويحرمك من الاستفادة منها. إننا نقضي وقتاً مبالغاً فيه نتذمر من هؤلاء الأشخاص، ونتجنبهم تارة ونتنازع معهم تارة أُخرى. غير أنك إذا أردت إدارة الصراعات التي تواجهك في مكان عملك، لا يمكنك لوم الآخرين فقط، فغالباً ما يكون المذنب أكثر من طرف، وإذا أردت الحد من النزاع والاقتتال والتمتع ببيئة عمل يسودها جو من البهجة والإنتاج الفعال، ما عليك سوى أن تفهم دورك في هذه المهمة وما يمكنك فعله لتتمكن من تحطيم الحلقة المفرغة التي تبدأ بالإحباط والتوتر وتنتهي بحروب تُشن في مكان العمل.

التحديات المستمرة تولّد الإحباط

صحيح أنّ جرعة صحية من الإحباط يمكن أن تنعكس على نحو مفيد وإيجابي في تعزيز روح الإرادة والإبداع. لكن لسوء الحظ، لا نتعرّض في مكان عملنا لعقبات عرضية ومتفرقة وإنما في الغالب لوابل من المشكلات: من جهة تنقصنا الموارد اللازمة للقيام بمهامنا، ومن جهة أُخرى تتغيّر أهداف العمل بشكل مستمر، فنلقي اللوم في إحباطنا على بيئة العمل التي تغالي بلا هوادة في الضغط علينا والطلب منا بذل المزيد من الجهود من دون تبصّر، أو نُحمّل المسؤولية للتغيّر المستمر في ثقافة الشركة. وبغض النظر عن الأسباب، يعاني الكثير منا من الإحباط المزمن في مكان العمل.

المشاعر السلبية تولّد التوتر

غالباً ما ينقلب الإحباط المزمن إلى مشاعر خوف وغضب شديدَين (مشاعر هدامة) تعمل كنظام تحذير مبكّر بأننا في خطر. وعندما يدق ناقوس الخطر، تغدو أجسادنا في حالة تأهب قصوى، ويزداد ضخ الأدرينالين والهرمونات في أوعيتنا الدموية، وتتقلص عضلاتنا لكي نتمكن من التحرك بسرعة كبيرة، وتتعرق أيدينا، ويتسارع تنفسنا ويزداد خفقان قلبنا. وهذا كله يمكن أن يكون جيداً ومفيداً إذا حدث بصورة عرضية لينقذنا من خطر حقيقي يداهمنا. لكن لسوء الحظ، فإن سوية منخفضة من الإحباط والخوف والانزعاج والحنق غالباً ما تلازمنا في بيئة عملنا، حتى إنّ الكثيرين منّا يخضعون على الدوام لحالة تأهب قصوى. ما يُفضي إلى اضطرابات في صحتنا الجسدية ويقوّض انخراطنا في عملنا ويسهم في تعاستنا ويؤثر سلباً على أداء أدمغتنا لوظائفها بصورة سليمة.

التوتر يغذّي الصراع، والصراع يولّد الغضب والاستياء والتعاسة

من السهل مواساة أنفسنا من خلال اعتقادنا بأنّ التوتر ليس أمراً سيئاً بالمطلق. ففي الواقع، يحسّن التوتر أداءنا لمهامنا الروتينية الاعتيادية. غير أننا عندما نعاني من توتر مزمن، ينعكس ذلك سلباً على مجمل تفكيرنا ومنطقنا ومهاراتنا الاجتماعية، وتتضاءل قدرتنا على معالجة المعلومات وتوظيفها بصورة سليمة ومحاكمة الأمور بتعقّل. وبالتالي نفقد المرونة والانفتاح في التعامل مع الأفكار والرؤى الجديدة، فنرى الأمور من منظور مفرط في التبسيط، ونغالي في ردة فعلنا حيال الإزعاجات الثانوية، ويغدو كل شيء وكل شخص بمثابة تهديد لنا. وفي هذه الحال، من المرجح أن نفتعل المشكلات لا أن نجد حلولاً لها، وبخاصة في علاقاتنا مع الآخرين.

هذا ما يحدث عندما تتحول الحلقة المفرغة إلى دائرة غير منتهية، حيث نفقد المقدرة على التفكير السليم، وندخل في صراعات مع أشخاص آخرين، لا يسرّهم ذلك، فيعبّرون بطريقتهم الخاصة، ويتصاعد التوتّر فيما بيننا، ويتأثر منطقنا وسلوكنا أكثر فأكثر. هذا ما يجعلنا ننفجر غضباً، أو نختبئ، أو ننسحب.

آلية من ثلاث خطوات للخروج من الحلقة المفرغة

إذا أردت الخروج من هذه الحلقة المفرغة وتقليل عدد الصراعات الهدّامة في مكان العمل، تتمثل أولى الخطوات التي عليك اتخاذها في رفع سوية وعيك لمشاعرك وردود أفعالك حيال الضغط والتوتّر. والخطوة الثانية هي إدارة مشاعرك بوعي وإدراك. أما الثالثة فتتمثّل في الشروع برؤية الناس بوصفهم أناساً لا عوامل تهديد.

الخطوة الأولى: طوّر وعيك لذاتك

لكي تتحرر من دائرة الإحباط والتوتر والصراع، يتعيّن عليك أن تبدأ بالتعرف على الأسباب التي تدفعك إلى الشعور بالإحباط والخوف والتهديد والعوامل التي تدفعك للانجرار إلى معمعة الصراع. يبدو ذلك سهلاً، لكن تظهر الحقيقة أنّ حتى الأشخاص أصحاب النوايا الحسنة عادة ما يضعون مهمة التأمل الذاتي في آخر سلم أولوياتهم، فليس هنالك ما يكفي من الساعات في اليوم الواحد. سيبقيك الظنّ بأنك لا تمتلك الوقت الكافي وبأنك لست بحاجة “للعمل على تطوير ذاتك” عالقاً في ذهنية التمترس خلف الأسوار ضمن مكان العمل. فلم لا تخصص الوقت اللازم وتوظّف الشجاعة وحب الاطلاع في اكتشاف نوعية الحالات وأنماط الأشخاص التي تدفعك إلى فقدان السيطرة على ذاتك. فكلما ازددت علماً حول هذه العوامل المحفزة لسلوكك الهدام، سهل عليك التحكم بمشاعرك.

الخطوة الثانية: وظّف ضبط الذات العاطفي

بعد أن تعي المشاعر التي تحفّز سلوكك على نحو محدد، يمكننك توظيف كفاءة ذكاء عاطفي أُخرى ومهمة، ألا وهي كفاءة ضبط الذات العاطفية، التي تمكّنك من اختبار وتفريغ عواطفك على نحو يجنّبك البقاء عالقاً في الحلقة المفرغة من المشاعر السلبية المبالغ فيها، والتي تتحكّم بها منطقة الدماغ الصدغية المسؤولة عن إطلاق آليات الدفاع عن النفس. فحينئذ يمكننا إدارة تلك المشاعر السلبية بتبصّر وتعقّل، ورؤية الواقع من منظور سليم، والتوقف عن التهجم على الآخرين عندما تشعر بالتهديد والخطر.

الخطوة الثالثة: انسج علاقات الصداقة في مكان العمل

للتقليل من التوتر والصراع قدر المستطاع في مكان العمل، علينا إرساء لغة الجمع “نحن” مكان لغة المفرد “أنا”. وعلينا النظر إلى الآخرين من منظور ما يمكننا تقديمه لهم، لا ما يمكننا أن نحصّله منهم. فمن شأن هذا التحول أن يخفف من حدة التوتر والمشاعر السلبية. كما سيؤدّي أيضاً إلى نسج علاقات مع الآخرين أكثر دفئاً وودّاً، وهو ما يحتاجه ويسعى إليه معظم الناس في مكان العمل.

يتطلب تطوير وعي الذات، ورفع سوية ضبط الذات العاطفي، وإعادة شحن العلاقات مع الآخرين في مكان العمل التزاماً صارماً وتعهداً قوياً، غير أنك لست مضطراً بالضرورة لإعادة خلق ذاتك حتى تحسّن طريقة تعاملك مع مسألة الصراع. نورد فيما يلي بعض النصائح العملية التي يمكن أن تساعدك في القيام بالخطوات آنفة الذكر:

حاول إدخال ممارسات التركيز والوعي إلى حياتك اليومية

تُعدّ ممارسات التركيز والوعي كاليوغا، والتأمّل، وآليات التنفس العميق، والمشي، وسائل لا تقدر بثمن لتطوير وعي الذات وتعلم التحكم بمشاعرنا وقَصر دارة الاستجابة على التوتر. وأظهرت الأبحاث على نحو قاطع أنّ دقائق معدودة من التنفس البطيء والعميق عدة مرات في اليوم تساعدنا على تصفية ذهننا وتهدئة أعصابنا واختيار أفعالنا بوعي أكبر.

خصص بعضاً من وقتك للتفكر بالذات

كما هو الحال بالنسبة لممارسات التركيز والوعي، يُعد التفكّر بالذات من العوامل المساعدة جداً على وعي الذات والتحكم بها. غير أننا غالباً ما نجد صعوبة في إيجاد الوقت اللازم للتفكير بوجهات نظرنا وبأفعالنا في هذا العالم الذي يتطلب منا أن نكون على استعداد وجهوزية دائمين لتلقي الطلبات والمهمات والمكالمات. لذلك، ابدأ بخطوات صغيرة: احجز على سبيل المثال 20 دقيقة في نهاية كل أسبوع للتفكّر بالأمور التي جرت على خير ما يرام وتلك التي سارت على نحو سيء. ولكن حذار أن تقع في فخ “جلد الذات” فتقضي تلك الدقائق القيمة في الندم على ما لم تفعله وما كان عليك فعله بطريقة مختلفة، حيث لن يجلب لك ذلك سوى المزيد من التوتر.

استجب لمشاعرك الطبيعية بالتعاطف مع الآخر والإحساس به

من شأن مشاعر الاهتمام بالآخرين والعطف عليهم والتعاطف معهم أن تساعدنا على البقاء والازدهار. وكما هو الحال مع عادة التفكّر بالذات، فإنك لا تمرّن “عضلة” مشاعرك الإيجابية نحو الآخرين كثيراً في مكان العمل، غير أنك ربما تتمكّن من تقوية هذه “العضلة” بسرعة كبيرة إذا ما طرحت على نفسك بعض الأسئلة التي تساعدك في فهم وجهات نظرهم المختلفة عن وجهة نظرك أنت. جرّب أن تطرح هذه الأسئلة:

  • كيف يفكّر وما هي مشاعره حيال هذه الحالة؟
  • ما الفرق بيننا؟، وما الذي يجمعنا؟
  • ما الذي يسعني فعله لأجعله يشعر بالارتياح تجاه هذه الحالة وتجاهي أنا أيضاً؟

وفيما تطرح على نفسك هذه الأسئلة، تذكّر أنّ لكلّ منّا قصصه الخاصة (قصص الحب والأسى والفرح في الحياة كما في العمل). وعلى الرغم من أنّ قصص الآخرين تبدو مختلفة عن قصصنا، إلا أنّ الخبرات الإنسانية تشبه بعضها البعض إلى حدّ مذهل. وربما نقع في فخ تحميل الآخرين مسؤولية النزاعات والصراعات في شركاتنا، إلا أنّ الطريق الأفضل لجعل العمل خبرة أكثر متعة وفعالية، هو تعلّم الاهتمام بذواتنا وبالآخرين وتحمّل مسؤولية مشاعرنا وأفعالنا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz