يعد التخلص من العادات السيئة أمراً صعباً، ونعلم جميعنا ذلك، سواء أخفقنا في اتباع نظامنا الغذائي الجديد مجدداً، أو شعرنا بالرغبة العارمة بتفقد آخر المنشورات على تطبيق إنستغرام بدلاً من إحراز تقدم في مشروع قد فات موعد تسليمه. يعود هذا في جزء كبير منه إلى أننا نشعر باستمرار بثقل المحفزات المصممة لتجعلنا نشتهي المأكولات ونستهلك أكثر، تلك المحفزات التي اختطفت نظام التعلم القائم على المكافأة في أدمغتنا المصمم أصلاً من أجل البقاء.

احصل على المجموعة الكاملة من أعداد هارفارد بزنس ريفيو مع خصم 20% وتوصيل مجاني

بعبارة بسيطة، ينطوي التعلم القائم على المكافأة على محفز مثل الشعور بالجوع، الذي يتبعه سلوك تناول الطعام، والمكافأة المتمثلة بالشعور بالرضا. نريد فعل المزيد من الأمور التي تشعرنا بالرضا، وأقل من تلك التي تشعرنا بالسوء أو الإرهاق. تظهر هذه العناصر الثلاثة، المحفز والسلوك والمكافأة، في كل مرة ندخن فيها سيجارة أو نأكل الحلويات، وينطبق هذا على العمل بوجه خاص. في كل مرة نحاول فيها تهدئة أنفسنا من مهمة مرهقة، فإننا نعزز بذلك رغبتنا في الحصول على المكافأة، إلى الحد الذي تصبح فيه الانحرافات غير الصحية عادات.

فلماذا لا يمكننا السيطرة على أنفسنا فحسب واتخاذ قرار استبدال العادات السيئة بأخرى جيدة؟ تم نشر مفهوم التحكم في الذات منذ عقود من الزمن، وعلى الرغم من حقيقة أنّ الباحثين في جامعة "ييل" (Yale) وغيرها قد أظهروا أن شبكات الدماغ المرتبطة بالتحكم في الذات، مثل قشرة الفص الجبهي، هي أول ما تتوقف عن العمل عندما تواجه محفزات مثل الشعور بالضغط، إلا أن ما تعلمناه في كلية الطب هو تمرير خطاب التحكم في الذات إلى المرضى لدينا. على سبيل المثال "هل أنت بحاجة إلى فقدان الوزن؟ توقف إذاً عن تناول الوجبات السريعة. هل تحاول الإقلاع عن التدخين؟ توقف عن التدخين حالاً أو استخدم بدائل النيكوتين".

إلا أنه عندما بدأت فعلياً في ممارسة الطب، تعلمت بسرعة أن الأمور لا تجري على هذا النحو في الحياة الواقعية.

لقد أغفلت نظريات التحكم في الذات أمراً مهماً، إذ يعتمد التعلم بالاستناد إلى المكافآت، على المكافآت ذاتها وليس على السلوكيات. إذ إن شكل مكافأة السلوك هو الذي يدفع بمدى احتمالية تكرار هذا السلوك في المستقبل، وهذا هو السبب الذي ينطوي عليه فشل نهج التحكم في الذات للتخلص من العادات السيئة.

خلال السنوات العشرين الماضية، بحثت عن طرق لوضع نهج أفضل، من خلال الجمع بين الممارسات العلمية والسريرية. لقد ساعدني تخصيص الوقت لدراسة علم الأعصاب السلوكي حول كيفية تكوين العادات، وأفضل الطرق للتعامل معها، في إيجاد طريقة طبيعية للغاية لتحقيق ذلك، ألا وهي "الوعي التام".

لقد تمكنت من مساعدة الناس على الاستفادة من معرفة ما يقود عاداتهم في المقام الأول، ذلك من خلال الاستعانة بالتدريب للوصول إلى "الوعي التام" من أجل جعلهم أكثر وعياً "بالمكافأة" التي تعزز سلوكياتهم. بمجرد إدراك ذلك، يصبحون قادرين على تغيير ارتباطهم بـ"المكافأة" بسهولة أكبر، والانتقال من الشعور بأنها إيجابية إلى إدراكها بدقة أكبر، والتي غالباً ما تكون سلبية.

عندما ينضم شخص ما إلى برنامجنا للإقلاع عن التدخين على سبيل المثال، فإنّ أول ما أطلبه منه هو التنبه أثناء التدخين، وغالباً ما أتلقى تلك النظرة الفضولية، لأنه يتوقع مني إخباره أن يفعل شيئاً غير التدخين عندما يرغب به، مثل أكل الحلوى كبديل. لكن نظراً لأن "المكافأة" تدفع السلوك المستقبلي، وليس السلوك نفسه، فإنني أطلب من المريض التنبه إلى مذاق السيجارة وما يشعر به عندما يدخن. الهدف هو توعيته "بقيمة المكافأة" أو بمستوى إعادة التأكيد الإيجابي الذي يحصل عليه من العادة التي يريد تغييرها. وكلما ارتفعت القيمة، زاد احتمال تكرار السلوك.

أرى الأمر نفسه يحدث مراراً وتكراراً، أي تتناقص قيمة المكافأة المرتبطة بالعادة لأنها في الحقيقة غير مرضية كما اعتاد الناس على تذكرها. اعتقدت إحدى المريضات لدي على سبيل المثال، أن فعل التدخين جعلها تبدو ظريفة في سن المراهقة. وعلى الرغم من أن هذا الدافع قد تبدد في مرحلة البلوغ، إلا أن دماغها ما زال مرتبطاً بالمشاعر الإيجابية المرافقة للتدخين، وبالتالي، كانت قيمة المكافأة لديها مرتفعة. عندما بدأت هذه المريضة نفسها في التنبه أثناء التدخين، أدركت أن مذاق السجائر سيئ، وعلقت بقولها: "تنبعث منه رائحة تشبه الجبنة الفاسدة، ومذاقها يشبه المادة الكيميائية، إنها مقرفة". ساعد هذا دماغها على تحديث قيمة المكافأة المرافقة لعادتها، لقد تمكنت من الحصول على معلومات دقيقة حول الشعور المصاحب للتدخين في الوقت الفعلي، ما ساعدها على التوقف عن الإيمان بقيمة هذه العادة.

بعد رؤية مدى فاعلية هذا التمرين مع المرضى لدي، قررت اختباره على نطاق أوسع. طوّرت أنا والعاملين في مختبري ثلاثة تطبيقات تقدم النوع نفسه من التدريب على الدخول في الوعي التام لأي شخص لديه هاتف ذكي، ذلك عبر دروس متتالية وقصيرة خلال مدة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع. لقد صممت التطبيقات لمساعدة الأشخاص على التخلص من العادات السيئة مثل التدخين والإفراط في تناول الطعام والشعور بالقلق، يبدو الأمر غريباً، لكن الشعور بالقلق يعدّ مدفوعاً بدورة تبني العادة ذاتها، مثل السلوكين الآخرين تماماً.

استخدم هذه التطبيقات عشرات الآلاف من الأشخاص من جميع أنحاء العالم، وقد نشر مختبري عدداً من الدراسات التي أظهرت نتائج هامة ومجدية سريرياً، وهي ارتفاع معدلات الإقلاع عن التدخين خمس مرات (ذلك عن طريق العلاج من خلال تجربة عشوائية مضبوطة التي تُعتبر المعيار الذهبي)، وانخفاض تناول الطعام المرتبط بالشهوة بنسبة 40%، وانخفاض القلق بنسبة 63%. ففي تجربة عشوائية مضبوطة أجريت حديثاً، وجدنا أن تطبيق الوعي التام الخاص بنا للإقلاع عن التدخين، علم المستخدمين كيفية التحكم بصورة أفضل في جزء من عقولهم الذي يتم تنشيطه بصورة مفرطة من خلال إشارات التدخين والرغبة الشديدة في تناول الشوكولاتة.

بينما ركزت أبحاثنا على تغيير العادات المتعلقة بالصحة في المقام الأول، إلا أننا نرى أنها وثيقة الصلة بمكان العمل. يمكن أن تساعد استراتيجيتنا الموظفين على رفع إنتاجيتهم ومعنوياتهم وأدائهم الإجمالي من خلال تثقيفهم حول كيفية التغلب على العادات التي قد تعيقهم عن تحقيق النجاح. إليك كيفية البدء بذلك:

1. ارسم تفاصيل دورة العادة لديك

على غرار النصيحة التي أعطيها للمرضى في العيادة الخارجية الخاصة بي، فإن الخطوة الأولى للتخلص من أي عادة، بغض النظر عن ماهيتها، هي اكتشاف مسبباتها. على سبيل المثال، إذا كانت عادتك هي التسويف أو اللجوء إلى تناول الطعام لتخفيف الضغط في العمل، انتبه إلى الظروف المحيطة بك عندما تفعل هذه الأمور، هل لديك مشروع كبير تحاول تجنبه؟ هل لديك الكثير من الأمور لإدارتها؟

بمجرد معرفة المسببات التي تدفعك لفعل هذه العادة، حاول تحديد السلوكيات التي تنخرط فيها عندما تخرج عن السيطرة، هل تتفقد وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من إنجاز العمل؟ هل تتناول الوجبات الخفيفة التي تحتوي على سكريات خلال العمل على المهام الصعبة؟ يجب أن تكون قادراً على تحديد التصرفات التي تلجأ إليها لكي تشعر بالراحة أو السكينة قبل أن تتمكن من تقييم قيمة المكافآت المرتبطة بها.

2. حدد بالضبط ما تحصل عليه بعد الانخراط في هذه السلوكيات

الخطوة التالية هي الربط بين السلوك والنتيجة بوضوح. بالعودة إلى المريضة التي عانت من أجل الإقلاع عن التدخين، ومثلما طلبت منها التنبه إلى سلوك التدخين، أطلب منك التنبه إلى ما تشعر به عندما تنغمس في عادتك.

فإذا كنت تلجأ إلى تناول الطعام عندما تشعر بالتوتر، كيف يكون شعورك عندما تتناول الوجبات السريعة في حال لم تكن جائعاً؟ كيف يؤثر ما تأكله على حالتك الذهنية وعلى جسمك بعد 15 دقيقة من حدوث ذلك؟ إذا كانت عادتك هي التسويف، فما الذي تحصل عليه من تصفح الإنترنت لمشاهدة صور للجراء اللطيفة؟ ما مدى جدواها في تلك اللحظة، خاصة عندما تدرك أنها لا تساعدك على إنجاز عملك؟

تذكر إجاباتك عن هذه الأسئلة، أو اكتبها لكي تترسخ في ذهنك.

هذا الوعي الجديد الذي طورته، سيساعد عقلك على تحديث قيمة المكافأة التي ترافق العادة المراد التخلص منها بدقة. ستبدأ في رؤية أن السلوك "س" يؤدي إلى العواقب "ع"، وكثيراً ما تمنعك هذه العواقب من الوصول إلى كامل إمكاناتك.

3. استبدل المكافأة بالفضول

الخطوة الأخيرة لخلق تغيير مستدام وإيجابي في العادة، هي العثور على مكافأة جديدة أكثر جدوى من السلوك الحالي، إذ يبحث الدماغ دائماً عن عرض أكبر وأفضل.

تخيل أنك تحاول التخلص من عادة سيئة مثل اللجوء إلى تناول الطعام عندما تشعر بالضغط في العمل، ولم تكن قوة الإرادة ناجحة بالنسبة إليك. ماذا لو استبدلت الانغماس في اشتهاء الحلوى من أجل التصدي للمشاعر السلبية بحس الفضول حول سبب وجود هذه الرغبة في المقام الأول، وما هو الشعور الذي يتملك جسمك وعقلك؟

تختلف قيمة مكافأة الفضول (الانفتاح على نفسك) بصورة ملموسة عن اللجوء إلى تناول الطعام عند الشعور بالضغط (الانغلاق على نفسك) في هذه الحالة. في النهاية، يكون الفضول أفضل في تلك اللحظة وأكثر متعة بكثير من اجترار الأفكار الذي يحدث غالباً بعد الاستسلام للعادة السيئة.

من أجل تسخير فضول مرضاي، فإنني أعلمهم ببساطة تطوير حس الفضول فيما يتعلق بمشاعرهم. كيف تبدو هذه الرغبة عندما تشعر بها بداية، أي قبل اتخاذ قرار الانغماس فيها؟

كثيراً ما يدرك الناس، وبسرعة كبيرة، أنّ الرغبة الشديدة تتكون من الأحاسيس الجسدية والأفكار، وأنّ هذه الأمور تأتي وتذهب. يساعدهم الفضول على إدراك تلك الأحاسيس من دون التصرف وفقاً لها، بمعنى آخر، يمكنهم اختبار أوقات الرغبة في أمر ما من خلال تحديد وإدراك الأفكار والمشاعر التي تنشأ في أجسامهم وعقولهم من لحظة إلى أخرى، حتى تمر تلك اللحظات بسلام.

إذا كنت تشعر بالفضول لمعرفة مدى نجاح هذا الأمر بالنسبة إليك، فقد حان الوقت لتجربة ذلك الآن.

في المرة المقبلة التي تجد نفسك فيها تنغمس في العادة السيئة، توقف لحظة وخذ في الاعتبار الاستعانة بوعيك التام لتساعد نفسك على التغلب عليها. قد لا تتغير سلوكياتك على الفور، لكن لا تيأس. إذا تمكنت من اختراق عقلك باستخدام الوسائل التي نقدمها، فسوف تتمكن في النهاية من التخلص من العادات غير المرغوب فيها، ومشاهدة رغباتك تمر من دون التأثير عليك ومن دون عناء.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!