facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

التأثير الصاعق لأزمة "كوفيد-19" على نُظم التعليم حول العالم لا يشبه أي شيء رأيناه في فترة ما بعد الحرب. فقد تأثر أكثر من 1.6 مليار طالب، وهو ما يمثل أكثر من 91% من جميع الطلاب في العالم. ولذلك كما هو متوقع، ازداد الطلب على التعلم عبر الإنترنت بشكل هائل. ففي الثلاثين يوماً الماضية، سجّل 10.3 مليون شخص في الدورات التدريبية التي يقدمها موقع كورسيرا، وهي زيادة بنسبة 644% عن الفترة نفسها في العام الماضي.

حمّل تطبيق النصيحة الإدارية مجاناً لتصلك أهم أفكار خبراء الإدارة يومياً، يتيح لكم التطبيق قراءة النصائح ومشاركتها.

تحركت الجامعات بسرعة للمساعدة في استمرارية التعلم الأكاديمي من خلال "التدريس الطارئ عن بُعد" نظراً إلى عدم قدرتها على توفير التعلم داخل الحرم الجامعي. وفي الوقت الحالي تركز الجامعات (بإنصاف) على ضمان استمرارية التعلم الأكاديمي للطلاب، وهذا يعني في كثير من الحالات الاعتماد على برمجيات تعليمية جاهزة عبر الإنترنت خاصة بمؤسسات أخرى رائدة وموثوقة والاستعانة بها في مناهجها الدراسية، حيث يمكن للكليات الرجوع إلى المجموعة الواسعة من موارد التدريس عن بُعد التي أتاحتها الجامعات الرائدة تحت رخصة "المشاع الإبداعي". أو الاقتداء بما فعلته "جامعة ديوك كونشان" (Duke Kunshan University) في الصين، وهي شراكة بين جامعة ديوك وجامعة ووهان: فقد انتقلت الجامعة إلى التدريس عن بُعد باستخدام منصة "كورسيرا للجامعات" (Coursera for Campus)، بهدف التعامل المبكر مع أزمة "كوفيد-19". ولكن هذه التدابير، على الرغم من فاعليتها، لم تكن إلا بدائل مؤقتة.

مع انحسار حالة الطوارئ وفشل العودة إلى الوضع الطبيعي في الوقت نفسه، ينبغي لمؤسسات التعليم العالي بذل مزيد من الجهود. وثمة احتمال جيد أن التعليم الافتراضي سيكون، بشكل أو بآخر، جزءاً من نظام التعليم في المستقبل القريب، حيث تحتاج مؤسسات التعليم العالي إلى إطار استجابة يتجاوز حدود الإجراءات العاجلة، كما يجب عليها الاستعداد للمرور بفترة انتقالية متوسطة، والبدء في تأمين مستقبلها على المدى الطويل.

بناء منظومة بيئية متكاملة للتعلم الرقمي

تتطور المنظومة البيئية المتكاملة للتعليم العالي من خلال ما يُسمى بـ "التوازن المتقطع" (punctuated equilibrium)؛ ما يعني أن هناك فترات طويلة من التغيير البطيء نسبياً تتخللها لحظات عرَضية من التكيف السريع. وتُعد الجائحة الحالية لحظة انقطاع أو توقف. فالمعلمون، الذين يواجهون في الوقت الحالي حاجة ملحة لم يسبق لها مثيل، يعملون جاهدين لمعاودة التعليم والتعلم من خلال التكنولوجيا والابتكار والتعاون.

ترغب الجامعات في تقديم محتواها عبر الإنترنت من خلال هيئة التدريس الخاصة بها، وتحتاج إلى ذلك أيضاً. ولكن العديد من أعضاء هيئة التدريس لم يسبق لهم تصميم مناهج دراسية عبر الإنترنت أو تقديمها. ولذلك يتعين على الجامعات العمل مع هيئة التدريس لاتخاذ قرارات سريعة بخصوص: أي المناهج الدراسية يجب إعادة تصورها عبر الإنترنت، وأي محتوى يمكن تحويله بشكل مباشر لتقديمه عبر الإنترنت دون خسارة كبيرة في الخبرات؟ ستحتاج الكلية إلى إعادة تصور الحلقات الدراسية وتحسين طريقتها في التدريس عبر الإنترنت. على سبيل المثال، يمكن للمحاضرة التي تستغرق ساعتين أن تضم أنشطة متعددة بدلاً من عرض فيديو متواصل وموحّد. وأخيراً، مع بدء انتقال الجامعات إلى الاعتماد على بنية تحتية رقمية أكثر قوة خلال هذه الفترة، فإن المحاكاة الافتراضية والمشاريع الموجَّهة وتطبيق الألعاب في التعلم (أو ما يطلق عليه التلعيب) ستجعل حلول التعلم عبر الإنترنت تتجاوز حدود نظام مؤتمرات الفيديو. ومع تطوير الجامعات لكفاءاتها الرقمية، ما بدأ بوصفه استجابة قصيرة الأجل للأزمة قد يصبح تحولاً رقمياً دائماً في التعليم العالي.

تمر الجامعات بمراحل مختلفة من التحول الرقمي. ولكن ما الذي يفرق بين الوافدين الجدد على التحول الرقمي والمؤسسات المتطورة؟ وما هي الإجراءات التي ينبغي لقادة التعليم اتخاذها للمضي بمؤسساتهم قدماً؟ وضعنا الإطار التالي لمساعدة الجامعات على تحديد المواطن التي يتلاءم فيها التعلم الرقمي مع منظومتها البيئية المتكاملة للتعليم، وبالتسلح بهذه المعرفة ستتمكن من تحويل طرقها في التعليم والتعلم استجابة لأزمة "كوفيد-19". يستند هذا الدليل إلى خبراتنا الجماعية في قيادة الاستراتيجيات الرقمية في جامعة ميشيغان (University of Michigan) وكلية لندن الإمبراطورية (Imperial College London) وجامعة ديوك وشركة "كورسيرا" (Coursera).

الوافدون الجدد على التحول الرقمي

تواجه المؤسسات التي تفتقر إلى المتطلبات اللازمة للتعلم عبر الإنترنت والتعليم عن بُعد تحدياً صعباً: حيث إن أقل من 3% من مناهجها الدراسية متاحة عبر الإنترنت، كما أنها لا تمتلك خبرة في التعليم عبر الإنترنت ولم تُخصص أي فريق أو ميزانية لفحص المحتوى المتاح على الإنترنت أو تطويره. ولكن لا يتعلق كل شيء بالمعلمين والإدارة. ففي هذه الجامعات، لا يمتلك الطلاب وأعضاء هيئة التدريس إمكانية الوصول إلى البرامج (أدوات التعاون ونظام مؤتمرات الفيديو) والأجهزة (الحواسيب المحمولة وكاميرات الويب)، أو أن إمكانية وصولهم إليها محدودة. كما أن اتصالهم بالإنترنت ضعيف أو غير موجود. وقد يكون لديهم اتصال موبايل ولاسلكي (واي فاي) بالإنترنت ولكن ما يعيقهم هو تكاليف نقل البيانات الباهظة.

الوضع الحالي للتكنولوجيا والخيارات المتاحة من المنصات تجعل من الأسهل على الجامعات في ظل هذه الأزمة أن تتخذ إجراءات سريعة. فلو حدثت أزمة فيروس كورونا قبل عقد من الزمان، كانت ستشل هذه المؤسسات بالكامل. ولكننا الآن نمتلك إمكانية الوصول السريع إلى الإنترنت على نطاق واسع ووسائل اتصالات يُعتمد عليها ونظام لمؤتمرات الفيديو يسهل استخدامه واعتماد واسع النطاق للهواتف الذكية. كما يمكن للمؤسسات تأمين الحصول على تراخيص للطلاب بسهولة وبطريقة فعالة من حيث التكلفة، ويمكن لأعضاء هيئة التدريس البدء فوراً في التفاعل عبر الإنترنت. وبالتالي تتمثل الخطوة الأولى في مساعدة أعضاء هيئة التدريس والطلاب على الشعور بالراحة تجاه نظام التعليم الجديد. وإذا كان ذلك ممكناً يمكن طلب المساعدة من المؤسسات النظيرة والمستشارين والشركات لتدريب المعلمين على التدريس بفاعلية في بيئة التعلم عبر الإنترنت.

المتبنون الصاعدون

تلك هي الجامعات التي خاضت بنجاح تجربة التعلم عبر الإنترنت باستخدام الوسائل المتاحة لديها. فهي تمتلك بالفعل أدوات أساسية للتعاون والتواصل، وعدداً قليلاً من الأقسام التي تقدم برامج تدريبية عبر الإنترنت. وقد شهد أعضاء هيئة التدريس والمدربون الفوائد العائدة على المتعلمين وتقبّلوا نظام التعليم الجديد. ولكن تحتاج هذه المؤسسات الآن إلى تسريع رحلة التحول الرقمي بعزم شديد وفريق مخصص لوضع استراتيجية للتعلم عبر الإنترنت.

ينبغي لهذه المؤسسات الاستعانة بأوائل المتبنين للتحول الرقمي ضمن مختلف الأقسام وهيئة التدريس والعاملين بوصفهم موجهين ومصممين أساسيين لتلك الاستراتيجية. وهذا يعني منحهم السلطة والموارد وحرية العمل والاختيار فيما يتصل بعملية صنع القرار للوصول إلى حلول جاهزة للاستخدام. وستحتاج هذه المؤسسات أيضاً إلى تسريع وتيرة إنتاج المناهج الدراسية عبر الإنترنت، حسب الاقتضاء، وإكمالها بالمحتوى المفتوح الذي تتيحه مؤسسات أخرى على نطاق واسع. كما يمكن لتلك المؤسسات تقليل التمحيص والتدقيق من جانب البشر باستخدام الحلول القائمة على تعلم الآلة، مثل برنامج "كورس ماتش" (CourseMatch)، لتحديد الدورات التدريبية الأكثر صلة بمناهجهم الدراسية. وأيضاً يمكن للجامعات البدء في تجربة المختبرات الافتراضية والمنزلية في الدورات الدراسية التي تتطلب حل المشكلات بطريقة عملية نظراً إلى حالة القلق المحيطة بفكرة دخول المعامل العادية في الأشهر القادمة. وأخيراً، ستحتاج الجامعات إلى تحديث البنية التحتية للبرامج والأجهزة المستخدمة في التعلم داخل الحرم الجامعي وخارجه بشكل سريع، بما في ذلك وضع خطط بديلة للطلاب الذين لا يملكون اتصالاً مستقراً بالإنترنت يمكن الاعتماد عليه.

المؤسسات المتطورة

هي المؤسسات التي تمتلك بنية تحتية تقنية قوية وفهرس ضخم بالمحتوى الرقمي وهيئة تدريس ضليعة في التدريس عبر الإنترنت. وتمتلك تلك المؤسسات عادة مراكز مخصصة للابتكار الأكاديمي (مثل المركز الموجود في جامعة ميشيغان) لقيادة استراتيجيتها الرقمية. فبالنسبة إلى مثل هذه المؤسسات، المطلوب في هذه الفترة هو تحسين البنية التحتية على نطاق جميع البرامج واستخدام البرمجيات التعليمية عبر الإنترنت باعتبارها كتباً دراسية رقمية تم تطويرها من خلال المعلمين في هذه المؤسسات أو من خلال إدماج مناهج دراسية أنتجتها مؤسسات أخرى.

ومع ذلك، ينبغي للمؤسسات المتطورة تسريع وتيرة الابتكارات التربوية لخدمة مجتمعات متنوعة عبر الإنترنت ذات خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وتعزيز التزامها بخلق بيئة شاملة للتعلم من خلال دعمها للمناقشات الجماعية المصغرة ومنتديات النقاش المباشرة والعروض التقديمية التي يعرضها الطلاب. يمكن تعزيز المشاركة المجتمعية، خارج الفصول الدراسية الافتراضية، من خلال الملاحظات التي تُجمَع من مصادر خارجية والمجموعات الدراسية وتناول القهوة الجماعي/الساعات السعيدة الافتراضية والفعاليات التي تُبث على الهواء مباشرة. كما أن المؤسسات المتطورة هي الأقدر على تجربة التقنيات التفاعلية مثل الواقع المُعزّز (AR) والواقع الافتراضي (VR) في مجالات كالطب والهندسة، كما تفعل كلية لندن الإمبراطورية. فهذه الجامعات في وضع جيد يؤهلها لأن تصبح من المساهمين الرئيسيين في المنظومة البيئية العالمية المتكاملة للتعليم العالي بما تملكه من خبرة ومحتوى.

التحول الرقمي بوصفه وسيلة للتخفيف من حدة المخاطر في ظل الأزمة الحالية

في السابق، عندما كانت مؤسسات التعليم العالي تفكر في التحول الرقمي، كان هدفها هو زيادة فرص الوصول إليها والانتشار على مستوى العالم وتوفير التدريس المخصص حسب احتياجات كل متعلم وإجراء تحسينات سريعة في الممارسات التربوية. أما الآن، بينما تفكر الجامعات في احتمالية ألا يُسمح للطلاب بالدراسة داخل الحرم الجامعي بالطرق التقليدية لفترات زمنية طويلة، سيصبح التخفيف من حدة المخاطر محركاً للتحول الرقمي لا يقل أهمية عن تلك المحركات، وسيسمح للجامعات بالاستمرار في قبول الطلاب وخدمتهم. فالجامعات التي تبني القدرات الرقمية ستتحلى بالمرونة اللازمة للتغلب على أي أزمة بسلاسة، سواء كانت أزمة تفشي وباء "كوفيد-19" أو أي كارثة أخرى قد تقع في المستقبل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!