“تعلمنا أن ننظر للأمور على المدى البعيد، لأن ذلك كان الخيار الوحيد أمامنا في معظم الأحيان. لم يكن من الجيد لنا أن يعمل كلانا بدوام كامل أو أن يتولى أحدنا رعاية الأولاد طوال الوقت. أردنا تغيير النموذج، وليس عكسه فقط”، تقول أمل، هي الآن في الستينيات من عمرها، ومنشغلة بالاستثمار في الجيل القادم من رواد الأعمال.

أمل، ومازن، زوجان لديهما مساران مهنيان تقليديان. التقيا في كلية إدارة الأعمال، تزوجا واستقرا في وظيفتين شاقتين. لكن أدركت أمل أنّ بلوغ القمة في عملها يتضمن صعود مستويات كثيرة، وهو ما لن يحدث قريباً. أما مسار صعود مازن في عمله فكان أكثر سلاسة. لذا، عندما قرر الزوجان أن يُنجبا أطفالاً، جلسا ووضعا استراتيجيتهما معاً. كيف بوسعهما تصميم مسارين مهنيين يمنحانهما كليهما ما يريدان: عمل هادف، وأمان مالي، وعائلة رائعة؟

كان من بين ابتكاراتهم أن وضعا خطة لمسار مهني للعائلة يمتد على طول الحياة. معظمنا نود دعم شريك حياتنا ومساره المهني. ولكن التفكير في الوظيفتين بصورة فردية ومن ثم محاولة المزاوجة بينهما أمر ينطوي تصميمه على تحد كبير. لهذا بدأ كل من مازن وأمل بتصميم الحياة التي يريدانها، ومن ثم عادا وبدءا يدخلان تعديلات لتحديد المسارات المهنية التي يمكنها أن تقدم لهما هذه الحياة. لقد وضعا رؤية موحدة لهما كزوجين – وللأسرة التي بدآها للتو. تعاملا مع الأمر على أنه أشبه بوضع رؤية لفريق، مثلما كانا سيتعاملان معه في العمل. ما نقاط قوة كل منهما، وما أحلام كل منهما؟ كيف بإمكانهما الاستفادة من بعضهما البعض لضمان نجاح رؤيتهما الأشمل مع التقليل من بعض المخاطر التي تعترضهما في الطريق؟ لكن الخطة في حد ذاتها لم تكن هي ما ساعدهما، بل كان الحوار والبحث عن التكامل. كان كل منهما يوافق على المساهمة في بناء شيء يناسبهما معاً، على امتداد الحياة.

في الثلاثينات من عمرهما، قررا أن تترك أمل عملها في الشركة للحصول على المرونة التي تراها أولوية على المدى القصير لرعاية الأطفال. سيواصل هو دوره في عمله لتغطية الاحتياجات المالية لهذه المرحلة من الحياة، ثم ستقوم هي بإطلاق عمل كانت ترى فيه إمكانيات حقيقية، لتجرب تشغيله. إن جرت الأمور جيداً، يمكنه الانضمام إليها في وقت لاحق لتطويره ومن ثم بيعه، وهكذا سيكون بمقدورهما إعادة اكتشاف نفسيهما من جديد.

وقد جرت الخطة جيداً.

من مجموع الاثنين إلى قوة الاثنين

الأزواج ذوي الدخل المزدوج هم القاعدة المتعارف عليها اليوم: يشكلون أكثر من ثلثي الأزواج في كندا والمملكة المتحدة، و60 في المئة من الأزواج في الولايات المتحدة. لقد بدأ هؤلاء يدركون أنّ باستطاعة كل منهما أن يكون أهم ما يملكه الآخر من أصول مهنية.

زوجك العامل ليس بإمكانه فقط تخفيف المخاطر المتكررة الحدوث، بل يمكنه أن يكون أشبه بجهاز قفز يمنحك فرصة لتجرب القفز نحو حلمك، سواء كان كتابة رواية أو مشروعاً غير ربحي أو شركة ناشئة أو مسلسلاً تلفزيونياً، وهذا الشريك هو ما يحدد إن كنت ستحصل على فرصة حياتك في الثلاثينات من عمرك أو في الستينات.

هذه حالة شائقة وجميلة وجديدة تماماً. وهو أمر لم يكن ممكناً في حقبة سابقة مع العائلات التي كان فيها شخص واحد يكسب المال، حيث يقع العبء المالي تاريخياً (ونفسياً غالباً) على الرجل. كما أنه ليس ممكناً اليوم مع الأعداد المتزايدة من الأزواج الذين يقومون بعكس أدوار الجنسين مع التمسك بالنموذج القديم نفسه. (كما لم يكن ممكناً في فئة البيوت التي فيها رب أسرة واحد، معظمهن من النساء). لا تقدم هذه الخيارات إلا قدراً ضئيلاً من المرونة والقليل من الأمان في أوقات تتزايد فيها التقلبات الاقتصادية.

لكن بالنسبة لعدد كبير جداً من الأزواج العاملين، وحتى في عصر من المساواة المفترضة، قد ينتهي الأمر بالزوجين في تنافس على مكاسب قصيرة الأجل بدلاً من التعاون لتحقيق مكاسب بعيدة المدى ومفيدة للطرفين. كما قد ينتهي الأمر بهما في نهاية المطاف بأن يخوضان مفاوضات تستند إلى الواقع الحالي بدلاً من ضبط إيقاع خطواتهما على المدى الطويل (وإطالتها). يُترجم هذا إلى قرارات تعتمد على من يتلقى دخلاً أعلى أو من يتم إيفاده إلى الخارج أو لاعتبارات الأطفال. كم من الأزواج قرروا أنّ على أحد الوالدين أن يبقى في المنزل لأن تكلفة رعاية الطفل تتجاوز دخل أحد الوالدين (الأم عادة)؟ هم بهذا يتناسون حساب تأثير هذا الخيار على المسيرة المهنية لذلك الوالد، وعلى ما يمكنهما جنيه من دخل (يؤدي الخروج إلى تكبد ما يصل إلى مليون دولار من الدخل الضائع)، وعلى فرص الزوجين في تغيير الأدوار أو الجمع بينهما.

مع تحول المسار المهني إلى ماراثون من 50 عاماً، بدلاً من سباقات سرعة من 30 عاماً، ربما علينا أيضاً النظر إلى مهن الزوجين على مدى أطر زمنية أطول بكثير. نحن لا زلنا إلى الآن نسمح للكثير من القرارات التي اتُخذت في الثلاثينات من عمرنا أن تحدد مصيرنا المهني لعقود. لكن ماذا لو تسنّى لنا الحصول على شريك يحمل معنا العصا بالتناوب، وننهي السباق معاً بأفضل نتيجة ممكنة. ربما نجد أنّ من كانوا المشرفين الأساسين على رعاية الأطفال يتحولون في وقت لاحق إلى رواد أعمال. وأنّ مسؤولين كباراً في الشركات يسعدهم التقاعد ليصبحوا حاملي حقائب فخريين لزوجاتهم اللواتي انطلقن لتوهن في مساراتهن المهنية.

كن مرناً في تفكيرك كي تجد نموذجك

بالنسبة للكثيرين، هناك الكثير من التركيز على الابتكار في العمل أكثر منه في المنزل. لذا اجلب بعض العصف الذهني إلى مجلس إدارة العائلة (طاولة العشاء). ما هو نموذجك؟ هل كلاكما سعيدان في أدواركما المحددة لكما؟ هل هناك حلم لدى أحدكما أو كلاكما ويشعر أنّ الوقت قد حان لنفض الغبار عنه ومناقشته؟

إليك هنا بعضاً من النماذج التي رأيت الأزواج يحددونها ويفاوضون عليها ويستمتعون بها، أحياناً لمرحلة من الزمن فقط، وأحياناً أخرى على مدى الحياة. جميعها جيدة، طالما أنّ الشريكين متوافقان ومتفقان، ولو مؤقتاً. إن كان لديك نموذج لمسار مهني خاص بك صممته بنفسك، أخبرني (البريد الإلكتروني [email protected])، وسوف أضيفه إلى قائمتي.

  • مسار مهني واحد – نموذج كلاسيكي تاريخياً. شريك واحد لديه مسار مهني يحدد كل شيء آخر. الزوج والأطفال يتبعون هذا المسار. يسمح هذا غالباً برواتب عالية، ويسمح لشريك واحد أن يركز كلياً على العمل. الشريك الآخر منفتح على جميع الأدوار الأخرى، ولا يقلق بشأن الدخل. لكن الزوجين في هذا النموذج أكثر عرضة لخطر فقدان كامل للدخل بشكل غير متوقع. كما سيجد الشريك غير العامل صعوبة أكبر في التعافي من حالات الانفصال أو الطلاق، وهو غالباً لا يوفر أي شيء جانباً كمعاش تقاعدي. ومن التحديات التي تواجه العديد من النساء اللواتي يشغلن مناصب رفيعة (واللواتي لدى معظمهن أزواج عاملون) أنهنّ على رأس فرق يسيطر عليها رجال لا تعمل زوجاتهم، وهو ما يضع هؤلاء النساء في موقف غير قوي تنافسياً إن كانت ثقافة الفريق التي أنشأها أزواج يعملون بنمط “المسار المهني الواحد” تشجع على العمل 24 ساعة على مدى 7 أيام في الأسبوع. لأن باستطاعة هؤلاء الرجال العمل هكذا.
  • مسار مهني قائد– نسخة مما سبق. مهنة واحدة مهيمنة بشكل واضح وتحدد أين يعيش الزوجان وإلى أين ينتقلان. يعمل الشريك الآخر بدوام جزئي أو كموظف مستقل بدوام مرن، كمدرس أو عامل مستقل على الإنترنت. المزايا وأساليب التخفيف من العيوب هي نفسها كما في نموذج المسار المهني الواحد. مثال على ذلك: لحقت مريم شريكها الذي يعمل مديراً تنفيذياً في مجال النفط في جميع أنحاء العالم وحوّلت دورها التابع لزوجها إلى مهنة. إذ ألفت كتباً عن كيفية إعادة ابتكار الذات، وأصبحت محررة على الإنترنت ومدربة على الكتابة.
  • المتناوبون– يختار العديد من الأزواج ما يرونه تناوباً للأدوار. ولكل منهما الأولوية في الحصول على الترقية التالية أو الانتقال إلى مكان آخر، ويوافق الشريك الآخر على تعديل وظيفته. هذا لا يعني أنّ الشريك الآخر يتبع الشريك الأول، ومعه كل الأسرة. فأحياناً تبقى الأسرة في مكان واحد، بينما يتنقل الشريك المتجول. في الشركات متعددة الجنسيات، تعيش أعداد كبيرة مفاجئة من المتزوجين بعيداً، أحياناً لسنوات. يمكن لهذا النهج أن يصبح تقايضياً إن أُخذ به بصورة غير مرنة. عندما تصبح عبارة “حان دوري” مطلقة، يفقد الزوجان التوازن الذي كانا يستهدفان بناءه. هالة وزوجها رامي، زوجان ناجحان جداً وبارزان يعملان رئيسان تنفيذان يتناوبان الأسابيع فيما بينهما على امتداد السنة. يعني هذا أن يتمتع كل منهما بإمكانية التركيز بشكل كامل على العمل والسفر والحالات الطارئة لأسبوع واحد من أصل اثنين. في حين سيكون عليهما في الأسبوع الآخر مسؤولية كاملة عن كل شيء آخر. بالفعل، مكنّهما هذا من الاستمتاع بكلا دوريهما بشكل كامل ودوري.
  • متوازي الأضلاع – مساران مهنيان متوازيان، كلاهما منصبان رفيعان، يسمى هذا النوع من الأزواج أحياناً “الأزواج الأقوياء” يتلقى الزوجان غالباً دعماً متبادلاً لمساراتهما المهنية، ويغذيان بعضهما البعض بشبكات مهنية ومعرفية. مثال على هذا الزوجان في مسلسل “بيت من ورق”. يحب هذان الزوجان أن يتحدثا ويتسوقا ويتشاركا ما يحدث في مهن كل منهم، لأن كل مهنة تغذي الأخرى. يمكن لهؤلاء الأزواج التعلم من بعضهما البعض، والشراء من شركات بعضهما البعض. يدير رامز ورباب شركتان منفصلتان لكن كل شركة على صلة بالأخرى، حيث يرأس أحدهما الذراع الربحي، والآخر الذراع غير الربحي. وهما يشكلان معاً مزيجاً ناجحاً. يكمن الخطر هنا في أنّ الأسرة قد لا تحصل على الاهتمام الكافي الذي تحتاجه، حيث يكون الأبوان متحمسان جداً للتحدث مع بعضهما البعض. ويتمثل الخطر الآخر في أنّ تمتع الزوجين بمهنتين كبيرتين أمر لا يحبذه أصحاب العمل هذه الأيام، لأن قدرة الزوجين تأخذ بالتناقص. فالمنصب الرفيع الشأن للشريك الآخر يجعل من غير السهل دوماً استنساخ الوظيفة أو نقلها.
  • المكملات– تنوع المسارات المهنية للزوجين مفيد مثلما هو التنوع في أي فريق. غالباً ما يجد الأزواج الذين لديهم مهن مختلفة جداً، من ناحية مراحلها وفترات ذروتها وأطرها الزمنية، التعامل مع الحياة أسهل، حيث تكون نقاط الضغط غالباً في أوقات مختلفة من السنة أو في مرحلة معينة من الحياة، وهو ما يجعل إدارتها أيسر. يشمل هذا النموذج مجموعة واسعة من المهن، بدءاً بوظائف الشركات والوظائف الأكاديمية وحتى ريادة الأعمال والكتابة. استخدم جميل وهناء المناوبات الليلية والنهارية للممايزة بينهما، فهو مهندس في النهار وهي ممرضة في الليل. وكان هناك تداخل في أوقاتهما على الإفطار والعشاء. عندما كان الأطفال صغاراً كانت هناء تعمل لحسابها الخاص، وكان زوجها جميل يحب عمله في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات. عندما كبر الأطفال، انطلق عملها. لقد تقاعد جميل باكراً من وظيفة مرموقة وأصبح باستطاعته السفر حول العالم مع زوجته التي تكسب الكثير وعملها ناجح. هناك ميزة أخرى في مسارات العمل الشديدة الاختلاف هي أنها تستبعد المنافسة بين المسارين المهنيين اللذين قد يتداخلان في حال التشابه. مثلاً، قد تختلف إلى حد كبير سرعة التطور في مسارين مهنيين لزوجين يعمل كلاهما محامياً أو استشارياً وهو الأمر الذي يؤدي إلى نشوب نزاع. لاسيما إن كانت هناك قرارات تتعلق بالأطفال يجب اتخاذها. من هنا، فإنّ اختلاف المسارات المهنية للزوجين يجعل لكل منهما معايير نجاح ودورات حياة مختلفة، وبالتالي يجعلهما يعملان جيداً معاً.

أياً كان النموذج، يبقى السر في التصميم المشترك. ربما تتنقلان من نموذج إلى آخر على امتداد حياتكما المهنية الطويلة، بل ويمكن وضع هذا ضمن الخطة. لكن سيفيدكما إعطاء اسم لما تفعلانه، وأن تعترفا بمزايا ومخاطر كل خيار في كل مرحلة من مراحل الحياة. توفر المسارات المهنية العائلية مرونة وأماناً وخيارات للأسرة، وسيحصل كل منكما في النهاية على شريك داعم يشاركه رؤية الحياة ويستثمر في اختيارات حياته المهنية مثلما تستثمر في اختياراته. سيعود هذا بفوائد مضاعفة عليكما معاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!