أينما نظرت تجد نصائح حول كيفية تحسين ذاتك. إذ تشكل تلك النصائح حوالي 2.5 في المئة من مجموع الكتب المباعة في الولايات المتحدة. وإذا ما أضفت إلى تلك الكتب الخطابات وبرامج التدريب والبرامج التلفزيونية وما ينتج على شبكة الإنترنت وخدمات التدريب الشخصي وتمارين اليوغا وما شابه، يمكن تقدير القيمة المالية لقطاع تحسين الذات بحوالي 10 مليارات دولار سنوياً، وهذا في الولايات المتحدة فقط.

إلا أنه تظهر الأبحاث أنّ غالبية تلك النصائح الممجدة مضللة، أو حتى مغلوطة. وهنالك عدة خرافات شائعة وسائدة بالرغم من أنّ الأبحاث والممارسة العملية أثبتت أنها أنصاف حقائق في أحسن الأحوال. ومن شأن ذلك أن يفسر كيف أنّ غالبية الأشخاص الذين اشتروا مؤخراً كتاباً حول تحسين الذات، كانوا قد اشتروا كتاباً آخر حول نفس الموضوع في غضون الأشهر الثمانية عشر السابقة. فبما أنّ الكتاب الأول المليء بالخرافات لم يفد في شيء لجأ الشخص المعني إلى شراء كتاب آخر، عله يكون أكثر فائدة، وربما سيشتري كتاباً ثالثاً ورابعاً عما قريب.

أظهر تقرير نشر مؤخراً في مجلة الإدارة أنّ جزءاً صغيراً من المقالات العلمية حول الأداء والمقدر عددها بحوالي 25,000 مقال، تضمّن ما يسميه علماء النفس “التباين داخل الأفراد” والذي يصف مجالات التباين في أداء الفرد الواحد، كالتباين بين أفضل أداء للشخص وأسوأ أداء للشخص نفسه. فالنصائح كثيراً ما تنطلق خطأً من أنّ جودة الأداء يمكن مقارنتها في ما بين الناس باستخدام ذات المقياس. لكن ذلك غير صائب.

ولعل مراقبتنا لمئات الأشخاص الذين يعملون على تحسين أدائهم، تؤكد تلك التقارير، وأدت إلى تحديد سلسلة من الخرافات التي تعيق الناس في مسعاهم لتحسين الأداء. وتعتمد هذه التأكيدات على مراقبات في طيف متنوع من الحقول، بما فيها علم النفس والرياضة والفنون والقيادة. ويحدونا الأمل بأننا من خلال التخلص من هذه الخرافات وشرح الحقيقة وتقديم بعض النصائح السليمة، يمكننا المساعدة في دفع الناس إلى تنمية وتطوير ذواتهم بطريقة أكثر فاعلية.

الخرافة الأولى: الأداء الأفضل يعني الحفاظ على قمة الأداء باستمرار.

الحقيقة: يتعرض أصحاب الأداء الأفضل إلى تباين وتغيّر طبيعي في أدائهم. يقول الموسيقي المشهور غريغ ألمان إنه كان يعاني من رهاب المسرح طوال مسيرته الفنية. ويشرح أكثر بأنّ السؤال الذي كان يشغله قبل الصعود إلى المسرح لم يكن “هل ما يزال أدائي جيداً؟”، بل “هل سيكون أدائي جيداً الليلة؟”. فما كان يطارده هو ما إذا كان سيتمكن هذه المرة من تقديم أفضل ما عنده أم لا.

نصيحة: توقع التباين في الأداء. فلا يوجد مسار ثابت لتحسن الأداء. ومن الطبيعي أن تشهد التأرجح في الأداء. إذا كان المسار العام صاعداً، فذلك أمر جيد. وبقدر ما تعي ذلك وتتفهمه، بقدر ما تكون أكثر قدرة على الصبر وأقل عرضة للإحباط.

الخرافة الثانية: إننا نتحسن ونتطور من خلال قياس أنفسنا بالمقارنة مع الآخرين.

الحقيقة: يقوم تحسين الأداء على تكرار الأفعال والظروف التي تؤدي إلى أفضل مستويات الأداء، بحيث يصبح ذلك الأداء مع مرور الوقت متأصلاً. ولا ينتج ذلك التحسين ولا بحال من الأحوال من تقليد الآخرين. غير أنّ الأبحاث قد أظهرت أننا في الواقع نقارن أنفسنا بالآخرين بنحو دائم، الأمر الذي له عواقب وخيمة. ففي بعض الحالات نقارن أنفسنا بأشخاص أكثر قدرة وبراعة منا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، عندما نخفق في إنجاز ما هم قادرون على إنجازه. ومن جهة أخرى قد نقارن أنفسنا (في مسعى منا في الغالب إلى تعزيز ثقتنا بذواتنا) بأشخاص أقل منا نجاحاً، وهو ما يطلق عليه “المقارنة الهبوطية” التي من الواضح أنها تمثل وبالاً على تطوير الذات وتحسين الأداء.

نصيحة: هنالك نهج أفضل يتمثل في البحث عن فرص حقيقية للتحسين من خلال استعراض الأخطاء والاستفادة من التجارب والخبرات في إحراز التقدم. ولتركز اهتمامك على أن يكون أداؤك اليوم أفضل من الأمس وعلى أن ترتقي في أدائك إلى سوية إمكاناتك وطموحاتك، لا إلى سوية أي كان. فمن شأن ذلك أن يمنحك حساً أفضل حول السوية التي ترغب في الوصول إليها، والأهم من ذلك، لماذا ترغب في الوصول إلى تلك السوية.

الخرافة الثالثة: الأشخاص الناجحون يثابرون دائماً على اتباع “ممارسة وحيدة بعينها” ضمن استراتيجية وحيدة ناجحة.

الحقيقة: على الرغم من أنّ رامي البيسبول الشهير ديكي قد ربح جائزة “ساي يونغ” كأفضل لاعب في العام 2012، بسبب إتقانه لضربة الكرة السريعة – وهي ضربة يصعب على الكثيرين تعلمها لكنها لا تخطئ إذا ما نُفذت بإتقان – فإنه سعى أيضاً إلى إتقان الضربات التقليدية الأخرى. وبخاصة عندما يكون أداؤه عالياً، هو يفكر بضربته الشهيرة كخيار متاح من الخيارات المناسبة. وهو يحقق النجاح لا بالاعتماد على تلك الضربة المميزة فقط، بل على طيف متنوع من الضربات والسرعات والعزوم المختلفة لكي يهزم الخصم.

نصيحة: ليس هنالك طريقة واحدة أمامك، أو أمام أي شخص آخر، لكي تحسن أداءك. ونادراً ما ينجح التمسك باستراتيجية ثابتة ووحيدة، لأن ذلك لا يأخذ بالحسبان الضرورات الطارئة أثناء المسار. فالتكيف مع المستجدات له نفس أهمية الخطة ذاتها. ولا تتردد في تغيير وجهتك لحظياً، ما دامت الوجهة الجديدة معقولة ومنطقية. فمن شأن ذلك أن يعزز إحساسك بامتلاك طريقك الخاص الذي اخترته لنفسك بوعي وحرية.

الخرافة الرابعة: ينبع تحسين الأداء من التركيز الثابت والراسخ على أكثر أهدافك صعوبة وتحدياً.

الحقيقة: تشير الأبحاث إلى أنّ وضع الأهداف والسعي لتحقيقها قد يعيق التطور والتحسن. ففي إحدى الدراسات التي جرت في جامعة شيكاغو طلب الباحثون الأساتذة من المشتركين تحسين أدائهم في أمور بسيطة: كأداء التمارين الرياضية أو تنظيف أسنانهم بالخيط. ووجد الباحثون أنه بينما أدى وضع الأهداف إلى زيادة تفكير المشتركين في تلك الأهداف، لم يؤدّ ذلك إلى زيادة العمل لتحقيقها.

نصيحة: أدخل نوعاً من الفصل بين وضع الأهداف وتحقيقها. أولاً، فكر في هدفك المنشود، مثل “أريد تحسين ضربتي في لعبة الغولف” أو “أريد أن أزيد حجم مبيعاتي هذا العام بنسبة 20 في المئة”. لكن بمجرد أن تبدأ بالعمل على تحقيق هدفك، فكر في الأمور المشجعة والممتعة التي يوفرها النشاط بحد ذاته الذي تقوم به، من دون التركيز على النتيجة. ذكّر نفسك على سبيل المثال كم أنت تحب لعب الغولف أو التحدث إلى الزبائن، من دون التركيز على الأهداف الطموحة التي وضعتها (ومن دون أن تضغط على نفسك كثيراً لتحقيقها).

في النهاية، فإنّ التحسين يأتي من استيعابنا للتحديات التي نواجهها ومعرفتنا لإمكانياتنا الفريدة، لا من اتباع وصفات ثقافة “البوب” الدارجة. يقوم التحسين على استيعاب أنّ الأداء يمر بفترات صعود وفترات هبوط، وعلى مقارنة أنفسنا بأنفسنا لا بالآخرين، والتكيف مع المستجدات أثناء المسير، وعدم التفكير بالأهداف الكبرى فقط أثناء العمل. وليست هذه مجرد نصيحة لتحسين ذاتك فحسب، بل إنها مفيدة أيضاً بالنسبة لإدارة الآخرين. فبالنهاية يتعين عليك أن تتمكن من إدارة ذاتك قبل إدارة الآخرين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!