في بداية العام 2016، عرضت بعض الفنادق التي تنتمي إلى مجموعة "دورتشستر" أرقاماً استرعت انبتاه الإدارة. ارتبطت تلك الأرقام بشكاوى متصلة بخدمة غسيل الملابس، وكانت حول ازدياد عددها وتكاليف تعويض النزلاء عن الضرر الذي لحق بملابسهم. في إحدى الحالات، اضطر أحد الفنادق إلى شراء فستان من طراز "جيفنشي" بسعر مرتفع كتعويض، في حين اضطر فندق آخر إلى شراء حقيبة "هيرميس بيركين"، والتي يعتبر شراؤها شبه مستحيل ما لم تكن من المشاهير، بتكاليف باهظة بعد أن سكب نادل العصير عليها بالخطأ وفشلت خدمة التنظيف في معالجة المشكلة وحتى زادتها سوءاً بدل حلها. أما في فندق ثالث، فقد وصل عدد الشكاوى المتعلقة بغسيل الملابس إلى 55 شكوى خلال يناير/كانون الثاني من العام 2016 وحده.

يساعد الاستخدام المستمر لمجموعة مؤشرات مختلفة لقياس أداء قطاع الأعمال على رؤية أماكن النجاح والمواضع التي تحتاج إلى تحسينات، إلا أنّ اتخاذ القرارات بناء على بيانات الأداء لوحدها يعتبر إجراء عقيماً قد يؤدي إلى تحسن سطحي لبعض نقاط التواصل في حين تكون الخدمة الإجمالية سيئة. ويزداد الأمر سوءاً في حال كان القطاع ينشط في مجال الأعمال الفارهة. من ناحية أخرى، تتمثل إحدى الأخطاء الشائعة في معالجة شكاوى العملاء بالقيام بتحسينات تدريجية. إذ تشير شكاوى العملاء في العادة إلى المجالات التي يرونها مهمة للغاية لهم، في حين يُنظر لهذه المجالات على أنها "جيدة بما فيه الكفاية" أمام الإدارة وذلك وفقاً للمعطيات التي تقدمها. فلن يكون للبيانات أو المعطيات أي معنى أو أهمية ما لم يتم إقرانها برؤى تتحدث حول ما يريده الزبائن حقاً.

وبهدف التصرف بأفضل شكل ممكن فيما يتعلق بقضية غسيل الملابس، وذلك انطلاقاً من المعلومات المتوفرة لدينا. كان علينا أولاً محاولة فهم ما كان يريده ضيوفنا منا حقاً (بشكل يتجاوز إعادة ملابس المتسخة في حالة نظيفة وغير تالفة وفي الوقت المناسب). أدى غوصنا في البيانات وتفاعلنا معها بالشكل الصحيح إلى التقليل بشكل كبير من استياء العملاء، فضلاً عن زيادة ولائهم وتطوير عروض خدمة جديدة ومميزة.

معرفة ما أراده عملاؤنا

انطلق فريق الابتكار لدينا من مصبغتنا الواقعة في أحد شوارع لندن، حيث عمل على تجميع البيانات المتعلقة بسلوكيات الملابس الخاصة بضيوفنا والعمليات التي تقوم بها مغاسل الفنادق ضمن سلسلتنا. وتحدث الفريق مع موظفي التدبير المنزلي والاستقبال، كما بحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول أي منشورات لزبائننا تتعلق بهذا الصدد.

اكتشف فريقنا قيام زبائننا في كثير من الأحيان بوضع "وسم" لاسم المصمم عند التقاطهم صور سيلفي في فنادقنا ونشرها على فيسبوك وإنستغرام. اكتشفنا من خلال مقابلاتنا مع موظفي الاستقبال لدينا قيامهم بنقل ملابس موضوعة ضمن حقائب ألبسة تحوي شعار المصممين عليها. قدم لنا موظفو التدبير المنزلي في الفنادق مشاهداتهم عن الأمور التي كانت تُترك بشكل عابر في الغرف (من الأمور الأساسية في الفنادق الراقية القيام بترتيب الملابس الملقاة بإهمال خارج خزانة الملابس، ووضعها بشكل مرئي لأصحاب الغرفة). أخيراً، التقط فريق الابتكار ملابس الضيوف ودرسوها قبل تسليمها إلى المغسلة.

أدى هذا التحقيق إلى قيام فريقنا بالبدء في التفكير فيما يرتديه الضيوف ولماذا يرتدونه. يُباع قميص ذي ياقة بأزرار بسعر 29.95 دولار في محل "جاب". سيمتلك الضيف الذي يرتدي قميصاً مثل هذا توقعات مختلفة جداً عن الضيف الذي يرتدي ذات القميص ذي الأزرار إنما مصنوع من القطن والحرير من ماركة "بريوني" وبسعر 575 دولاراً. من خلال تحليل سلوكيات ضيوفنا، وصلنا إلى فهم أنّ الفرق يتجاوز بكثير المواد والتكلفة. من المرجح أن يرى الضيف الذي يلبس ماركة "بريوني" نفسه كجزء من عالم الموضة، وأنّ قمصانه هي عبارة عن استثمار، لا استهلاك. عندما يسلمه لنا لتنظيفه، فإنه يثق في فهمنا لهذه الأولويات وقيامنا بالتعامل الصحيح مع نمط الأنسجة هذه.

كما وجد الفريق أيضاً أنّ ضيوفنا يحزمون ضمن حقائبهم ملابس أكثر بكثير مما قد يُعتقد أنه كاف لفترة زيارة مثل هذه، كما أنهم يذهبون للتسوق أكثر عندما يقيمون في فنادقنا. علاوة على ذلك، يستخدم حوالي 80% من ضيوفنا خدمة غسيل الملابس الخاصة بنا وذلك لأنهم يثقون بنا تجاه ثيابهم الغالية أكثر مما يثقون في تسليمها إلى خدمة تنظيف جاف في الجوار.

كانت الأزياء والملابس إحدى التجارب الأساسية للضيف معنا، وذلك أكثر حتى مما كنا ندرك. لم تكن مهمة مغسلة الفندق تنظيف الملابس القذرة، بل كانت الحفاظ على وتعزيز شعور مشاركة ضيوفنا في عالم الموضة.

إلا أنّ فريقنا وجد بعد بحثه ضمن الفندق أنّ موظفي الفندق لا يرون خدمة الغسيل على ذات القدر من الأهمية، حيث كانوا يرونها كمسار مهني غير مرغوب فيه. كان هذا التفاوت بين ما يراه الموظفون وما يراه الضيوف ذي مخاطر عالية تجاه قدرتنا على تلبية توقعات ضيوفنا المرتفعة.

خلص فريق الابتكار لدينا إلى أننا لم نكن نرى أو نقدّر قيمة ملابس ضيوفنا بالشكل الذي كانوا يرونها ويقدرونها فيه. بالتالي أدى اختلاف الرؤية هذا إلى وقوع أخطاء، وارتفاع تكاليف التعويض، وفوق هذا كله، خيبة أمل الضيوف.

النظر إلى رغبات العملاء

أشار بحثنا إلى حاجتنا لزيادة الموارد التي نكرسها لهذا الجانب من خدمة العملاء، بالتالي تمثلت الخطوة الأولى في زيادة ميزانية الغسيل بنسبة 30%. تم أيضاً تعيين خبيرة في هذا المجال والتي سرعان ما أصبحت إحدى أكثر موظفي الفندق نفوذاً. صمم فريق العلاقات العامة والإعلام الاجتماعي حملة حولها، وعمل على رفع الحالة والروح المعنوية لموظفي غسيل الملابس.

كما خصصنا ميزانية للتعليم، حيث أجرى فريق الابتكار ورشات عمل للموظفين لتعريفهم بالأقمشة والملصقات (والتي يمكن أن تكون مليئة بالرموز صعبة الفهم والمقتصرة على فئة معينة)، كما تم اصطحابهم في رحلة ميدانية لشارع "بوند"، وهو شارع يقع في أحياء لندن الراقية، بهدف مساعدة الموظفين على فهم قيمة ملابس ضيوفنا التي يعهدون بها إلينا واتخاذ قرارات دقيقة تجاه أيها يمكن غسله في الفندق وأيها يجب إرساله إلى متخصصين. أشارت ردود الفعل التي تلقيناها إلى أنّ الجهد المبذول في تحسين مهارات موظفي الغسيل جعلهم يشعرون بمقدار أهمية عملهم والنظر إلى ما يقومون به بمزيد من الاهتمام.

يتجاوز فهم نطاق العمل استيعاب آلية الغسيل وتنظيف الملابس، إذ ركزت مسؤولة الغسيل الجديد على العرض أيضاً. باتت تقوم حالياً، عندما يتم إرجاع سترة "شانيل" أو ثوب "ديور" لضيف، بوضع مناديل ورقية كحشوة ضمن الأكمام والكتفين للحفاظ على وضعية جيدة للثوب وإضافة القليل من الألق. كما بات موظفو الغسيل يضعون ملاحظة مع الملابس يتحدثون فيها عن مقدار اهتمامهم بملابس الضيوف واهتمامهم بها بقدر اهتمام الضيوف.

كانت كلفة هذه التحسينات صغيرة جداً (على سبيل المثال، كانت المناديل الورقية بالفعل جزء من خدمة غسيل الملابس، وتُستخدم للف الملابس، والآن يتم استخدامها لإضافة القيمة)، لكنها حققت نجاحاً كبيراً. مكّن تحسين جودة وسمعة مغاسل "دورتشستر" من تقديم خدماتها إلى مساكن راقية مختارة في منطقة مايفير. أدى ذلك الجانب التجاري الحديث الناشئ إلى توليد إيرادات جديدة ذهبت تجاه زيادة ميزانية غسيل الملابس.

في قطاع الأمور الفارهة، يمكن أن يؤدي إعادة النظر في العمليات التجارية القديمة في كثير من الأحيان إلى خلق فرص جديدة للدخل وتوسعة نطاق العلامة التجارية.

تحديد مجالات جديدة للتحسين

شجعنا تقديرنا لعلاقة ضيوفنا بملابسهم إلى تحسين الخدمات القائمة وإنشاء أخرى جديدة. على سبيل المثال، عندما نلتقط الضيوف في المطار، ننظف أمتعتهم بحيث تبدو في نفس حالتها الأصلية عندما انطلقوا في رحلتهم، وربما أفضل. إذا اختل ترتيب ملابسهم خلال الرحلة، نسألهم إن كانوا يرغبون في إعادة توضيبها قبل الوصول إلى أجنحتهم. قد تصبح هذه الخدمة البسيطة في نهاية المطاف مصدراً جديداً آخر للدخل.

نقوم بتنفيذ هذه الابتكارات وأكثر من ذلك في فنادقنا الأخرى. إضافة إلى ذلك، أصبحت الموضة الجزء الأكبر من تواصلنا عبر وسائط التواصل الاجتماعي. على سبيل المثال، في باريس، يعزز فندق "أوتيل بلازا أثيني" التابع لنا ارتباطه بالملابس الراقية بشعار "إنها ليست ما ترتديه، ولكن أين ترتديها".

لو عملنا فقط على الحد من شكاوى العملاء عن خدمة غسيل الملابس بكل بساطة، لم نكن لقادرين على التعرف أو التصرف تجاه الفرص المتاحة في السوق التي قدمها حب ضيوفنا للموضة. بالطبع، مع هذه الخطوات التي ساعدت في التصدي للمشكلة، انخفض العدد من 55 شكوى في الشهر الأول من العام الماضي إلى 5 فقط هذا العام. لكن مع غوصنا عميقاً فإنناً عرفنا لماذا يأتي الزبائن إلينا.

كعلامة تجارية فاخرة، لا يكفي أن تفعل كل شيء بشكل جيد. عليك دوماً معرفة ما هو الأكثر أهمية لعملائك وفعله بشكل أفضل من أي شخص آخر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!