كيف تحول عملاقاً تقليدياً إلى رقمي؟

6 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تُعتبر الرقمنة المحرك الأساسي للصناعات في هذا العصر، إذ تستخدم كل شركة ناجحة الخوارزميات وقواعد الرياضيات لمعالجة المعلومات ورسم الشكل النهائي لتجربة المستخدم من بدايتها إلى نهايتها. حيث سيبهت تأثير كل ميزة تمتلكها الآن عند مقارنتها مع مجموعة عظيمة من الخوارزميات التي تميز تجربة المستخدم، فالخوارزميات هي التي ستخلق القيمة للأعمال. لذلك، إذ لم تعمل على تحويل شركتك إلى “بيت للرياضيات” فأنت تتجه نحو مأزق حقيقي.

ما أقوله ليس تخمينات. إذ تزيد أجهزة الاستشعار والسحاب والهواتف المحمولة وشبكات الاتصال العريضة اللاسلكية وغيرها من التقنيات المماثلة بشكل متسارع من تدفق المعلومات المرقمنة. وبدورها، تصنع الخوارزميات التي تعمل على حواسيب أسرع من أي وقت مضى العجائب بهذه المعلومات، بدءاً من الكشف عن الأنماط والقيام بالتنبؤات إلى حل المشاكل العويصة. ويمكنها حتى تعديل نفسها مع ظهور معلومات جديدة. وعندما تقع هذه الخوارزميات في يد “محفِّز” من أمثال ستيف جوبز أو جيف بيزوس أو لاري بيج أو سيرجي برين أو مارك زوكربيرغ أو مارك أندرسن، يمكنها تغيير تجربة المستخدم كلياً.

ويُدخل هذا المعترك كل اليوم المزيد من العوامل المحفزة. وفي غضون ذلك، وجه المستثمرون المجازفون رادارتهم بحثاً عن هذه العوامل، إذ يوفرون موارد سخية لهم كي يرتقوا بعملهم سريعاً. والنتيجة هي إعادة تشكيل أو تدمير للصناعات، وخلق مساحات لأسواق جديدة، وإعادة تشكيل النظام البيئي القديم للصناعة.

سيتجاهل بعض القادة هذا التوجه، كما حدث مع “نوكيا”، أو ربما يبقون في مواقعهم الدفاعية كما في حالة الرد المتأخر من “وول مارت” على “أمازون”. لكن الآخرين يدركون أن هذا التوجه باقٍ وأنه ليس لديهم خيار سوى تحويل شركاتهم. ويُعتبر هذا إدراك لا ينتج من الرؤى بقدر ما ينتج من القلق حول ما يجب فعله. لهذا ترى الرؤساء التنفيذيين لا يكفّون عن محاولة فهم من فعل وماذا فعل؟ ومن نجح فيما فعله؟ حيث يريدون أن يعرفوا: هل فعلاً لدى شركة تقليدية الفرصة لتحويل نفسها إلى “بيت للرياضيات”؟ وهل يمكنها فعل ذلك بسرعة الشركة الناشئة؟ نعم، كلاهما ممكن.

وفي هذا السياق، يمكننا القول إن تحويل شركة عملاقة أمر ممكن، إذ وضعت خريطة الطريق لذلك التحول واحدة من أقدم الشركات في العالم، وهي “جنرال إلكتريك”، التي تُعتبر الشركة الوحيدة الناجية من تصنيف “داو جونز” الأول لعام 1896، إذ تؤكد مجدداً صدارتها بإعادة ابتكار نفسها في سياق الفضاء الرقمي حديث الظهور. حيث ترسم اللعبة الجديدة للشركات الصناعية على مستوى العالم وتظهر للشركات الأُخرى بغض النظر عن حجمها أو تعقيدها أو تاريخها كيف تمضي في ذلك الطريق. وهنا بعض الدروس التي بإمكان قادة الشركات التقليدية تعلمها من تحول “جنرال إلكتريك”:

1 فكر كرائد أعمال يعمل في مشروع واسع النطاق

تقوم اللعبة الجديدة على التفكير في نموذج الأعمال والاستراتيجية لكامل النظام البيئي وليس للشركة فحسب. فعليك أن تتصور وتبني منصة جديدة وتعيد تشكيل الشركاء في النظام البيئي بطرق لن تكون ممكنة من دون الرقمنة والخوارزميات. مثلاً، خلقت “جنرال إلكتريك” منصة رقمية في قطاع الأعمال يمكن لمطوري البرمجيات لديها وأولئك الذين يعملون لأطراف ثالثة كتابة التطبيقات فيها. إذ تسمح المنصة بتبادل المعلومات الرقمية والخدمات والمنتجات عبر مختلف أنحاء شبكة الطاقة بما يسمح تحقيق كفاءة أعلى على مستوى الصناعة بأكملها. وبإمكان هذه المنصة أن تجلب معاً منتجي طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرهم من منتجي الطاقة المتجددة، وحتى المنازل الفردية المزودة بلوحات شمسية إلى نفس النظام البيئي.

2جنّد قائداً رقمياً من الخارج ليكون رأس الحربة في المبادرة.

سيتطلب اختيار الشخص الصحيح خطوة جريئة، لأنك ستختار شخصاً يتمتع بنوع جديد من الخبرة وتضعه ضمن مستوى عالٍ. ففي عام 2011، قامت “جنرال إلكتريك”، المعروفة بتصدير أعظم القادة، باستيراد قائد عندما جنّدت بيل روه (Bill Ruh) من شركة “سيسكو” لقيادة دخول “جنرال إلكتريك” إلى عالم البرمجيات والتحليلات. وبنى بيل فريقاً لتطوير “بريدكس” (Predix)، وهي منصة سحابية تدعم جميع أعمال “جنرال إلكتريك” الصناعية. وبعدها بثلاث سنوات، وظفت “جنرال إلكتريك” مهندس برمجيات مخضرم يدعى جانيش بيل ليكون رئيس الشؤون الرقمية في “جنرال إلكتريك للطاقة والمياه” (GE Power and Water). ومعظم هؤلاء القادة هم شباب نسبياً وعليهم طلب كبير، كما لعبت الحملة الإعلانية الدعائية لـ “جنرال إلكتريك” التي تصور الشركة كمكان عمل جيد لجيل الألفية دوراً في جهود جعل الشركة جاذبة للمواهب.

3ركز على مواضع تقاطع الخبرة التخصصية والخبرة والرقمية

تتضمن الخبرة التخصصية في مصنع سيارات مثلاً أموراً مثل الميكانيك والاتصالات البعدية والهندسة الهيكلية والتصميم وغيرها. لذلك، من الضروري الارتقاء بمكانة وطاقة القادة الرقميين وخلق آليات تجعلهم يعملون مع الخبراء المتخصصين. إذ وضعت قائدة لإحدى الشركات المالية آلية تجمع معاً خبراء البرمجيات وتحليلات البيانات مع الأشخاص الذين يعرفون تفاصيل الأعمال والمستهلكين، فكانوا يلتقون مرة كل أسبوع لتمحيص تفاصيل عمل المنصة الرقمية من أجل تحويل تجربة المستخدم. حيث قالت: “كان علينا الأخذ بكلتا وجهتي النظر وكلا الفهمين حول كيفية إدماج أجزاء الاستراتيجية”، كما شرحت: “نظراً لأننا احتجنا إلى إجراء اختبارات، فقد احتجنا إلى وجود رئيس شؤون التسويق ورئيس الشؤون الرقمية ورئيس التوزيع ورئيس الشؤون المالية. وهكذا كان الجميع يتحدثون معاً للتأكد من أن جميع النواحي تم تناولها”. وكانت هي تتدخل عندما تشعر أن الخبراء لا يستمعون إلى بعضهم بعضاً. حيث أنتجت هذه الجلسات نظاماً على درجة عالية جداً من التقدم واستطاع تحقيق الهدف النهائي منه. وهو ما اعتُبر تجربة مستخدم مذهلة من بدايتها إلى نهايتها.

4غيّر النقاش لدى فريق كبار القادة لجعله يتركز على تجربة العميل من بدايتها إلى نهايتها

كيف يمكن استخدام الخوارزميات لخلق تجربة أفضل أو مختلفة كلياً؟، يجب أن تكون هذه الفكرة طاغية على النقاشات ضمن المستويات العليا من المؤسسة. كما يجب أن تحل مكان أمور مثل جودة المنتج أو المبيعات. ولا يجب أن يتفاجأ الرؤساء التنفيذيون الذين يديرون أقسامهم على أساس نموذج “المركز والأطراف” من عدم حصول إدماج جيد للخبرة الرقمية في القرارات الرئيسية. فهم بحاجة إلى إدماج وجهات نظر متنوعة وألّا يعاملوا الخوارزميات باستخفاف لقلة فهمهم لها. ويتطلب منهم هذا قضاء وقت أكثر في وادي السيليكون للتعلم. على سبيل المثال، قضى توماس واتسون الابن الكثير من الوقت في معهد “ماساتشوستس للتكنولوجيا (آي إم تي)” الذي كان وادي السيليكون في أيامه.

5 اقطع بشكل جذري النفقات في العمل القديم من أجل تمويل اللعبة الجديدة.

تشكل الموازنة بين ما هو طويل الأمد وما هو قصير الأمد تحدياً ديناميكياً للقيادة. لذلك، حدد الوتيرة المناسبة لاستخراج الموارد من الشركة التقليدية. إذ دأبت “جنرال إلكتريك” بشكل مطرد على تقليل معدل مصاريف المبيعات والمصاريف العامة والإدارية من 18% عام 2011 إلى معدل مستهدف يبلغ 12% عام 2016، وفي خريف 2015، أخبر الرئيس التنفيذي جف إيميلت شبكة “سي إن بي سي” (CNBC)، أنه خطط لإزالة مليار من مصاريف العوائد التي يتناقص دخلها ببطء خلال العامين القادمين. حيث يُخطئ الكثير من القادة بسيرهم في درب التغيير البطيء، وهو ما يكون قاتلاً خاصة عند دخول منافس من خارج الصناعة. يجب ألا تقبل الشركات بصورة عمياء الافتراضات التي تحدثك عن قصر نظر “وول ستريت”. وكما قال لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة “بلاك روك”: “أحد أسباب قصر نظر المستثمرين هو أن الشركات لم تثقفهم جيداً حول النظم البيئية التي يشتغلون فيها والتهديدات التنافسية وكيفية تأثير التقنية وغيرها من الابتكارات على أعمالهم”.

6 اتخذ القرارات الصعبة المتعلقة بالأفراد

قلل إلى حد كبير من الأشخاص العاملين على العمل القديم. ثم اعثر على طرق جديدة لتحفيز الأشخاص التقليديين. وحدد معايير جديدة لقادة الشركة واستبعد منها من لا يستطيعون أن يكونوا “قادة رقميين”. إذ ارتقى إيمليت بالتسويق والوسائط الرقمية عندما رُفّع بيث كومستوك إلى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، بينما ظلت بقية المناصب في مستوى نائب الرئيس الأول، بما فيها رئيس الشؤون المالية. كما أنه أزال مستوى من نواب رؤساء مجلس الإدارة لإفساح المجال للترقية.

7 اجعل المؤسسة قائمة على الفريق ومرنة

أزل الحواجز غيّر العقلية من “نطاق السيطرة” إلى “السرعة والتعاون”. إذ تبنت “جنرال إلكتريك” مبادرة “فاست وركس” (Fastworks) التي تستند إلى مبادئ الشركات الناشئة من أجل تحرير الابتكار من البيروقراطية. فمن الضروري التغيير الجذري لآليات التشغيل كي تسمح بتعديلات آنية، مثلاً، استبعد التخطيط الاستراتيجي السنوي والتقييم السنوي للأداء ليحل مكانهما التقييمات والآراء التقويمية المستمرة. وابق على تدفق المعلومات والاتصالات داخلياً وخارجياً كي يعرف الأشخاص كيف يرتبط عملهم بكامل توجه الشركة. ثم هيّئ الناس لهذا من خلال البرامج والتدريبات قصيرة المدى. حيث دربت “جنرال إلكتريك” حوالي 40 ألف موظف على مبادرة “فاست وركس”.

8 خبّر بما يجري بين الحين والآخر كي يفهم مجلس الإدارة والمستثمرون والإعلام الخطوات التي تقوم بها لتصبح شركة جديدة

تواصل مع أهم حملة الأسهم والناشطين المحتملين لشرح الأسباب التي تقف وراء تحويل الموارد. حيث تواصل إيميلت مع الناشط نيلسون بيلتز قبل أن تستثمر شركته بيلتز تريان (Pelt’z Trian) في “جنرال إلكتريك”. وبعدها بفترة وجيزة، أجرت شركة تريان الاجتهاد اللازم واشترت أسهماً بقيمة 2.5 مليار دولار. وفي حين قدم بيلتز اقتراحات لتفريغ جزء أكبر من “جنرال إلكتريك” للتمويل (GE Capital) وزيادة التعبئة، إلا أنه دعم بشكل عام جهود إيميلت لتوجيه دفة “جنرال إلكتريك” إلى مسار جديد. وحصل النقاش في الشركة دون اضطرابات تُذكر في الأعمال.

أخيراً، إن الدرس الرئيسي من “جنرال إلكتريك” هو أن تحويل شركة إلى العصر الرقمي أمر لا يمكن تفويضه أو إسناده لطرف خارجي أو تجزئته. بل هي خطوات عديدة متداخلة فيما بينها. ويجب أن يقضي الرئيس التنفيذي 50% من وقته على الأقل في عملية الانتقال إلى التحول. كما يجب أن يتحلى الرئيس التنفيذي بالمخيلة لتصوير العمل المعاد تشكيله والقدرة على إدارة المجموعة الواسعة من العناصر داخل الشركة وخارجها التي تحتاج إلى التغيير.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!