قبل أكثر من عام مضى، حصل سامر وهو أحد الموظفين من أصحاب الأداء المتميز في إحدى أكبر شركات التكنولوجيا؛ على فرصة لا يمكن لشخص مثله أن يرفضها: وكانت هذه الفرصة هي إدارة مشروع هو مهتم به بالفعل. وقال له مدير الشركة: "أنت مهتم بهذا المشروع؛ لذا قم بإدارته". وقام فعلاً بذلك، وبدت الأمور تسير على ما يرام؛ على الرغم من أنه كان يخطط لحدث على مستوى كبير ضمن الشركة في الوقت نفسه؛ وهو مشروع كان يشارك به على سبيل التطوع.

يقول سامر: "لقد أجرينا اجتماعاً مهماً واستغرق مني التحضير له الكثير من الوقت، كان الاجتماع يسير على أحسن حال، ولكن عندما انتهينا، شعرت بإعياء شديد، وساء الوضع كثيراً بعد ذلك. وحين زرت الطبيب في نفس اليوم، قال لي بأنني مصاب بالتهاب رئوي، وقد انتهى الأمر بي في صباح اليوم التالي في غرفة الطوارئ، ولم أستطع العمل طوال الأسبوع التالي. لقد كانت لحظات مروعة بالنسبة لي، فما زلت شاباً وأتمتع بصحة جيدة، لكنني أدركت بأنه لو حمّلت نفسي الكثير من العمل فإنني سأصاب بالإرهاق".

لسوء الحظ، هذه ليست تجربة غريبة بالنسبة لأصحاب الأداء المتميز: فقد كشفت دراسة أجريت على مدى خمس سنوات في المملكة المتحدة؛ أن الصحة العقلية لـ20% من القادة أصحاب الأداء المتميز في المملكة المتحدة تتضرر نتيجة إرهاق العمل.

وعندما يصاب الموظف صاحب الأداء المتميز بالإرهاق؛ من السهل إلقاء اللوم عليه، فالصورة النمطية تقول أن أصحاب الإنجازات لا يمانعون من القيام بمزيد من العمل حتى عندما لا يسمح لهم وقتهم بذلك، وأنهم يضعون العمل في مقدمة أولوياتهم، وهم على استعداد لإلغاء جميع الارتباطات الشخصية لصالح أداء مهامهم.

وفي حين أن هذه العادات هم فعلاً من يتحملون مسؤوليتها بشكل جزئي، إلا أن هذه ليست القصة الكاملة. فمن واقع خبرتي، أجد أن هناك ثلاث ممارسات شائعة تقوم بها العديد من الشركات والقادة عن غير قصد؛ من شأنها أن تزيد احتمالية إصابة أصحاب الأداء الأفضل بالإرهاق:

تحميل أصحاب الأداء المتميز أصعب المشاريع. تقول لارا مديرة وصاحبة أداء متميز في شركة رائدة في مجال الاستشارات الإدارية والتخطيط الاستراتيجي: "إن الفرق الأبرز بين أصحاب الأداء المتميز وزملائهم هو أن أصحاب الأداء المتميز توكل إليهم دائماً أصعب المشاريع، ولا يعملون على المشاريع السهلة أبداً". من المؤكد أن هذا أمر منطقي: فأنت تريد أن يقوم أفضل الأشخاص لديك بالعمل على أهم المشاريع، ولكن إذا استمريت بالاستعانة بنفس المجموعة الصغيرة من الأشخاص دائماً، فستواجه خطر فقدانهم.

الاستعانة بأصحاب الأداء المتميز لتعويض ضعف أداء بعض أعضاء الفريق. تصف لارا خاصية فريدة أخرى للتجارب التي يمر بها أصحاب الأداء المتميز وتقول: "ينظر إليك كموظف نموذجي، لذلك يُتوقع منك أن تدعم أصحاب الأداء الأضعف وأن تكون موجهاً لهم". وتروي سارة، وهي من كبار المدراء في إحدى شركات التكنولوجيا الرائدة، تجربتها خلال عملها على مشروع كان هذا ما حدث خلاله فعلاً. تقول لارا: "تطلّب مني الأمر قضاء الكثير من الوقت في محاولة تدريبهم وإرشادهم، وقمت أحياناً كثيرة بالعمل عوضاً عنهم؛ لأنك تشعر أنه من واجبك القيام بذلك عندما يواجه الآخرين الصعوبات". وبينما يستمتع العديد من أصحاب الأداء المتميز بتوجيه الآخرين، فمن الطبيعي أن يشعروا بالاستياء إذا شعروا بأنّ مديرهم يضع أصحاب الأداء المنخفض بعيداً عن الصعوبات التي يمكن أن يواجهونها.

الاستعانة بأصحاب الأداء المتميز لتقديم المساعدة في العديد من الأعمال الصغيرة غير المتعلقة بعملهم. تقول لارا: "بصفتك صاحب أداء متميز، يُطلب منك أن تكون ناصحاً وموجهاً ومصدراً للمعلومات بالنسبة للآخرين". وبالمثل، تصف سارة كيف تؤثر هذه الممارسة عليها وعلى أعضاء فريقها من أصحاب الأداء المتميز: "يُطلب منهم باستمرار المساعدة بالأعمال الصغيرة، فيقولون لهم: أنت جيد في إنشاء العروض التقديمية، هل يمكنك إنشاء هذا لنا؟ أو: أنت جيد في التعامل مع برنامج ووردبريس، هل يمكنك إضافة هذه الصفحة؟ أنا أدرك تماماً كم من الوقت قضيته في تلبية مثل هذه الأعمال خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهذا ما يجعلني أشعر بأنني لا أنجز الكثير من العمل". وفي حين أنّ هذه المشكلة غالباً ما تصنف على أنها مشكلة شخصية بالنسبة للأشخاص الذين لا يضعون الحدود اللازمة أو لا يستطيعون قول "لا" لزملائهم، إلا أنه، ولنكون أكثر إنصافاً، يجب أن نعتبرها مشكلة تنظيمية إذ يتم "مكافأة" الموظفين الأكثر مواظبة على عملهم بتحميلهم المزيد من العمل.

لمعالجة هذا الأمر، يجب على المدراء أن يدركوا مدى تأثير مثل هذه الممارسات على مؤسساتهم وأن يعملوا على تغييرها عندما يكون ذلك ممكناً. ويجب أيضاً على أصحاب العمل والقادة أن يتطلعوا إلى ثلاث استراتيجيات أخرى لمساعدتهم في دعم أصحاب الأداء المتميز على المدى الطويل:

اسمح لأصحاب الأداء المتميز باختيار مشاريعهم من وقت إلى آخر. يكون أصحاب الأداء المتميز بشكل عام مندفعين جداً للعمل، إلا أنهم لا يحصلون بانتظام على خيار للعمل على المشاريع التي يرغبون بها، إلا في حال صادف بأن يكون المشروع الذي يرغبون به هو المشروع الأكثر تحدياً والمتاح حينها، أو في حال موافقتهم على القيام به بالإضافة إلى عملهم المعتاد. إنّ السماح لهم باختيار بعض مشاريعهم يعيد لهم ارتباطهم بالسبب الذي يجعلهم متحمسين للقيام بعملهم؛ وهو أمر يمكن أن يفتقدوه إذا أصيبوا بالإرهاق.

وتوضح لنا لارا كيف أنّ مثل هذه الفرصة جعلتها تحافظ على عملها الاستشاري، وتقول: "عندما طلبت العمل على مشروع جديد، كنت حينها أدير فريقاً كبيراً بالإضافة إلى عملي الآخر، والذي كان مشروعاً يتطلب الكثير من العمل بشكل استثنائي. وكان ضمن الفريق الذي أديره شخصاً منخفض الأداء؛ وطُلب مني خصيصاً أن أقوم بتوجيهه، إلى جانب وجود عضو في الفريق ذاته لا يمتلك خبرة في العمل ولا يستطيع العمل بشكل مستقل، بالإضافة إلى كل ذلك، كان شريكي في العمل غير ملتزم بالحضور في كثير من الأحيان، واضطررت إلى تولي أمور الفريق جميعها بمفردي. وربما كنت سأترك عملي لو لم يمنحوني طلبي للمضي قدماً في المشروع الذي طلبت العمل عليه".

قم بتشكيل ثنائي عمل من أصحاب الأداء المتميز. يجد أصحاب الأداء المتميز أنفسهم عادة منفصلين عن الأشخاص الذين هم أكثر ارتباطاً بهم ويستمتعون بالعمل معهم، ويحدث هذا لأسباب واضحة. إلا أنّ إحاطة هؤلاء بأصحاب الأداء المنخفض يزيد عليهم عبء العمل، ويستنزف معنوياتهم، ويحد من تطورهم. في هذه الحالة، يمكن أن يساعد تشكيل ثنائي عمل من أصحاب الأداء المتميز، ومن مستوى متماثل؛ في توزيع هذا الثقل الإضافي، وتحسين تجربة أصحاب الأداء المتميز لتجنب ترك بعض الفرق من دون هذا العنصر الفعال. تقول لارا: "عندما عملت مع أشخاص من أصحاب الأداء المتميز، كانت تجربة مختلفة تماماً، فلم أشعر بدافع أكبر فحسب؛ بل جعلتني تلك التجربة شخصاً أفضل لأنهم كانوا يغذّون تفكيري. هذه هي الطريقة التي تتمكن من خلالها المحافظة على تطور أصحاب الأداء المتميز، وليس فقط إيكالهم بأصعب المشاريع".

من المهم التأكيد على ضرورة أن تكون ثنائيات العمل هذه مشكّلة من موظفين على نفس المستوى، إذ أنّ دمج موظف جديد صاحب أداء متميز مع قائد صاحب أداء متميز لن يعطي النتيجة المرجوة.

راقب طلبات العمل الإضافية التي تأخذ من وقتهم. إنّ الطلبات التي تأتي من الزملاء للقيام بأعمال غير مرتبطة بالعمل الأساسي هي من العوامل التي تسبب الإصابة بالإرهاق، لأنّ كلا الطرفين يشعر بأنها أعمال بسيطة، كما أنه من الصعب تتبع أثرها الكلي. تقدم سارة مثالاً على النقلة التي وضعت فريقها أمامها لمعالجة هذا الأمر: "يأتينا في الفريق الكثير من طلبات المساعدة، ولأننا جميعاً نريد أن نخدم الآخرين ونقول لهم نعم، ينتهي بنا الأمر بقضاء وقتنا في عمل أمور لا تتعلق بأولوياتنا. وقد أمضيت بضعة أشهر في محاولة إبعادهم عن ذلك، بقولي لهم: ليس لديكم الصلاحية لتقولوا نعم بشأن هذه الأمور. لا يمكنكم قول نعم أو لا. يجب أن تأخذوا موافقتي أولاً؛ فإنّ مهمتي هي تحقيق التوازن بما يخص أولويات عملنا. لقد منحهم هذا نوعاً من الحماية".

لا يحتاج أصحاب العمل أو القادة لأن يكونوا دائماً صارمين إلى هذه الدرجة. ففي كثير من الحالات، يمكن ببساطة من خلال مراقبة جميع طلبات المساعدة في مكان واحد؛ تزويد الأشخاص أصحاب الأداء المتميز بالوعي لرفض القيام ببعض تلك الأعمال.

قد تبدو هذه الاستراتيجيات الثلاث بأنها لا تقدم سوى دعماً هامشياً، ولكن من شأن تراكم مدخرات الطاقة الصغيرة والتحسينات أن تقلل من خطر الشعور بالإرهاق بمرور الوقت. إذ لدى أصحاب الأداء المتميز قيمة كبيرة بالنسبة لأي شركة، وتقدّر إنتاجيتهم بأنها أعلى بنسبة 400% مقارنة بأصحاب الأداء المتوسط، ويمكن أن تفقد الشركات الكثير من هذه القيمة إذا لم تتخذ إجراءات متعمدة لحمايتهم من الإرهاق.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!