كيف تصون فريقك من الإجهاد والقلق والإنهاك؟

6 دقائق
حماية فريق العمل من الإجهاد
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا ريب أنك كفرد تواجه تحدياً مستمراً في التغلب على إجهاد ضغوط عملك، لكن مسؤوليتك تتضاعف مرات إن كنت مديراً لفريق عمل، إذ عليك حماية فريق العمل من الإجهاد، وإرشاد أعضائه ومساعدتهم في التغلب على شعورهم بالإجهاد والإنهاك وتراجع الحماس، فكيف تفعل ذلك؟

كيف نحمي فريق العمل من الإجهاد؟

تفرض الأعمال باستمرار متطلبات وتعقيدات متزايدة، ويعمل كثير منا اليوم في بيئات تتطلب الجاهزية ومتابعة العمل على مدار الساعة، ولهذا أصبح القلق والإنهاك حالتين شائعتين بين العاملين. وصارت المحافظة على الإنتاجية والحماسة تحت ضغوط العمل الكبيرة تحدياً فعلياً.

ومن البديهي أن كثافة العمل تلك لن تتناقص في المستقبل المنظور، ولهذا تنصح المزيد من الأبحاث بممارسة بعض النشاطات التنموية كإجراء فعال لتعزيز القدرة على صمود العاملين. ومنها التركيز على التنمية الشخصية للموظف وتطويرها. وعندما كنت أعمل في شركة “جوجل” مديراً لتطوير الموظفين التنفيذيين، مثلاً، ركزت على مساعدة المدراء في خلق “أسعد مكان عمل على الأرض وأكثرها صحة وإنتاجية”. ويمثل الاستثمار في تنمية شخصية الموظف وتطويره من هذا المنظور الخطوة الأولى لإطلاق العنان لإبداعاته، وتحقيق إمكاناته الواعدة، ودعم إنتاجيته المستدامة، فكيف تفعل ذلك؟

لدينا أساليب عملية جداً وسهلة التنفيذ للتنمية الشخصية ينصح المدراء وأعضاء الفريق بتبنيها خاصة أنها لا تستنفد الوقت أو الميزانية أو الموارد. وإليك بعض تلك الأساليب التي أنصح بها بناء على خبرتي لعقدين من الزمن قضيتهما وأنا أعمل مع المدراء لتعزيز صلابة وفعالية فرق عملهم.

تكوين نموذج الحياة الجيدة والتشجيع على ممارستها

ترتفع باطراد مستويات توتر الموظفين في أمكنة العمل، حيث أفاد 53% من العاملين في العالم بأنهم أقرب إلى الإنهاك مقارنة بحالتهم قبل 5 أعوام، وفقاً لـمسح أجرته مجموعة “ريجوس” على أكثر من 22 ألف رجل أعمال من 100 دولة. وعلى الرغم من أن الإجهاد قد يشكل ظاهرة معدية، فالعكس صحيح أيضاً، فعندما يمارس أي عضو في الفريق الحياة الصحية، فإن تأثير ذلك ينتشر في الفريق كاملاً. وأظهرت نتائج مسح أجرته مؤسسة “غالوب” مؤخراً، استطلعت فيه 105 فرق عمل خلال 6 فترات تمتد على 3 أشهر، أن أعضاء الفريق الذين أفادوا بأنهم يعيشون حياة صحية يتفوقون بنسبة 20% بأن يقول أعضاء آخرون في فرقهم بعد 6 أشهر أنهم يعيشون حياة مزدهرة. والخلاصة من كل هذا أنه عليك فهم وتحديد أولويات الأنشطة التي تعزز ممارسة الحياة الصحية الرغيدة لك ولفريقك. ويشمل ذلك عناصر متعددة منها توفير أدوات تطوير الشخصية، مثل تدريبات تنشيط اليقظة الذهنية وقدرة التحمل. وتشجيع الأفراد على تفريغ بعض أوقاتهم لممارسة الرياضة أو الأنشطة الأخرى التي تجدد النفس، مثل الاجتماعات خلال المشي، أو تخصيص أوقات احتياطية كافية ضمن خطط الإنجاز لإتاحة المجال أمام الأفراد للعمل بمرونة ووتيرة خاضعة لسيطرتهم.

امنح العاملين وقتاً للخروج من دائرة العمل

يمضي العمال حول العالم بين 34 إلى 48 ساعة في العمل أسبوعياً كمتوسط، بينما يرتبط العديد منهم في أنشطة متعلقة بالعمل بعد انتهاء ساعات العمل، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إلا أن شركة الأبحاث “ماكنزي” تشير إلى أن بيئات العمل متعددة المهام التي تبقي الموظف “على جاهزية دائمة للعمل، تقتل الإنتاجية، وتضعف الإبداع، وتأخذ السعادة منا”. فمن أهم نتائج استطلاعات الموظفين التي وجدتها في الشركات الضخمة والصغيرة أن الموظفين يواجهون صعوبة جمّة في الانفصال عن جو العمل للتمتع بنشاطات أخرى.

وعلى الرغم من أن ثقافة العمل الصارمة عالية الأداء قد تتطلب تركيزاً مستمراً على العمل، فإن عقلية “الجاهزية الدائمة للعمل” تعد خطرة ومنخفضة الإنتاجية لأنها لا تمنح الفرد وقتاً للاستراحة واستعادة الطاقة. فحتى أفضل الرياضيين في أفضل الفرق يحتاجون إلى وقت للراحة واستعادة طاقاتهم. ولهذا كن محدداً بشأن متى تتوقع من أعضاء الفريق (ومن نفسك أيضاً) أن يكونوا قائمين على العمل في المكتب أو رقمياً، ومتى تتوقع أن لا يكونوا كذلك؛ أي مثلاً، غير مستعدين لتلقي رسائل البريد الإلكتروني بعد الساعة 8 مساءً أو في عطلة نهاية الأسبوع.

درّب الدماغ على التعامل مع الفوضى

تظهر أبحاث علم الأعصاب أن التدريب على اليقظة الذهنية يساعد على تدريب الدماغ ويتيح خلق العادات الذهنية التي تعزز المتانة العقلية والإنتاجية في العمل (والحياة). ولاحظنا في “ويزدوم لابس“، أن القادة والفرق الذين يدربون أدمغتهم على اليقظة الذهنية يتعاونون بأسلوب أفضل ويتحملون الإجهاد بفعالية أكثر، ويحافظون على أداء عالٍ. ولست بحاجة إلى أن تكون خبيراً في تدريبات اليقظة الذهنية لمساعدة نفسك وأعضاء فريقك على تطوير هذه القدرات البشرية الفطرية، فالتقنية تهبّ لمساعدتك على هذا الصعيد، حيث تستطيع تنزيل بعض تطبيقات تنمية اليقظة الذهنية وتجربتها أو إعدادها بنفسك، ثم وزعها على الآخرين. ومن التطبيقات الجيدة في هذا المجال “كالم”، و”هيدسبيس”، و”موسى”.

التشديد على “المهمة الواحدة” لحسن التركيز

تعدد المهام خرافة، فالبشر ليسوا فعالين أو يضاهون كفاءة المعالجات المتوازية (خلافاً لأجهزة الكمبيوتر). تشير الأستاذة جوان دياك، متخصصة الأعصاب، والباحثة التربوية، والمؤلفة إلى أن تعدد المهام يؤدي لدى البشر إلى “مضاعفة الوقت اللازم للقيام بمهمة ما، وينتج عادة ما لا يقل عن ضعف عدد الأخطاء أيضاً”. فأفضل الأفراد أداءً هم الذين يعملون على “سلسلة من المهمات الأحادية” وبإمكان المدراء تشجيع الموظفين على “أحادية المهمة” عن طريق مساعدة أعضاء الفريق في تحديد أولويات إنجاز مهمة واحدة، وتحديد مراحل الإنجاز بطريقة غير متداخلة، وتجنب فخ التحديد الخاطئ للأهمية القصوى لبعض المهمات.

أوجد “فجوة” خلال يوم العمل، أو فترات من الإيقاع البطيء للعمل على مدار العام.

تعمّد مساعدة الأفراد على التوقف المؤقت وإعادة شحن أنفسهم، عبر دورات من التباطؤ أو الهدوء لنشاط العمل. وإذا لم يكن لديك هذا النوع من دورات العمل، ففكر واعمل على خلقها. فوفقاً لليندا ستون، الرئيسة السابقة لجامعة “مايكروسوفت”، تميل الأعمال إلى دفع الناس نحو سلوك “عقدة العمل” الحية المتصلة باستمرار والجاهزة دائماً في أي مكان وزمان، لكن هذا يؤدي إلى حالة من انخفاض الإنتاجية والاستياء من “الارتباط الجزئي المستمر بالعمل”. امنح الموظفين وقتاً لإعادة تجديد طاقاتهم وتركيز قواهم.

ويرى مؤلف ومستشار إداري آخر، هو توني شوارتز أن فهم المدراء للعمل على أنه ليس سباق ماراثون، بل سلسلة من سباقات السرعة المتتالية التي تتطلب تخصيص وقت للاستراحة واستعادة القوى بينها، بفترات من 90 دقيقة من العمل المركز، تعقبها استراحات لمدة 10 دقائق مثلاً”. ويضيف: “وليس مهماً عدد الساعات التي يعمل فيها الموظفون بل القيمة التي ينتجونها خلال ذلك. إذاً توقف عن الاهتمام بكم ساعة أنفق الموظف في مكتبه، وابدأ بمعرفة “ما الذي أستطيع فعله لمساعدة هذا الشخص في تصميم جدول أعماله حتى يعمل حقاً بإنتاجية عندما يكون موجوداً في مكان العمل”.

ممارسة التعاطف والرحمة

لا يكلف المرء شيئاً أن يكون لطيفاً، لكن الفائدة من ذلك عظيمة على المدير. فالتعاطف والتراحم يؤدي إلى تحسن ملموس في أداء الموظفين، واهتمامهم بعملهم، ويرفع أرباح الشركة. ووجد مشروع بحثي في جامعة “نيو ساوث ويلز“، درس 5,600 موظف في 77 مؤسسة، أن “أكبر مؤثر على تحسين الربحية والإنتاجية ضمن المؤسسة… هو قدرة القادة على تخصيص مزيد من الوقت والجهود لمعرفة مرؤوسيهم وفهمهم، والترحيب بآرائهم وحتى انتقاداتهم، وتعزيز التعاون بين الموظفين”، وبالإضافة إلى ذلك، وجد البحث أن قدرة القائد على الرحمة والتعاطف “لفهم محفزات الناس وآمالهم والصعوبات التي يواجهونها، ثم إيجاد الآلية الصحيحة لدعمهم، يتيح لهم الوصول إلى أعلى مستويات الشخصية الحسنة”، ولهذا أعظم الأثر على الربحية والإنتاجية. وهكذا، فإن التعاطف والتراحم يفيد الموظفين والأعمال في آن واحد.

لكن ما حجم ونوع العوائد التي سيجنيها المدراء من هذا الاستثمار وبذل الجهد؟ يشارك لدى شركة “إيتنا إنشورانس”، أكثر من 12 ألف عامل في برامج اليقظة الذهنية التي تقدمها الشركة، وأظهرت تلك العملية أن صرف ​​62 دقيقة في الأسبوع وسطياً لتعزيز الإنتاجية، يوفر على الشركة 3 آلاف دولار لكل موظف سنوياً. ووجدت دراسة أشمل أجراها معهد “آي أوبنر” أن أماكن العمل السعيدة في الشركات متوسطة الحجم تؤدي إلى خفض نسبة ترك الموظفين للشركة بقيمة 46%، والحد من تكلفة الإجازات المرضية بنسبة 19%، وزيادة الأداء والإنتاجية بنسبة 12%. ويبقى الموظفون السعداء وقتاً أطول بنسبة 46% في التركيز على مهام العمل ويشعرون بأنهم متحمسون ومليؤون بالطاقة لأداء أعمالهم بنسبة 65% أكثر مقارنة بنظرائهم. وعلى المستوى الكلي، وجدت دراسة نشرتها شركة استشارات الموارد البشرية “تاورز واتسون”، أن الشركات التي يشعر موظفوها بالارتباط المستدام بالعمل، وهو ما يعرف بالارتباط العاطفي وكذلك الشعور بأن الشركة تمكنهم وتحمسهم وتشحنهم بالطاقة للعمل، تحصل على ضعفي الأرباح وما يقرب من ثلاثة أضعاف إجمالي صافي أرباح الشركات التي تتصف بمستويات متوسطة ​​إلى متدنية من الارتباط العاطفي بالعمل.

قد يكون عليك أن تسأل نفسك “هل يتطلب عملي بصفتي مديراً التركيز حقاً على تعزيز صلابة الموظفين؟ وتشجيعهم على اليقظة الذهنية؟”، القول بأن على العاملين ترك حياتهم الشخصية في المنزل “قد يبدو منطقياً لكنه عملياً غير واقعي تماماً، وفقاً لبحث نشرته حديثاً مؤسسة “غالوب” ويظهر تحليلها أن “تصرفاتنا الجيدة تؤثر عموماً على الزملاء الذين نعمل معهم والمرؤوسين الذين يعملون بإمرتنا”. فعلى المدراء إذاً التركيز فعلاً على ما تصفه مونيكا بروكير، مؤسسة مركز “برسنوال جروث” (نمو الشخصية) بترقية “القدرات العقلية والعاطفية”.

والخلاصة التي يجب أن يفهمها المدراء فيما يتعلق بحماية فريق العمل من الإجهاد، هي أن التركيز على تحسين التنمية الشخصية لكل فرد من مرؤوسيهم، وكذلك لفريق العمل كاملاً، سيؤدي إلى أداء أعلى والتزام وارتباط بالعمل طوال الوقت، فالعمل في أجواء صحية وتشجيع الناس ليس ممكناً فقط، بل هو أساس ضروري لإنشاء فريق عمل عالي الأداء.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!