تابعنا على لينكد إن

تمر الصناعة الرقمية بموجة تغيّر مهمة ومضطربة في الوقت الحالي؛ ففي الوقت الذي يواجه فيسبوك وغيره من الشبكات الاجتماعية تساؤلات شائكة حول خصوصية البيانات وإجراءات الحماية، يبدو أنّ الثقة في منصات التواصل الاجتماعي تتضاءل. تسعى الشركات، كما يسعى المحللون إلى اكتشاف كيفية معينة لجعل قواعد الخصوصية أكثر وضوحاً، وحماية بيانات المستخدم وتطوير نماذج الأعمال التي أدت إلى نجاحها في المقام الأول.

ويمكن تفسير ارتفاع الأصوات في الوقت الراهن لتدخلات تشريعية لحماية الخصوصية إلى ظهور حل جاهز، لذلك تم اعتماده مؤخراً في الاتحاد الأوروبي، وقد تم إعداده بالفعل بواسطة المسؤولين عن وضع التشريعات في أوروبا. ستضع اللائحة العامة القادمة لحماية البيانات في دول الاتحاد الأوروبي مجموعة القواعد (التي هناك حاجة ملحة إليها) بخصوص كيفية جمع بيانات المستخدم واستخدامها. ويتوقع الكثيرون أنه عندما تدخل هذه التشريعات حيز التنفيذ في شهر مايو/أيار الماضي؛ فإنها ستزيل مخاوف العديد من المستخدمين.

ويذهب البعض إلى أنه يمكن للتشريعات العامة لحماية البيانات أن تكون نموذجاً لبقية دول العالم؛ لأن العديد من الشركات العالمية تخدم مستخدمين في دول الاتحاد الأوروبي. وسيكون على الشركات أن تخضع لهذه اللوائح في جميع الأحوال، وسيكون من المنطقي عملياً بالنسبة لها أن تنفذ مبادئ الخصوصية الرقمية تلك في جميع أنحاء العالم. وألمح فيسبوك نفسه إلى أنه قد يطبق بعضاً من قواعد الحماية الخاصة بالاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء العالم، وربما تحذو المنصات الاجتماعية الأخرى حذوه. في كلتا الحالتين، يبدو التفكير في أنه سيتم تخطي أكبر التحديات التي تواجه الخصوصية في العصر الرقمي أمراً مغرياً، وأنها ستكون نهاية الأمر.

أنا لا أتفق مع هذه الحجة؛ فالولايات المتحدة وغيرها من الدول لا يمكنها الاعتماد على قرارات الاتحاد الأوروبي بخصوص سياسة حماية البيانات، مثلما لا يمكن للمستخدمين الاعتماد على الشركات في التنظيم الذاتي.

فمن ناحية، يختلف تأييد هذه التشريعات اختلافاً واسعاً من دولة لأخرى وداخل الدول نفسها بالتأكيد. ويعكس الرأي العام في بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تأييداً للقواعد الصارمة، لكن هذا التأييد لا يظهر دائماً في دول أخرى. على سبيل المثال، ورداً على سؤال إحدى الدراسات الاستقصائية التي أجراها مركز بيو الأميركي للأبحاث، فضّل 85% من المشاركين الألمان وجود معايير أوروبية أكثر صرامة لخصوصية البيانات، بينما شاركهم 29% فقط من المشاركين الأميركيين الشعور ذاته. وتكشف دراسة أجرتها شركة ديل-إي إم سي الأميركية عن اختلافات كبيرة من حيث الاستعداد لمبادلة الخصوصية بالخدمات عبر الدول وعبر الاستخدامات المختلفة للتطبيقات الرقمية. ومن بين 15 دولة شملتها الدراسة، كان الألمان هم الأكثر اهتماماً بشأن الخصوصية بينما كان الهنود هم الأقل.

وفي الولايات المتحدة، كان المنهج الخاص بالتعامل بالخصوصية الرقمية تدريجياً أكثر: في الواقع، يستند هذا المنهج جزئياً إلى الفكرة التي تفيد أنّ قدرة الشركات على جمع بيانات المستخدمين وتحليلها وبيعها وتحقيق الربح منها بأقل قيود هي أساس الصناعة الرقمية المبتكرة، إذ يتم جذب مستخدمين جدد من خلال خدمات مجانية، وتجني الشركات المال من البيانات التي تُجمع.

إلى جانب ذلك، ستكون فكرة حماية القدرة التنافسية للولايات المتحدة ومركزها في تطوير التقنية محورية على الأرجح في الضغط الذي سيحيط بأي جهود لتعديل القوانين أو تعزيز اللوائح الفيدرالية.

بالإضافة إلى ذلك، تُوضع العديد من قوانين الخصوصية بواسطة الولايات وتختلف تماماً من مكان لآخر. على سبيل المثال، اقترح المشرعون في ولاية كاليفورنيا قانوناً لتأسيس سلطة لحماية البيانات، في حين، توفر ولايات أخرى حماية تنظيمية ضئيلة للغاية.

بشكل عام، من الواضح أنّ المطالب المجتمعية والاستعداد للدفع مقابل مبادلة الخصوصية بمزايا أخرى تختلف بشكل كبير. سيكون على كل من المستخدمين والشركات على الأرجح اتباع قواعد مختلفة في أسواق مختلفة وبتقنيات مختلفة.

وغالباً ما يتم تجاهل الأسواق الناشئة في هذه المداولات، كما أنها تثير مجموعة من القضايا المختلفة. يوجد بعض من أكبر أسواق فيسبوك في الدول النامية وتمر الشركة بأسرع نمو لها في قارتي آسيا وأفريقيا. ومن بين أكبر 10 دول في العالم من حيث عدد مستخدمي فيسبوك، هناك دولتان فقط من الدول المتقدمة، وهما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتان تمثلان معاً 13% من جميع مستخدمي فيسبوك، في حين تمثل الدول المتبقية 41% من إجمالي مستخدمي فيسبوك. الأكثر من ذلك، هو أنه في قائمة أكبر 10 مدن في العالم من حيث عدد مستخدمي فيسبوك النشطين، كانت القائمة كلها لمدن من الدول النامية.

وتوصلت أبحاثنا عن الثقة الرقمية في جميع أنحاء العالم، التي نُشرت في وقت سابق بمجلة هارفارد بزنس ريفيو، إلى أنّ المستخدمين في الدول النامية يثقون أكثر في المحتوى على الإنترنت، وهم أكثر عرضة (مع مصادر أقل للمعلومات الموضوعية أو وصول محدود للصحافة الحرة) للتضليل بفعل المعلومات الخاطئة.

ففي ميانمار، على سبيل مثال، يُعد فيسبوك هو الموقع الأكثر استخداماً على الإنترنت بفضل تطبيقه فري بيزيكس (Free Basics) الذي يتيح لمستخدمي الهواتف النقالة الاتصال ببعض مواقع الإنترنت المختارة، بما فيها فيسبوك، من دون دفع رسوم إضافية أو استخدام بيانات مخصصة في باقات الإنترنت على هواتفهم. وفي العام 2014، كان فيسبوك يملك 2 مليون مستخدم في ميانمار، وبعد ظهور تطبيق فري بيزيكس في العام 2016 قفز هذا الرقم إلى 30 مليون مستخدم. وانتشرت حملات الشائعات الأخيرة التي تحرض للعنف ضد أقلية الروهينغا في ميانمار على فيسبوك جزئياً؛ ما أثار الاضطهاد والعنف المنهجي.

ويُعرف تطبيق المراسلة النصية الشهير واتساب، المملوك لشركة فيسبوك، بأنه منصة رئيسية لنشر الأخبار الكاذبة والشائعات المثيرة للانقسام في الهند، حيث تُوصف رسائل مستخدميه بأنها “مزيج من نكات بذيئة ومقاطع مصورة مزيفة وشائعات مغرضة وآراء الآخرين وخاصة التافهة منها”. وحددت كينيا 21 مجموعة تثير الكراهية على واتساب. ويمكن جمع البيانات من واتساب لاستخدامها في مجموعة من الأغراض المؤذية اجتماعياً.

وفي الوقت الذي ينبغي فيه إعطاء الدول النامية ضمانات للمعلومات التي تظهر على الأرجح في الدول الغربية، أعتقد أنه ينبغي للحكومات في الدول النامية أن تكون حذرة من اللوائح الشاملة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات؛ فمثل هذه اللوائح من شأنها أن تفرض التكاليف على الشركات الصغيرة خاصة التي تعمل في هذه المناطق، وهناك شعور بأن فرض عبء ثقيل على صناعات البيانات المحلية الوليدة يمكن أن يبدد فرصة تلك الشركات في النمو والمنافسة.

من جانبه، يتخذ فيسبوك مجموعة خطوات للتأكد من أنّ مستخدميه البالغ عددهم 1.5 مليار مستخدم، الذين يعيش معظمهم في دول نامية، لن يكونوا قادرين على تقديم شكاوى وفقاً للتشريعات العامة للاتحاد الأوروبي لحماية البيانات، وأنهم محكومون بقوانين الخصوصية الأميركية بدلاً من ذلك. وبالعموم، تثير هذه العوامل شبح عالم مقسم إلى “مناطق رقمية آمنة” يعيش فيها سكان الدول المتقدمة و”مناطق رقمية حمراء لسكان الدول النامية. وبعيداً عن كونها قوة لتحقيق المساواة والشمول، يمكن أن يصبح تغلغل التقنية الرقمية ودرجة حماية البيانات شكلاً جديداً من أشكال عدم المساواة.

لذلك، إذا كانت التشريعات العامة لحماية البيانات ليست هي الحل بالنسبة للشركات خارج أوروبا؛ فماذا عن التنظيم الذاتي؟ يأمل البعض أنّ المدراء التنفيذيين للشركات سيضعون إجراءات حماية الخصوصية في مكانها بعيداً عن الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، وهو الأمر الذي ناقشه مارك زوكربيرغ نفسه. خلال شهادته الأخيرة أمام الكونغرس الأميركي، رُددت فكرة “المسؤولية” تلك مرة أخرى (بواسطة المشرعين وبواسطة زوكربيرغ وبواسطة المعلقين). إنّ التحدي المتمثل في ترك الخصوصية الرقمية لمسؤولية الشركة والتنظيم الذاتي هو أنّ الصناعة الرقمية كانت قد حققت نجاحاً كبيراً على وجه التحديد لأنها جمعت البيانات وحققت الأرباح منها في ظل قيود قليلة. شهدت شركة فيسبوك نمواً في أرباحها بنسبة 61% في نهاية العام 2017، على الرغم من أنه كان عاماً صعباً على الشركة. وبلغت إيرادات فيسبوك 12.7 مليار دولار أميركي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2017 بأرباح قدرها 4.26 مليار دولار.

وللتعرف على كيفية تأثير قيود الخصوصية على أرباح منصات التواصل الاجتماعي، انظر إلى تلك الحالة: فوفقاً لتحليلات أُجريت بواسطة مصرف غولدمان ساكس الأميركي، يمكن لفيسبوك أن يعاني من تأثير سلبي على أرباحه يصل إلى 7% بسبب التشريعات العامة للاتحاد الأوروبي لحماية البيانات. ومع كل هذه الأمور التي على المحك، فإنّ التنظيم الذاتي ليس خياراً مستمراً كوسيلة لضمان الحماية الكاملة واللازمة للخصوصية الرقمية. ونظراً لأن البيانات هي العملة التي تدير أساس نماذج الأعمال في هذه الصناعة – وأنه ليس هناك أي نماذج أعمال بديلة قابلة للتطبيق تلوح في الأفق- فإنّ إحساس الشركة الخاص بالمسؤولية الاجتماعية الرقمية سيصبح أخف بفعل التأثير الاقتصادي السلبي للحد من استخدامها لبيانات المستخدمين، ويمكن التوقع أنّ الشركات ستفعل ما يكفي لإخماد ثورات المستخدمين والكيانات السياسية، في الوقت الذي تبدي فيه نوايا حسنة من خلال وسائل أخرى. وإذا كانت هناك مطالبات بين المواطنين للحصول على خصوصية رقمية أكبر، فإنها يجب أن تأتي من خلال السياسة العامة التدريجية ونشاط المستهلك والتنظيم.

ومن المهم أن يتم ذلك بشكل صحيح، وليس مجرد الاعتماد على تشريعات دول أخرى فحسب أو التطلع إلى أن يضع المدراء التنفيذيون قواعدهم الخاصة؛ فربما يفشل تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي. لنأخذ في الاعتبار أنّ فيسبوك، مثله مثل أقرانه من عمالقة الصناعة الرقمية مثل جوجل وأمازون وآبل، يراهن على الذكاء الاصطناعي كمصدر جديد للابتكار والميزة التنافسية. كلما زادت القيود المفروضة على جمع ومعالجة البيانات، كانت القدرة على الاستفادة من التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي أبطأ. وهذا أيضاً من شأنه أن يخلق تكلفة فرصة، أي خسائر في الإيرادات والحصة السوقية في المستقبل، وخاصة في المنافسة مع الشركات التقنية الصاعدة في الصين التي يمكنها الوصول إلى البيانات في سوق محلية واسعة تخضع لقواعد خصوصية أقل وتطفل حكومي أكثر. وسيتعيّن على صانعي السياسات التصدي لما إذا كانت القواعد واللوائح المتزايدة بشأن حماية البيانات ستعرقل القدرة التنافسية المستقبلية، وتخلق مجتمعاً سيرضى بمقايضة الخدمات التي يمكن للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تقديمها.

خلاصة القول، لا يمكن للمشرعين الأوروبيين ولا لزوكربيرغ وحده ضمان مستقبلنا الرقمي في جميع أنحاء العالم؛ فضمان الخصوصية والشفافية والابتكار يتطلب الكثير من العمل، ولا توجد طرق مختصرة لذلك. سيتعين على المشرعين ومستشاري المستهلكين وصانعي السياسات التقنية القيام بعمل شاق في تطوير رؤية مستقلة توفر الضوابط والتوازنات. وستحتاج الحكومات إلى الإرادة السياسية لوضع تشريعات تحقق التوازن بين الواقع المحلي والقدرة التنافسية العالمية. ويمكن لتشريعات الاتحاد الأوروبي وسلسلة تعثرات فيسبوك واعتذاراته، في أفضل الأحوال، أن تكون مكاناً جيداً لبدء هذه المناقشة الضرورية، لكنها ما زال أمامها طريقاً طويلاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz