إنّ نظام الرعاية الصحية في الولايات المتّحدة الأميركية بحاجة ماسة إلى الإصلاح بهدف التقليل من التكاليف، وتحسين الجودة، وتوسيع نطاق الحصول على هذه الرعاية. وبطبيعة الحال فإنّ إدخال تغييرات في السياسات على المستوى الفيدرالي هو أمر أساسي، لكن الحلول المفروضة من الأعلى غير قادرة لوحدها على إصلاح هذا النظام الذي يعاني من الهدر وسوء التوجيه. كما أنّ هذا القطاع بحاجة إلى إدخال التحولات عليه من القاعدة إلى القمة، على أيدي رواد الأعمال ورواد الإبداع من العاملين في القطاع من نمط الرواد الذين درسناهم خلال السنوات القليلة الماضية. فخلال عملنا رأينا ابتكارات روج لها الرؤساء التنفيذيون لشركات ناشئة تفهم بأنّ الإصلاح المطلوب لن يأتي قريباً من الجهات الناظمة الحكومية. كما رأينا تغييرات يضطلع بها أطباء وممرضون موظفون إداريون، وأصحاب عمل، بل وحتّى مرضى يضعون حلولاً للمشاكل التي يواجهونها كل يوم ضمن نظام مبني بطريقة سيئة.

ندرس في هذه المقالة مثالين عن ابتكارين طبّقا من القاعدة إلى القمة وشملا إدخال تحول جذري على طريقة تأمين الرعاية الصحية. فقد أنشأ المركز الطبي في جامعة مسيسيبي (The University of Mississippi Medical Center) أو (UMMC) شبكة رعاية صحية عن بعد مصممة من داخل المركز بهدف زيادة إمكانية حصول المرضى على الرعاية؛ فيما وضعت إيورا هيلث (Iora Health) نموذجاً تجارياً جديداً يسعى إلى مضاعفة الرهان على الرعاية الأولية بهدف تحقيق وفورات هائلة في الرعايتين الثانوية والثالثية. وبغية فهم الاستراتيجيات التي اتّبعت في كل مسعى من هذين المسعيين، أجرينا مقابلات مع كبار المدراء والمستثمرين والموظفين في المؤسستين، إضافة إلى الحوار مع القادة في هذا القطاع، وذلك في إطار دراسة امتدت على مدار 6 سنوات للابتكارات في مجال تقديم الرعاية الصحية في أنحاء العالم. وقد كانت نتائج هاتين المبادرتين مذهلة. فقد أنقذت شبكة الرعاية الصحية عن بعد في جامعة ميسيسبي حياة الناس، ووفّرت المال وأعادت إحياء المستشفيات الريفية والمجتمعات المحلية التي كانت تعاني من قبل. وبعد انقضاء عشر سنوات، نجد أنّ مستوى الرضا مرتفع بين صفوف المرضى (93.4%) والمدراء الإداريين في المستشفيات المحلية (87.5%). وعلى مدار 7 سنوات، خفّضت إيورا معدلات إدخال مرضاها إلى المستشفيات بحدود 35% إلى 40%، وخفّضت تكاليفها الإجمالية للرعاية الصحية بحدود 15% إلى 20% مع تحسين الصحة الإجمالية للمرضى.

تُظهر هاتان المبادرتان الناجحتان – واحدة من مؤسسة معنية بتوفير الرعاية الطبية وأخرى من شركة تجارية ناشئة – إمكانيات القادة المبدعين في إعادة تشكيل نظام الرعاية الصحية الأميركي. ودعونا نراجع كل مبادرة على حدة.

ابتكارات الجهات القائمة: نظام ميسيسبي للرعاية الصحية عن بعد

في 1999، لم يكن في ميسيسبي إلا مستشفى واحداً من الطراز الرفيع، هو المركز الطبي في جامعة ميسيسبي في جاكسون، بينما كان هناك 99 مستشفى للرعاية الطبية الحادة، ثلاثة أرباعها تقع في المناطق الريفية. كان العديد من هذه المرافق عبارة عن "مستشفيات للحالات الحرجة" في مناطق ريفية لا يزيد عدد الأسرّة فيها عن 25 سريراً وتقع على بعد أكثر من 35 ميلاً من المستشفى الآخر. ولم تكن مستشفيات الرعاية الطبية الحادة تضم مختصين طبيين في صفوف طواقمها، ولم تكن تجري عمليات جراحية، بل كانت تفتقر حتى إلى أقسام للمخاض والولادة، حيث كانت تخلو من أطباء النسائية. وبموجب القانون، لم يكن مسموحاً لهذه المرافق المخصصة للحالات الحرجة أن تقدم الرعاية الطبية الحادة للمرضى الداخليين إلا على نطاق محدود. وكان العديد منها يفتقر إلى أجهزة التصوير المطلوبة لتشخيص الحالات الطارئة، ولم يكن أي منها يضم منفسة. وغالباً ما كان المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج الطارئ الخطير ينقلون من هذه المستشفيات إلى المركز الطبي في جامعة ميسيسبي، وهو حل كان باهظاً بقدر ما كان خطراً من الناحية الطبية.

كما أظهرت مبادرة المركز الطبي في مستشفى ميسيسبي فإنّ أنظمة الرعاية الطبية عن بعد يمكن أن تطبّق على نطاق واسع بطريقة استثنائية وممتازة.

رأت كريستي هندرسون، التي كانت تشغل منصب المديرة الطبية للتمريض في قسم الإسعاف في المركز الطبي في جامعة ميسيسبي في ذلك الوقت الاحتشاد الكبير في مركز الطوارئ في جاكسون والسيل الذي لا ينقطع من المرضى القادمين من المناطق الريفية والذين كانوا يقطعون مسافات طويلة بحثاً عن الرعاية الطبية. فتساءلت بينها وبين نفسها: لماذا لا نعكس مسار هذا السيل؟ لماذا لا نبني القدرات في العيادات الريفية من خلال تقاسم الخبرات الطبية المتركزة في مستشفى ميسيسبي عبر نظام للرعاية الصحية عن بعد؟

كانت هندرسون، وهي الخبيرة المرموقة في مجال الرعاية الطبية، تعرف بأنّ انتظار مبادرة للرعاية الطبية عن بعد ممولة من الولاية وتطبق من القمة إلى القاعدة يشبه انتظار هبوب عاصفة ثلجية في عز الصيف. لذلك بدأت بتطوير مشروع تجريبي للربط بين فريق الطوارئ في جاكسون وأطباء الرعاية الأولية والممرضات الذين كانوا يشكلون غالبية موظفي مستشفيات الرعاية الحرجة. كان الطاقم المحلي يطبق إجراءات قبول المرضى، ويطمئن على استقرارهم، ويؤدّي بعض الإجراءات الطبية البسيطة، ويطلب الفحوص المخبرية وتخطيط القلب، ويأخذ بعض الصور البسيطة. أما فريق الطوارئ في جاكسون فكان يراقب المرضى على شاشات تلفزيون مخصصة، ويقرأ صور الأشعة السينية وغيرها من الصور، ويشخص المشاكل، ويتحدّث من الطاقم الطبي المحلي حول الخطط العلاجية، ويظل جاهزاً لمتابعة الرعاية اللاحقة، سواء شخصياً في جاكسون، أو عن بعد من خلال الشبكة.

كانت هذه الشبكة المخصصة للرعاية الطبية الطارئة عن بعد تركز الخبرات والأجهزة النادرة في "مركز" جاكسون الذي كان يتعامل مع العمليات الطبية المتقدمة، في حين كانت المستشفيات في المجتمعات المحلية تُعتبر بمثابة بوابات ونقاط خدمة "تابعة" مهمتها أداء العمليات الأبسط. أسهمت هذه الشبكة المخصصة للرعاية الطبية عن بعد في توفير المال من خلال تقليل عمليات نقل المرضى، وعوضاً عن ذلك معالجة أعداد أكبر من الناس في المستشفيات المحلية، التي كانت التكاليف فيها لا تزيد عن نصف نظيراتها من التكاليف في مركز مستشفى ميسيسبي. كما كانت الشبكة تساعد في إبقاء المستشفيات الصغيرة التي تعاني من انعدام الأمان المالي على قيد الحياة من خلال زيادة خدمات غرف الطوارئ فيها ومصادر إيراداتها.

وكما أظهرت مبادرة المركز الطبي في مستشفى ميسيسبي فإنّ أنظمة الرعاية الطبية عن بعد يمكن أن تطبق على نطاق واسع بطريقة استثنائية وممتازة. بدأت هندرسون بثلاث مستشفيات تجريبية في المجتمعات المحلية عام 2003، وعلى مدار السنوات العشر التالية، وسعّت البرنامج ليصبح على نطاق الولاية بأكملها، مضيفة 14 موقعاً آخر. وفي 2008، بدأ نظام الرعاية الطبية عن بعد في مركز ميسيسبي بتوسيع خدماته لتتجاوز خدمات الإسعاف، وبات اليوم يوفّر 35 خدمة تخصصية في أكثر من 200 مستشفى ومركز خدمة، بما في ذلك المدارس والسجون في جميع أنحاء ميسيسبي.

هذا مثال دراماتيكي عن الابتكار الفعال الذي ينطلق من القاعدة إلى القمة.  فخبرة هندرسون في العمل ضمن نظام الرعاية الصحية جعلتها مطلعة على التحديات البشرية والمالية والتكنولوجية التي يواجهها الممرضون وغيرهم من أفراد الطاقم الطبي كل يوم، وقد حاولت معالجة هذه التحديات بطريقة منهجية. كما أنّها تمتّعت بخصلة رصدناها لدى جميع المبتكرين الذين شملتهم دراستنا، ألا وهي عدم الاستسلام وعدم القدرة المتأصلة على قبول كلمة لا. وفيما يلي تفاصيل الأسلوب الذي ساعدها على النجاح في إنجاز المهمة.

حشد الموارد. بما أنّ هندرسون هي في الأصل ممرضة متمرسة، فقد كانت تؤمن وبشغف بنموذج تعاوني في تقديم الرعاية الصحية يحترم قدرات جميع العاملين في هذا القطاع. لكن حماستها هذه لم تكن أمراً يشاطرها إياه الكثيرون على نطاق واسع. وقبل أن تربط الشبكة مع المستشفى المحلّي، أمضت 3 سنوات في إقناع الهيئات الطبية والتمريضية والصيدلانية على مستوى الولاية بإعطاء الفرصة لشبكة الرعاية الصحية عن بعد. وقد أصغت إليهم وحسّنت المنطق الذي كانت تحاجج به، وخاصة بعد أن عبّرت المؤسسة الطبية في الميسيسبي عن قلقها من جودة الرعاية المقدمة عن بعد، ومن مدى موثوقية هذه التكنولوجيا، وقدرة الممرضين على تعلم المهارات الجديدة، وخطر تعدي الطب الممارس عن بعد على عيادات الأطباء الريفيين.

يواجه كل مبتكر من الجهات القائمة حالياً هذا النوع من المقاومة من أصحاب المصلحة الراسخين. وقد عالجت هندرسون هذه القضايا واحدة تلو الأخرى، حيث جمّعت الموارد المطلوبة لإطلاق هذا النظام في مواقع تجريبية. وعملت هندرسون مع مديرها، الدكتور روبرت غاللي، الذي ترأس قسم الطوارئ في المركز الطبي في جامعة ميسيسبي والخبير التقني البارع في مجال التكنولوجيا غريغ هول، فضلاً عن عملها مع الخبراء في الميدان، بهدف تحديد الأجهزة والمعدات الموثوقة وذات الأسعار الميسرة والسهلة الاستعمال ومن ثم اقتنائها. بعد ذلك، أقنعت هندرسون المسؤولين الإداريين بتخصيص بعض المساحة إلى جوار قسم الطوارئ في المركز لتكون مركزاً للتحكم بنظام الرعاية الطبية عن بعد. وقد حملت هي وزملاؤها أجهزة التلفزيون الكبيرة والمعدات الخاصة بغرف التحكم إلى المستشفيات الريفية وقدّمت "عروضاً مسرحية" كما وصفتها لتعريف الناس على كيفية استعمال النظام. واستفادت من الحسومات الممنوحة للمستشفى من مزودي خدمات الاتصالات على المستوى المحلي، ما مكّنها من الحصول على خطوط الاتصالات الضرورية بأسعار ميسّرة وتحديداً خطوط (T1) التي تعتبر خطوط الاتصالات ذات الموثوقية الأعلى لكن الأغلى ثمناً. ولكي يبيّن فريقها كيف يمكن لهذا النظام أن يوفّر الحلول الكافية عبر المسافات البعيدة، ربطه عبر هاتف يعمل على الأقمار الصناعية بعيادة بعيدة في كيغالي برواندا. وكانت التجربة ناجحة تماماً.

منذ البداية، فهمت هندرسون بأن شبكة الرعاية الصحية عن بعد والتابعة لمركز ميسيسبي ستحتاج إلى إدخال تغيير على الثقافة، لأنّها ستنقل المهام من يد مجموعة من الجهات الفاعلة، وستقوي مجموعة أخرى من هذه الجهات. وبغية التغلّب على حالة التشكيك، وتطوير المهارات المطلوبة، وضعت هندرسون منهاجاً دراسياً شاملاً لتقديم الرعاية عن بعد درّسه المختصون الطبيون من المركز الصحي في جامعة ميسيسبي للممرضات في المستشفيات الريفية. وقد استمال هذا البرنامج التدريبي الذي شمل امتحانات خطية وشهادات حضور بعض المشكّكين وأسهم في بناء الثقة بين المختصين في المركز والممارسين في المستشفيات التابعة.

احتاجت هندرسون إلى فترة زمنية ممتدة بين 1999 و2002 لكي تتغلب على كل العوائق والحصول على الضوء الأخضر للربط مع الزبون الأول: وهو عبارة عن تجمع من ثلاث مستشفيات للرعاية الحرجة كانت تعاني في البقاء على قيد الحياة. تقول هندرسون: "لقد كانت المجموعة إما تتمتع بقدر لا يصدق من الرؤية البعيدة المدى، أو كانت شديدة اليأس إلى الحد الذي جعلها ترغب في المشاركة". أما الجهات الناظمة، فقد ظلت تراقب الشبكة مراقبة لصيقة، حيث كانت تجري عمليات تدقيق ومسوح دورية، في حين ظلت المؤسسة الطبية في الميسيسبي تشعر بالقلق تجاه فكرة فقدان الاتصال الشخصي المباشر بين المريض والطبيب. لكن هندرسون تمكنت وبسرعة من إثبات حجم الفائدة التي كان المرضى يحصلون عليها. فبما أنّ التكنولوجيا التي تعمل عن بعد سمحت للمرضى بتجنب زيارة الأطباء المختصين في جاكسون، فإنّ ذلك مكنهم من البقاء على مقربة من أحبائهم خلال فترات العلاج، وخسارة وقت أقل خارج عملهم، وتوفير المال المخصص لتكاليف السفر، ما خفض من أثر الحوادث أو الأمراض على عائلاتهم. إضافة إلى ذلك، بدأوا يثقون بمستشفياتهم المحلية أكثر ويسعون للحصول على العلاج في وقت أبكر.

ضمان التمويل. كما هي حال معظم الابتكارات التي تجري من القاعدة إلى القمة، كانت شبكة الرعاية الصحية عن بعد التي أطلقها مركز جامعة الميسيسبي بحاجة إلى تأمين المال. فلثماني سنوات، كان البرنامج يفتقر إلى الموظفين المتفرغين ولم تكن هناك موازنات مخصصة للمستشفيات. ولم تكن هناك استثمارات خاصة، كما لم تكن هناك منح مقدمة من المعاهد الوطنية للصحة أو المؤسسة الوطنية للعلوم. وعوضاً عن ذلك، جمعت هندرسون 4.8 مليارات دولار من مؤسسة محلية خاصة وعدد من البرامج الفيدرالية المخصصة لدعم الأرياف عموماً.

بعد أن ضمنت هندرسون الحصول على القدر الكافي بالضبط من المال لدعم البنية التحتية للشبكة، باتت تواجه مشكلة أكبر ألا وهي كيفية تمويل خدمات الرعاية الصحية عن بعد بحد ذاتها. فقد كان قانون الولاية يحظر على شركات التأمين في ميسيسبي تعويض مصاريف الاستشاريين الذين يقدمون خدمات الرعاية الطبية عن بعد. لذلك وضعت هندرسون نظاماً هجيناً للدفع تعوض بموجبه شركات التأمين المستشفيات الريفية عن الخدمات المقدّمة محلياً، مثل أتعاب الطاقم الطبي والتحاليل المخبرية، في حين كانت المستشفيات المحلية تدفع رسماً شهرياً إلى المركز الطبي في جامعة ميسيسبي بناء على العدد المقدر لساعات المشورة المقدّمة عن بعد بهدف تغطية أجور الأطباء في جاكسون. بهذه الطريقة، بات بالإمكان توفير إيرادات جديدة للمستشفى المركزي والمستشفيات التابعة، وخفّ الضغط عن كاهل موارد مركز جامعة الميسيسبي التي كانت مستنزفة، فيما تمكن المرضى من الحصول على رعاية أفضل.

مع نمو شبكة الخدمات الطبية الطارئة عن بعد، عولجت أعداد متزايد من مرضى الحالات الإسعافية في المستشفيات المحلية وخرجوا منها عوضاً عن نقلهم إلى جاكسون. وبدأ العديد من المرضى الآخرين الذين كانوا سابقاً قد يذهبون مباشرة إلى المركز الطبي في جامعة ميسيسبي دون طلب العلاج في مناطق أقرب إلى منازلهم يختارون المستشفيات المحلية الأقل تكلفة.

بعد أن أضاف المركز الطبي لجامعة ميسيسبي اختصاصات طبية أخرى إلى شبكة الرعاية الطبية عن بعد، بادئاً بالطب النفسي والأشعة والتشريح المرضي والقلبية ثم العينية والنسائية وطب حديثي الولادة والجلدية والصدرية، أجرت هندرسون مسحاً لسجلات التراخيص الطبية ورسمت خارطة لتحديد المواقع التي يكون فيها هؤلاء المختصون المحلّيون حاضرين أصلاً. وفي الأماكن التي كانت توجد فيها فجوات، تدخّلت؛ وفي الأماكن التي توفّرت فيها التغطية، تركت الأمور على حالها لتجنب التعدي على أشغال عيادات الأطباء المحليين. في العام 2011، أطلق المركز الطبي لجامعة ميسيسبي رسمياً "مركز الرعاية الطبية عن بعد"، وهو مبادرة جمعت ما بين البرنامج الأصلي للرعاية الطبية عن بعد، وجميع الخدمات الطبية الجديدة المقدّمة عن بعد.

توسيع نطاق الانتشار. بغية توسيع نطاق مبادرة الرعاية الطبية عن بعد، احتاجت هندرسون إلى نظام أفضل للمدفوعات يستند إلى التعويض المباشر من شركات التأمين. وقد كانت لديها في جعبتها استراتيجية أيضاً للتعامل مع هذه المسألة اقتضت منها إلى اللجوء إلى عاصمة الولاية. تقول هندرسون: "كان لدى كل عضو في برلمان الولاية مجال معين يركّز اهتمامه عليه، سواء تعلّق الأمر بالسجون أو المدارس أو تطوير الشركات والمشاريع الصغيرة. لذلك قبل الاجتماع معهم، كنت أقوم ببعض الأبحاث. ثم كنت أخبرهم بالضبط كيف يمكن للطبابة عن بعد أن تؤثّر على السجون أو النظام التعليمي أو أي شيء آخر. لم أجد أي مجال لم تكن الرعاية الطبية غير قادرة على تقديم النفع فيه".

كانت هندرسون تعمل انطلاقاً من القاعدة نحو القمّة بهدف تعديل السياسات من القمة إلى القاعدة، مستفيدة من سجلها الحافل بالانتصارات على المستوى المحلي لتغيير قواعد اللعبة على مستوى الولاية. ولم تكن بحاجة إلى أكثر من عامين. ففي 2012، سنّت الولاية تشريعاً يجبر شركات التأمين العامة والخاصة على تغطية خدمات الرعاية الصحية المقدمة عن بعد بذات التكلفة التي تغطي بها الخدمات المقدمة شخصياً. وبعد توفّر التعويضات التأمينية والتكنولوجيا والقدرات، توسّعت الشبكة ووصلت إلى الممرضات في المدارس الابتدائية، المدرّبين الرياضيين في المدارس الثانوية، والمختصين بالصحة النفسية في الكليات، وعيادات فيروس المناعة البشرية في السجون.

قياس النتائج. في كل الأماكن التي طبقت فيها هذه الشبكة، تحسّنت الرعاية. ودعونا نلقي نظرة على أحد الأمثلة النموذجية في رولفيل، وهي بلدة لا يزيد سكّانها على 3,000 نسمة وتبلغ نسبة مرضى داء السكري فيها 13.2%، وهي واحدة من أعلى النسب في البلاد. في 2014، وقع الاختيار على رولفيل ليطبّق فيها برنامج تجريبي يربط مرضى داء السكري مباشرة بالاختصاصيين في المركز الطبي في جامعة ميسيسبي. في كل يوم من الأيام، كان المشاركون يدخلون قراءات مستويات سكر الدم وضغط الدم والوزن لديهم في حواسب لوحية قدّمت إليهم مجاناً، وكان المختصون يتتبعون تطور حالاتهم عن بعد. إذا كانت الأرقام تدعوا للقلق، كان الموظف المسؤول عن الثقيف عن داء السكّري أو الممرض يتصل بالمرضى لإعادتهم إلى جادة الصواب.

كانت النتائج مفاجئة حتى للاختصاصيين. فجميع المشاركين في البرنامج خسروا وزناً، وكلّهم أفادوا عن شعورهم بالتحسن. وتمكّن البرنامج من تخفيض مستويات (A1C) (وهو مقياس للتحكّم بالسكر في الدم) بحدود 2% تقريباً، خلال 6 أشهر فقط، وهو أعلى بكثير من مستهدف الـ 1% في 75% من المرضى على مدار عام. كما كُشف النقاب عن 9 حالات من اعتلال الشبكية السكري الذي كان يمكن أن يبقى خلافاً لذلك دون علاج. ووصلت نسبة التقيد بالعلاج الدوائي إلى مستويات مدهشة بلغت 96%. كما كانت النتائج المالية هي الأخرى ملفتة. تقول هندرسون: "وفّرنا المال لأننا أبعدناهم عن غرف الإسعاف لدينا. فهؤلاء الناس كانوا يأتون إلى قسم الإسعاف ما بين 4 إلى 6 مرات سنوياً مستعملين مواردنا، لكنهم لم يكونوا قادرين على دفع المال". وقد قُدرت التكاليف الموفرة في قسم الإسعاف خلال الأشهر الستة الأولى بحدود 3,300 دولار للمريض الواحد. كما قدّرت دراسة غير مستوفية لكل الشروط بأنّه لو شارك 20% فقط في مرضى السكري غير الخاضعين للمراقبة في ميسيسبي والذين يحصلون على المساعدة الطبية من الحكومة في هكذا برنامج، فإنّ الحكومة كانت ستوفّر 189 مليون دولار سنوياً.

في 2015، دعيت هندرسون للإدلاء بشهادتها أمام لجنتين تابعتين لمجلس الشيوخ الأميركي حول إمكانية تكرار نموذج ميسيسبي في عموم البلاد. في 2017، منحت إدارة الموارد والخدمات الصحية الأميركية للمركز الطبي في جامعة ميسيسبي لقب مركز "متميز في الرعاية الطبية عن بعد" علماً أنها لم تمنح اللقب هذا إلا لمركز ثان أيضاً فقط على المستوى الوطني. تقول هندرسون التي باتت الآن تشغل منصب نائب الرئيس في جمعية أكسينشن، وهي جمعية دينية للرعاية الطبية متخصصة بتوفير إمكانية حصول المرضى على الرعاية الصحية وإحداث تحول في طريقة تقديم الخدمات: "ما فعلناه في ميسيسبي يمكن بالتأكيد تكراره في أماكن أخرى. لكن من المهم أن نفهم أنّ الأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا فقط. وإنما يتعلق بالناس والآلية. فهو يحتاج إلى عناية، وإلى تعزيز العلاقات والشراكات".

الدروس والعبر التي يمكن أن تكون مفيدة للجهات القائمة حالياً. بالنسبة للمؤسسات القائمة حالياً مثل المركز الطبي في جامعة مسيسيبي، فإنّ الطريق إلى إصلاح الرعاية الصحية معبّد بفضل جهود رواد الأعمال الذين يمتلكون فهماً فريداً من نوعه للتحديات التي تواجهها مؤسساتهم. لقد درسنا ثمان من هذه المؤسسات القائمة في أنحاء العالم، مراقبين الطريقة التي اتبعها حاملو لواء التغيير فيها في مواجهة المشاكل التي تتراوح ما بين النقص في الاختصاصيين والاكتظاظ في أقسام الإسعاف والأنظمة غير الكفوءة. في جميع الحالات، تمكّن الرواد من أصحاب العزيمة والنظرة البراغماتية من تحديد مشكلة واضحة تحتاج إلى حل، وجهّزوا لها حلاً يمكنهم الدفاع عنه، وشرعوا في تطبيقه بطريقة منهجية واستراتيجية ضمن النظام المحلي. وقد تجنّب هؤلاء الرواد الاستثمارات الجديدة المكلفة في البداية من خلال إيجاد طرق لتوجيه التكنولوجيا والقدرات الحالية باتجاه المبادرة الجديدة. وفي كل خطوة من الخطوات، جمعوا بيانات الأداء التي ثبتت أهميتها الكبيرة لضمان المزيد من الدعم والقبول ونشر المبادرة على نطاق أوسع. والأهم من كل ذلك، هو أنّ هؤلاء المناصرين من أهل العزم كانوا بارعين في كسب أصحاب الشأن الأساسيين إلى جانبهم – وإسكات المشكّكين – من داخل المؤسسة أو خارجها، سواء أكانوا من الزملاء الذين كانت أماكنهم مطلوبة في البداية، أو الجهات الناظمة الذي كان دعمها ضرورياً في وقت لاحق.

دعونا نرى كيف انطبقت هذه المبادئ في حالة مختلفة تماماً ألا وهي الانقلاب الذي حصل في جمعية أكسينشن. ففي العام 2000، كانت أكسينشن عبارة عن مجموعة من المستشفيات المشتتة والمصابة بالشيخوخة والضعيفة مالياً. وكان أمامها خياران: إما الابتكار أو الفشل، لذلك سعى الرئيس التنفيذي أنتوني تيرسيني ونائب الرئيس التنفيذي جون دويل إلى تحويل هذه الجمعية إلى شبكة حديثة وكفوءة ومتكاملة. لكنّهما لم يكونا يرغبان بإنقاذ أكسينشن ببساطة؛ بل أرادا استعادة تركيزها على رسالتها التي تأسست بناء عليها، ألا وهي العناية بالفقراء والمستضعفين. وكان ذلك يستدعي إدخال تحسينات دراماتيكية في الكفاءة لتوفير الأموال والموارد المطلوبة لدعم التحول.

أولاً، دمجا المستشفيات المستقلة التي كانت تنضوي تحت مظلّة الجمعية، حيث كان ذلك شرطاً ضرورياً ليتمكّنا من تطبيق تغييرات ستكون مطلوبة من القاعدة إلى القمة. ثم تعاونا مع الأطباء لمعالجة مشاكل تشغيلية محددة. فعلى سبيل المثال، أطلقا مجموعة من التجارب الرامية إلى تحسين الجودة، كل واحدة منها بقيادة طبيب أو ممر-ضة في أحد المستشفيات بهدف التقليل من الإصابات والوفيات التي يمكن الوقاية منها. بعد ذلك نُقِلَت الممارسات الفضلى التي سُجّلت في المبادرات المحلية الناجحة لتطبّق على مستوى الشبكة بأكملها. أسهم نجاح هذه البرامج المطبّقة بقيادة الأطباء والممرّضين في الحصول على المزيد من الدعم للعناصر التشغيلية الأوسع لعملية التحوّل، مثل إجراء عمليات شراء التوريدات وتوحيد معاييرها بطريقة مركزية. وفّر هذا التكامل الذي طُبّق على مستوى الشبكة بأكملها على أكسينشن ما يُقارب المليار دولار سنوياً، أو 5% من إيراداتها الإجمالية، في تكاليف سلسلة التوريد لوحدها، ما سمح للشبكة بالبدء بإعفاء الفقراء والمرضى غير الحاصلين على تأمين كاف من المشاركة في سداد التكاليف.

ابتكارات الشركات الناشئة: إيورا هيلث

لطالما كان روشيكا فرناندوبولي طالباً يحمل فكراً قائماً على الفضول وحب الاستطلاع. ومعظم ما تعلمه في كلية الطب في هارفارد لم يكن يحصل داخل القاعات الدراسية وإنما أثناء الزيارات الميدانية إلى دول من قبيل جمهورية الدومينيكان وهاييتي والهند وماليزيا. وعند تخرّجه عام 1994، كان فرناندوبولي مقتنعاً بأنّ بعض الممارسات الأساسية في نظام الرعاية الصحية الأميركية كانت تشكل عوائق أساسية أمام حصول المرضى على الرعاية الصحيّة المناسبة.

كانت هناك ثلاثة أشياء تزعجه تحديداً. أولاً، رأى فرناندوبولي أنّ نظام الدفع القائم على تقاضي الرسوم في مقابل الخدمة هو حافز شبه مثالي لإجراء اختبارات وتحاليل وعمليات غير ضرورية، وعامل أساسي يُسهم في التكاليف المرتفعة للرعاية الصحية والهدر في النظام (تقدّر الدراسات بأنّ 25% إلى 40% من الرعاية في أميركا غير ضرورية). ثانياً، كان يؤمن بأنّ النظام يمتلك أولويات مقلوبة: فالرعاية الأولية، التي تقي من الحاجة إلى الرعايتين الثانوية والثالثية المكلفتين، لم تكن تشكّل أكثر من 4% إلى 5% من إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية في أميركا. ثالثاً، كانت أنظمة المعلوماتية في الرعاية الصحية مصممة لتسهيل فوترة المرضى عوضاً عن دعم تقديم الرعاية لهم.

بغية معالجة هذه المشاكل، أنشأ فرناندوبولي مؤسسة لا تتوخى الربح وقادرة على الزعزعة تدعى رينيسانس هيلث (Renaissance Health). ركزت رينيسانس التي تأسست عام 2005 بتمويل يبلغ 250 ألف دولار من مستثمرين ملائكة على تحسين الرعاية الصحية بالاعتماد على المرشدين الصحيين العاملين في المجتمع المحلي لتثقيف المرضى ورصد الرعاية التي يتلقونها كمرضى خارجيين ضمن بيئاتهم. في بادئ الأمر، دخل فرناندوبولي في شراكة مع مستشفى في أتلانتيك سيتي في نيوجرسي ومجموعة مرضى مؤلفة من موظفين في كازينو يعتمد على التأمين الذاتي. وقد استعانت الشركة بنظام هجين للمدفوعات يتألف من رسم شهري ثابت يدعى "رسم تنسيق الرعاية" ورسوم تدفع في مقابل خدمات معينة.

بعد مرور عام، أظهرت البيانات أنّ زيارات المرضى ذوي الاحتياجات الكبيرة إلى أقسام الإسعاف قلّت بنسبة 40%، فيما قلت العمليات الجراحية التي تعرضوا لها بنسبة 25% مقارنة مع مجموعة الضبط. ولكن كانت هناك أخبار سلبية أيضاً: فالأشخاص الأساسيون في المستشفى الشريك لم يكونوا مرتاحين لدور المرشدين الصحيين. كان بعضهم يشعر بالقلق من فكرة عدم حصول هؤلاء المرشدين على تدريب طبي رسمي سابق، فيما شعر آخرون بالقلق من الخسارة المحتملة في الدخل والتي سيتكبدها الأطباء الاختصاصيون في قسم الإسعاف في المستشفى ذاته. وشعر فرناندوبولي بأنّ رينيسانس وبصفتها شريكاً لا يتوخى الربح للمستشفيات، لم تتمكن من معالجة المشاكل إلا من خلال أنصاف الحلول. فعلى سبيل المثال، كان يأمل إنشاء منصة معلوماتية لدعم البرنامج، لكن الثمن كان مرتفعاً للغاية؛ لذلك قبل بنسخة معدلة من النظام المعلوماتي للمستشفى الشريك. وبناء على هذه التجربة، تعلّم فرناندوبولي درساً ينطبق على معظم الشركات الناشئة الناجحة التي تعمل من القاعدة إلى القمة إن لم يكن ينطبق عليها جميعها وهو ما يشير إليه بحثنا ومفاده: الأفضل هو البدء بسجل نظيف.

في إيورا، كان التغيير مدفوعاً بثلاثة ابتكارات تضافرت معاً على شكل حلقة مثمرة: نموذج تجاري يقوم على مبدأ دفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد، ومرشدون صحيّون لكل مريض، ومنصّة معلوماتية مصمّمة وفقاً لاحتياجات الشركة.

أدرك فرناندوبولي أنّ بناء النموذج التجاري الصحيح ونشره على نطاق واسع يستدعيان الحصول على أموال من الصناديق الاستثمارية الخاصّة. في العام 2010، شارك في تأسيس إيورا هيلث، وهي عبارة عن شركة تتوخّى الربح، تمكّنت من جمع أكثر من 6 ملايين دولار من ثلاث شركات لرأس المال الجريء. افتتحت الشركة الجديدة أربعة مكاتب، دخل كل واحد منها في شراكة مع شريك تأمين أساسي هو عبارة عن صاحب عمل ذاتي التأمين أو شركة متخصصة بإدارة منافع النقابات العمالية. منذ البداية، أراد أن يضمن إمكانية نشر نموذجه على نطاق أوسع جغرافياً، لذلك اختار أربعة مواقع في أجزاء مختلفة من أميركا تضم مزيجاً مختلفاً من المرضى. موقع في هانوفر في ولاية نيوهامبشر (بالشراكة مع كلية دارتموث)، وآخر في لاس فيغاس (مع صندوق الصحة الغذائية "كوليناري هيلث")، وثالث في بروكلين (مع اتحاد أصحاب الأعمال الحرة)، ورابع في دورتشستر في ولاية ماساتشوستس (مع صندوق إدارة منافع النجارين في نيو إنغلاند).

في هذه المرة، لم يعبث فرناندوبولي بحلول جزئية. بل أطلق نظاماً للدفع يقوم بالكامل على مبدأ دفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد، ويركز على الرعاية الصحية، ولم يكن يستدعي دفع رسوم، أو مشاركة في التأمين، أو مشاركة في الدفع. عوضاً عن ذلك، تقاضت إيورا من شركات التأمين رسماً شهرياً مقطوعاً عن كل عضو هو ضعف ما كانت تنقفه سابقاً على الرعاية الصحية الأولية. وقد وظّف أربعة مرشدين صحيين في مقابل كل طبيب – دفع لهم خمس راتب طبيب ونصف راتب ممرض. وأنفق جزءاً كبيراً من أموال شركته الناشئة على نظام معلوماتية مصمم خصيصاً للشركة – ولم تكن لديه أي تحفّظات تجاه التكلفة.

التركيز على المرضى. لم يكن هدف إيورا يتمثل في توفير الرعاية الصحية، بقدر ما كان تمكين المرضى من أخذ زمام المبادرة فيما يخصّ صحتهم. يقول فرناندوبولي: "ما نحاول فعله عملياً هو تغيير السلوك". في إيورا، كان التغيير مدفوعاً بثلاثة ابتكارات تضافرت معاً على شكل حلقة مثمرة: نموذج تجاري يقوم على مبدأ دفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد، ومرشدون صحيون لكل مريض، ومنصة معلوماتية مصممة وفقاً لاحتياجات الشركة. وبالنسبة لدفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد فإنّ هذا الأمر ألغى الخوف من فكرة ما إذا كانت مقابلة معينة مع المريض بحاجة إلى فوترة أم لا، وبالتالي فإنّ الاستشارات التي كانت تستدعي سابقاً زيارة عيادة الطبيب باتت الآن ممكنة عبر تكنولوجيات مريحة مثل الهاتف، والبريد الإلكتروني وسكايب، ولم تعد بالضرورة تتطلّب التواصل مع طبيب. هذا الأمر فسح المجال أمام المزيد من المشاركة من المرشدين الصحيّين الذين بات تواصلهم الدائم مع المرضى أسهل عبر المنصة الإلكترونية التي كانت تتبّع كل بيانات المريض وتتيحها للأطباء والمرشدين الصحيين والمرضى. ولم تكن هذه المنصّة مصمّمة لتسهيل الفوترة على مبدأ الرسم مقابل الخدمة بل لتسهيل الحصول على نتائج صحية أفضل.

لم تكن إيورا هي مزوّد الخدمات الوحيد الذي يعتمد في عمله على المرشدين الصحيين. فقد كانت هناك شركات أخرى مثل أومادا هيلث تستعمل هذه الطريقة أيضاً، لكنها كانت توظف مرشدين من ذوي الخبرة السابقة في تقديم الرعاية الصحية، في حين أنّ إيورا عيّنت أشخاصاً يتمتّعون بخصال من قبيل التعاطف والرحمة وحس المخالطة الاجتماعية ومن ثمّ دربتهم على المهارات الطبية التي كانوا يحتاجونها.

عمل المرشدون الصحيون في إيورا على تدبّر أمر عافية المرضى بطريقة نشطة واستباقية وكانوا يتدخّلون عندما كانت تنشأ المشاكل، ولاسيما في حالة المرضى الذين يحتاجون إلى عناية مزمنة، والذين كانت أكثر مشكلة مكلفة في حالتهم هي عدم امتثالهم للتعليمات. أدّى المرشدون الصحيون بعض الأعمال التي كان الأطبّاء والممرضون يؤدّونها – مثل قياس العلامات الحيوية وسحب الدم – لكنهم عملوا أيضاً على التفاعل مع المرضى بطرق جديدة. فقد أداروا عيادات للمساعدة على وقف التدخين، وأخذوا مرضى داء السكري إلى متاجر البقالة وساعدوهم على تسوق المواد الغذائية. كما أداروا جلسات لتمارين زومبا للياقة البدنية وأدوا أدواراً تشجيعية. إضافة إلى ذلك درّبوا المرضى على تولّي بعض جوانب الرعاية بأنفسهم، مثل قياس ضغط الدم ومستويات الأنسولين. أسهم هذا النوع من تحويل المهام، من الأطباء إلى المرشدين الصحيين ومن المرشدين الصحيين إلى المرضى، في توفير المال. والأهم من ذلك، هو أنّ المرشدين كانوا أبرع من الأطباء في العديد من جوانب الرعاية – بما أنهم كانوا يحبّون عملهم. لكن العنصر الحقيقي الذي غيّر قواعد اللعبة هو فرض نظام دفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد. فبموجب الأنظمة السابقة التي كانت تعتمد على دفع الرسوم في مقابل الخدمات، يحتاج المزودون إلى عدد كبير من زيارات المرضى والعمليات الجراحية لتحقيق المال. أما ضمن نظام دفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد الذي اتّبعته إيورا، فإنّها لا تحقق المال إلا إذا حافظ مرضاها على صحّتهم مما يستدعي عدداً أقل من التحاليل والاختبارات والعمليات. كان نموذج العمل هذا مختلفاً بالكامل، فهو يركّز على القيمة والعلاقات والمحصلات والمدى البعيد. وقد أدرك فرناندوبولي بأنّ أنظمة الدفع الهجينة مثل رينيسانس خلقت حالة من النزاع الداخلي. فقد كان الأمر يجب أن يقوم على مبدأ كل شيء أو لا شيء. أمّا نموذج دفع رسم مقطوع مقابل الشخص الواحد فقد أسهم في توفير المصاريف الإدارية من خلال التقليل من المعاملات الورقية، والتشجيع على تدابير أخرى لتوفير التكاليف من أجل تحقيق أكبر ربح من دولارات الرسم المقطوع. كانت عيادات إيورا، على سبيل المثال، تجري العديد من تحاليلها المخبرية وتحديداً تحاليل الدم بنفسها، وكان ذلك أرخص وأسرع من إرسالها إلى مختبرات خارجية. لكن أكبر الوفورات جاءت من الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية المكثفة والخلاقة الأمر الذي كان يقلل من المصاريف اللاحقة المدفوعة للاختصاصيين والرعاية في المستشفيات بما أنّ المرضى كانوا يحافظون على صحّتهم. وبالنسبة للمرضى ذوي الحالات المزمنة، كان فرناندوبولي يتوقع تحقيق العوائد في العام الأول، أما الثمار الإيجابية في حالة المرضى الذين يتمتعون بصحة أفضل فقد كانت تحتاج إلى وقت أطول. لكنه كان مقتنعاً بأنّ كل دولار كان يوفره على شركائه من رسوم الفحص بالأمواج فوق الصوتية وغسيل الكلى والقثاطر القلبية، وغير ذلك من تكاليف العمليات الطبية كان يسهم في زيادة الدعم والقبول لنموذج الرسم المقطوع مقابل الشخص الواحد.

ضبط التكاليف. عند الضرورة، كانت إيورا توفّر للمرضى رعاية متخصصة، ولكن حتى في تلك الحالات، كانت توفر المال من خلال التعاقد مع الاختصاصيين كاستشاريين في عيادة الرعاية الصحية الأولية – ما يعني بصورة أساسية دعوة أطباء القلبية، والعصبية وغيرهم إلى الانضمام إلى ما يسمى "اقتصاد العربة" (Gig Economy). عندما سأل فرناندوبولي رئيس قسم الغدد الصم في أحد كبار المستشفيات عن النسبة المئوية لمرضى الغدد الصم الذين يمكن أن يتدبّر أمرهم طبيب رعاية صحية أولية يتلقى نصائح صغيرة من خبير عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، كان الجواب المدهش هو 80%. وقد أكدت دراسة تخص الاستشارات المقدمة إلكترونياً من أطباء الرعاية الصحية الأولية في 10 تخصصات تشمل العصبية والروماتيزم والجلدية وأمراض الكلى بأنّهم الأولية كانوا وسطياً قادرين على معالجة مشاكل في هذه التخصصات لدى 60% من المرضى. وبحلول العام 2017، وبعد مرور سبعة أعوام على تأسيس شركة إيورا هيلث، كانت الفرضية التي وضعها فرناندوبولي قد أثبتت نفسها. فقد قلّت نسبة إدخال أعضائها إلى المستشفى بنسبة 40%، وانخفض إنفاقها الإجمالي على الرعاية الصحية ما بين 15% و20% – أي أكثر بكثير من نسبة 4% إلى 5% المطلوبة لاستعادة نفقات إيورا الأعلى على الرعاية الأولية. وبلغت نسبة احتفاظها بالمرضى 98%، في حين وصلت نسبة شعبية الشركة وسط مرضاها إلى التسعينيات. فأكثر من 90% من مرضاها تمكّنوا من ضبط ضغط دمهم، مقارنة مع المعدّل الوسطي البالغ 60% لدى مقدّمي الخدمات في القطاع. أمّا نسبة استنزاف الموظفين فلم تتجاوز 2.5% ولم تكن تذكر. وتمكّنت إيورا من زيادة عدد المرضى الذين تخدمهم بأكثر من 50% سنوياً، معتمدة بشكل أساسي على اجتذاب كبار السن الحاصلين على مساعدات طبية حكومية. تمتلك إيورا الآن 24 مقرّاً في 8 مدن وتوظّف أكثر من 400 شخص. وقد تمكّنت من الحصول على تمويل من رأس المال الجريء بقيمة 125 مليون دولار، بما في ذلك من مستثمرين على المدى البعيد مثل الصندوق الوقفي في جامعة رايس وتيماسك السنغافورية.

الدروس والعبر التي يمكن أن تكون مفيدة للمبتكرين. يشير نجاح إيورا، و6 شركات أخرى شملتها دراستنا، إلى بعض المبادئ العامة التي يمكن أن تساعد المبتكرين في التخفيف من المصاريف المتضخمة لنظام الرعاية الصحية الأميركي، ومعالجة تباين الجودة، وإزالة القيود الموجودة على الحصول على هذه الرعاية. تبنّى فرناندوبولي وغيره من المؤسسين من أصحاب الرؤية مقاربة تقوم على الانطلاق من سجل نظيف، حيث بنوا نماذج تجارية جديدة من الصفر. وأطلقوا مشاريع طموحة تتوخى الربح بعد ذلك مباشرة. وفكروا منذ اليوم الأول في كيفية نشر نماذجهم على نطاق واسع من خلال الاستعانة برأس المال الجريء وأموال شركات الاستثمارات الخاصة. ولم يترددوا في وضع استثمارات استراتيجية كبيرة، بما في ذلك الاستثمار في التكنولوجيا، كما فعلت إيورا مع نظام المعلوماتية الذي فصلته وفقاً لاحتياجاتها. أخيراً، فكّروا مليّاً بنوع نظام المدفوعات الذي سيكون الأنسب لتحقيق هدفهم، آخذين بالاعتبار بدائل تقوم على تقاسم المخاطر مثل نظام الرسم المقطوع مقابل الشخص الواحد أو الرسم المقطوع مقابل علاج كل نوع من أنواع الأمراض.

في معرض بحثنا، صادفنا عدة شركات ناشئة شبيهة بإيورا. تستخدم شركة كيرمو، على سبيل المثال، مرشدين صحيّين لتقديم رعاية صحية أولية وفق مبدأ الرسم المقطوع مقابل الشخص الواحد، مع التركيز على المرضى في مراحل الشيخوخة. وثمة شركات ناشئة أخرى درسناها كانت تبدو مختلفة تماماً، مثل هيلث سيتي كايمان آيلاندز، وهو مستشفى يتوخّى الربح أنشأه عام 2014 الدكتور ديفي شيتي، مؤسس شركة نارايانا هيلث في الهند. فسعياً من هيلث سيتي إلى تقليد الممارسات الابتكارية المطبّقة بنجاح في الهند واستهداف المرضى الأميركيين، افتتحت مستشفى في موقع قريب من الولايات المتّحدة لكن خارج نطاق تشريعاتها. وقد شملت هذه المقاربة اتخاذ قرارات مبتكرة، لا بل راديكالية حتّى، بخصوص تحديد مكان الشركة، وما إذا كانت ستبني أم ستشتري (اختارت الإدارة البناء من الصفر)، وتحديد هوية الشريك الذي ستعمل معه (اختارت أكسيشن)، وكيفية التسعير (الرسم المقطوع مقابل علاج كل نوع من أنواع الأمراض)، وكيفية اختراق السوق الأميركية. أطلقت هيلث سيتي مستشفى متواضعاً بسعة 104 أسرّة لعلاج الأمراض القلبية والعظمية، لكن الخطة تشمل تطوير نظام كبير يتوخّى الربح مع استثمار ملياري دولار خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة. وتساعد الأسعار الشفّافة لهيلث سيتي القائمة على مبدأ الرسم المقطوع مقابل علاج كل نوع من أنواع الأمراض – والتي تقل بنسبة 60% إلى 75% عن نظيراتها في الولايات المتحدة في دعم استراتيجيتها المزعزعة القائمة على اجتذاب المرضى الأميركيين من المستشفيات ذات الحضور الراسخ سابقاً.

إيجاد موطئ قدم للابتكار

قارب كل من كريستي هندرسون وروشيكا فرناندوبولي الابتكار في قطاع الرعاية الصحية بطريقتين مختلفتين، لكنهما نظرا إلى المشاكل كفرص لإدخال تحوّل على جزء من نظام الرعاية الصحية. وقد فتح كلاهما ثغرة في الجدار سمحت لابتكاريهما باكتساب موطئ قدم. ففريق المركز الطبي في جامعة ميسيسبي، على سبيل المثال، اكتشف ثلاثة مستشفيات ريفية تعاني مالياً لكنها كانت جاهزة لتطبيق حلول في مجال الرعاية الصحية عن بعد، بينما وجدت إيورا في أصحاب العمل الذين يتّبعون مبدأ التأمين الذاتي والذين كانوا يائسين للتقليل من التكاليف زبائن مثاليين لتجربتها في مجال الرعاية الصحية الأولية.

يُظهر كل من هندرسون وفرناندوبولي وغيرهما من المبتكرين الذين درسناهم أنّ الحلول لمشاكل الرعاية الصحية يمكن أن تأتي من القاعدة وأن تكون عبقرية بما يكفي للتغلّب على المقاومة التي يبديها المشككون. ونحن نتوقع وصول العديد من مزودي الخدمات الآخرين الذين يستعملون هذه النماذج، ويبتكرون نماذج جديدة. ونتوقع لحصتهم السوقية أن تكبر بعد أن يُظهروا قدرتهم على تحسين الرعاية وتخفيض التكاليف وتوسيع إمكانية الحصول على الرعاية، وبعد أن يقدّر المستثمرون قيمتهم الكامنة.

كما يوضح فرناندوبولي، إذا تمكّنت شركته والشركات الأخرى الشبيهة بها من استقطاب 20% حتى من مبلغ الـ 350 مليار دولار من الإنفاق المهدور على الرعاية الصحية كل عام، فإنّ المبلغ سيكون مذهلاً. ووفقاً لحساباتنا، إذا تمكّنت الشركات التي تتبّع مقاربة إيورا في التركيز على الرعاية الصحية الأولية من استقطاب ثلث الـ 55 مليون أميركي من كبار السن الذين يحصلون على مساعدة من التأمين الطبي الحكومي، فإنّ البلد قد يوفّر ما بين 30 مليار دولار و40 مليار دولار سنوياً عوضاً عن إنفاقها على الرعايتين الثانوية والثالثية اللتين يمكن تجنّبهما. وإذا نجحت هذه الشركات في حصد 20% من القيمة التي تخلق بهذه الطريقة، فإن قيمتها السوقية قد تزيد على 100 مليار دولار، حتى لو كان مكرّر ربحيتها لا يزيد على 15.

تُعتبر أمثال هذه الأرقام محفّزاً قوياً على التغيير. ولا شكّ بأنّها سوف تحفّز العديد من المبتكرين في مجال الرعاية الصحية على توسيع إمكانية الحصول على الرعاية ذات الجودة العالية، لتمكين المرضى من التمتع بالصحة السليمة. فإذا ما كنتم تبحثون عن نقطة بداية، ابدأوا هناك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!