تابعنا على لينكد إن

يتردد كثير من الأشخاص من الخروج من أدوراهم الاعتيادية والروتينية. فمجرد فكرة أن تضع نفسك في مكان يمكن أن تفشل فيه، هي فكرة مخيفة ومجهدة. ولكن في بعض الأحيان فإن ما يبقيك في موضع ما، ليس بالضرورة هو اهتماماتك الشخصية. في الواقع، ما يبقينا في هذا الموضع بل ويضغط على تفضيلاتنا الشخصية هو أماني أشخاص آخرين، وشعورك بأنك “يجب” أن تبقى. ما يدفعك بعيداً عن التقدم قد يكون هو مراعاة الآخرين والامتثال لهم، وليس أن تحافظ على راحتك.

لقد رأيت هذا لمرات عديدة في بحثي. اتبع الأشخاص مساراً في حياتهم –بتأثير من ثقافتهم، والديهم، أو إحساسهم بأن هذا ما ينبغي عليهم أن يسعوا إليه -مما قادهم إلى استثمار الوقت، المال وتنمية المهارات في مسار يصعب تغييره وتبديله.

على سبيل المثال، لقد أجريت ذات مرة مقابلة مع شخص ما ولندعه بسارة. كان لسارة منذ طفولتها المبكرة اهتمامات فنية، ففي طفولتها أحبت القراءة ومارست الكتابة وأحبتها، وفي رشدها كانت قارئة نهمة وأحبت الفن المعاصر، المسرح والرقص. وعلى الرغم من ذلك، طلب إليها والداها أن تبحث عن عمل تقليدي، ولذا قامت سارة باعتبار هذه الاهتمامات مجرد هوايات، أمور تمارسها في أوقات فراغها. وفي غضون ذلك خطّت مسارها المهني في العمل القانوني.

لم تكره سارة القانون، لكن قلبها وروحها لم يكونا فيه تماماً. في مرحلة ما، وعلى الرغم من السنوات العديدة التي قضتها في تعلم وممارسة القانون، قررت أن تأخذ قفزة كبيرة وأن تحاول شيئاً آخر: أن تكون رائدة أعمال في فنون الشارع (an underground arts entrepreneur).

لم يكن التحول الذي قامت به سارة ليحصل بين عشية وضحاها، لقد رافقه مزيج من المشاعر. شعرت سارة بالارتياح والتحرر، ولكن رافقه الخوف أيضاً، الرهبة والقلق، والقليل من الشعور بالذنب. كانت تعرف العمل القانوني –كان مريحاً، يمكن التنبؤ به، وبصراحة كانت تتقنه. ولكن الفن هو شغفها، وبمرور الوقت أثناء انتقالها -مترددة بادئ الأمر وباندفاع لاحقاً تجاه ساحة فنون الشارع-انطلق شغفها. يمكنك أن ترى اليوم سارة سعيدة، راضية عن نفسها، مبدعة بشكل عميق، وتعيش الحياة التي لطالما حلمت بها. إن شعور الانعتاق وتحقيق الذات قد ظهرا فقط بعد ست سنوات، باستمرارها بتحفيز مشهد الفنون غير الرسمية.

لا يقتصر الشعور بالانعتاق والتحرر على تغيير المسار المهني فقط، لقد لاحظت ظاهرة مماثلة مع الأشخاص الذين ساعدتهم على التكيف مع السلوكيات عبر الثقافات المختلفة، وخاصة أولئك الذين شعروا أنهم كانوا مضطرين لكبت وتقييد شخصياتهم وسلوكياتهم في ثقافتهم الأصلية لتتوافق مع معايير الثقافة المحلية. لقد كان بإمكانهم في النهاية أن يكونوا أنفسهم عندما تحرروا من هذه المعايير وكانوا في ثقافة مختلفة. رأيت ذلك مع طلاب برنامج الماستر التنفيذي في الإدارة، لم يكن يسمح لهؤلاء الطلاب في بلدانهم الأم أن يتحدثوا في الصف لأنه من غير المقبول أن يتعارض أحدهم مع المحاضِر-لأن معارضة المحاضر ليست جزءاً من ثقافتهم ببساطة. أما في الفصول الدراسية في الولايات المتحدة فقد كان بإمكانهم إطلاق العنان لهذا الجانب من أنفسهم. بإمكانهم أن يرفعوا أيديهم، وأن يفصحوا عما يدور في عقولهم، أن يحاوروا السلطة ويجابهوها، والأهم من ذلك كله أن يكونوا هم أنفسهم.

لن يحصل هذا الشعور الرائع من الاكتشاف والانعتاق في كل مرة تخطو فيها خارج دائرة الراحة الخاصة بك. ولكن قد يحدث ذلك عندما تدرك أن كنت تظنه دائرة راحتك، وكان هو في الواقع دائرة الامتثال والتوافق-حيث تعلمت أن تتصرف بسلوكيات وطرق كان متوقعاً منك أن تتصرف وفقاً لها، من قبل والديك ربما، عائلتك الأكبر أو ثقافتك. وبمرور الوقت، ومن خلال التكرار، والالتزام بإرضاء توقعات الآخرين لحد كبير، قمت ببلورة هذه السلوكيات وكأنها جزء أصيل منك، حتى ولو كانت لا تعكس في الواقع من أنت حقاً.

كيف يمكنك إذن التفريق بين دائرة الراحة ودائرة الامتثال، وهل دائرة راحتك هي دائرة امتثالك؟

حدد بدقة ما هي الأمور التي تركز عليها في حياتك. حدد شيئاً محددا لتسأل نفسك، هل هو شيء لا يشعرك بالسعادة، أو شيء تريد له أن ينمو ويتطور. قم بمراجعة سريعة لقيمك الشخصية وشغفك؟ ما هو شغفك؟ ما الذي يدفعك ويحركك؟ ما الذي تحب أن تفعله؟ وما الذي كنت لتهتم به لو زالت كل العوائق من طريقك؟

قم بمقارنة شغفك والأنشطة بحياتك ثم بادر بتفحصها. هل تستطيع تمييز قيمك وشغفك الذي يدفعك في حياتك ضمن هذه الأنشطة والأعمال في مكان ما؟ إذا استطعت ملاحظة شغفك وقيمك ضمنها فهذا يدل أنك لست في دائرة الامتثال، على الأقل لست تقع كاملاً ضمن دائرة الامتثال. أما إذا كافحت لتجد نفسك في مكان ما، فقد تكون واقعاً في دائرة الامتثال، وقد يكون الوقت قد حان لإعادة تقييم الوضع والأخذ بعين الاعتبار إجراء تغيير في نظام حياتك.

من الطبيعي أن يكون لدينا مهام في عملنا وحياتنا يتوجب علينا تنفيذها للوفاء بأدوارنا ومسؤولياتنا الاعتيادية. قد لا نرغب بالتواصل وبناء العلاقات الاجتماعية أو إجراء عروض تقديمية على مستوى الشركة، ولكننا نعلم أنه يتعين علينا فعل ذلك. قد لا نريد أن نعمل في عطلة نهاية الأسبوع، ولكننا مضطرون لفعل ذلك لأنها أوامر المدير. إن التوافق والامتثال هو عنصر أساسي في عالم العمل على المستوى التفصيلي، ولكن عندما يلغي التوافق والامتثال شغفك الشخصي بانتظام، ففي هذه الحالة يكون من المهم لك أن تتفحص بشكل واسع ما إن كنت تعيش الحياة التي تريدها أم لا.

من الصعب بمكان كسر رويتننا وعاداتنا لأنها تشكل الأرضية لنا وتساعدنا على التنبؤ بحياتنا. ولكن تجنب المواقف والحالات الجديدة يمكن له أن يعيقنا عن التقدم. يمكن لخروجك من دائرة الراحة أن يساعدك على بناء مهارات جديدة واكتساب الثقة بذاتك. وبتحديد دائرة امتثالك وخروجك منها، يمكن لك أن تكتشف ذاتك “الحقيقية”-ذلك الجزء الذي يعكس شغفك الأصيل واهتماماتك الحقة ويقودك إلى حياة تحقق بها المزيد من الرضى عن الذات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz