تابعنا على لينكد إن

عندما اجتاحت النار مدينة سانتا روزا في كاليفورنيا الشهر الماضي، ودمرت 4,658 منزلاً، و94 مبنى تجارياً، وشردت عشرات الآلاف من الناس، كانت شركة كيسايت تكنولوجيز (Keysight Technologies) في عين الكارثة. فعندما يُذكر اسم مقاطعة سونوما يخطر ببال معظم الناس النبيذ المشهور، ولكن تُعتبر كيسايت أكبر صاحب عمل في مقاطعة سونوما وتعود بداية وجودها القوي في المنطقة إلى عام 1972.

اندلع حريق “توبس” في الساعة العاشرة مساء عند التلال فوق سانتا روزا وبحلول الساعة 1:30 صباحاً، كانت ألسنة النيران تشق عنان السماء. كان مقرنا الرئيسي يقع في مركز منطقة الإخلاء الإلزامية، وأُرغم العديد من الموظفين الذين يعيشون في مكان قريب على الإخلاء. كان من الواضح أننا نواجه أزمة كبيرة لم نكن مستعدين لها.

على الرغم من أنّ الرئيس التنفيذي لشركتنا، رون نيرسيان، ورئيس طاقم الموظفين كانا في ألمانيا للمشاركة في منتدى العملاء، انبرى فريقنا التنفيذي إلى العمل في منتصف الليل، مندفعاً لإجلاء الناس، وتقييم الأضرار التي لحقت بمقرنا، وحماية موظفينا الذين يبلغ عددهم 1,300 والأُسر التي تعمل وتعيش هناك.

كانت الساعات الثلاث عشرة التالية فترة ضبابية من اتخاذ القرارات الفورية ومحاولة التعامل مع الأزمة. وأنشأ الفريق مركز قيادة على مسافة آمنة بعيداً عن الحرائق، وقام بجهد كبير في إجراء مكالمات هاتفية عديدة لتحديد مكان كل موظف معروف أنه في المنطقة، واتخذ قرارات حاسمة بشأن مساعدة الموظفين ودفع التعويضات لهم.

تخطت تداعيات الأزمة جدران الشركة لتصل إلى مجتمعنا، وموظفينا في جميع أنحاء العالم، وعملائنا، ومنافسينا، والعديد من الأشخاص الآخرين. لقد اختبرت هذه الكارثة مستوى قدرتنا على إدارة الأزمات ومهاراتنا القيادية بشكل يتجاوز قدرتنا على التنبؤ أو الاستعداد المسبق، ما يدل على أنه عندما تُطبق عليك أزمة واسعة النطاق، فإنّ طريقة تفاعلك مع مواقفها في الوقت الحقيقي هي التي تحدد السرعة التي يمكن أن تبدأ من خلالها في إعادة البناء.

وانتهى بنا المطاف إلى إدارة ثلاث أزمات: الموظفين والزبائن والمنافسين. وإليكم كيف تعاملنا مع ذلك.

الموظفون

بات واضحاً خلال الساعات الأولى أنّ العديد من الموظفين سيفقدون منازلهم. وبصفتنا فريقاً قيادياً، ناقشنا بجدية مسؤولية الشركة تجاه موظفيها في أعقاب كارثة طبيعية كالتي رمت بثقلها علينا. كان علينا تذكّر أنّ هذه هي المنازل تخص  أشخاصاً، وأسراً، وأصدقاء متضررين. وأكدت رسائل الرئيس التنفيذي نرسيسيان للموظفين على ضرورة إنقاذ الناس أولاً، ومن ثم الموارد ثانياً.

لكن لم تكن هذه المحادثات سهلة. إذ كنا في مواجهة اختيار صعب: هل نراعي مصلحة موظفينا أم مصلحة أرباح الشركة؟ لم يشكك أحد بمسؤولية الشركة في تقديم المساعدة ولكن دار نقاشنا الساخن حول كمية المساعدة التي ستوفرها الشركة. على الصعيد المالي، لم يكن لدينا أية فكرة عن عدد المنازل التي دُمرت، وبالتالي يمكن أن يصل تقديم 10,000 دولار لكل موظف فقد منزله إلى مبلغ يُقدر بالملايين. وبالإضافة إلى ذلك، إذا وافقنا على تقديم 5,000 دولار لكل موظف مشرد، فيجب ألا يغيب عن ذهننا حقيقة احتمال وصول عدد هؤلاء إلى 1,300 شخص.

كان فريقنا على دراية بالحجم الهائل للتكاليف المتوقعة، ولذا كان لزاماً علينا القيام بموازنة بين حجم التكاليف ورغبتنا في القيام بالأمر الصحيح مع الموظفين المخلصين الذين وقعوا تحت وطأة كارثة تحدث مرة واحدة في حياة المرء. في نهاية المطاف، قدّمنا حزمة مساعدات بقيمة 10,000 دولار للأشخاص الذين فقدوا منازلهم و1,000 دولار للموظفين المشردين في إطار فرضية أنّ قوة الشركة وابتكارها يعتمدان على استمرار موظفيها في عملهم معها لفترة طويلة، ما يعوض التأثير المالي على المدى القصير.

لكننا كنا بحاجة إلى تلبية الاحتياجات الفورية أيضاً. لذا، أنشأنا مركزاً مؤقتاً للإغاثة من أجل توفير أجهزة شحن الهاتف والملابس الداخلية والمياه المعبأة في زجاجات، وبعض الأساسيات الأُخرى. كما شكّل ذلك المركز أيضاً مكان تجمع للموظفين للاتصال والمساعدة، والحصول على الدعم والمشورة.

وبمجرد إنشاء مركز المساعدة الإغاثية، انهمرت علينا المكالمات الهاتفية من موظفين يطلبون المساعدة وغير قادرين على الوصول إلى مركز الإغاثة. وأصبحت أوقات الانتظار الهاتفية الطويلة والبريد الصوتي عقبة رئيسة أمام تلقي المساعدة الماسة. ولكي نجد حلاً مناسباً لهذه المشكلة في الاتصالات تواصل فريق الأزمة مع أحد مدراء البحث والتطوير لدينا والذي قام ببحث سريع وأنشأ مركز اتصال خارجي في غضون ساعتين.

بيد أنّ الأزمة أثبتت أنها أكبر من أن يستطيع فريق الأزمة التعامل معها بنفسه. فمثلاً كانت التغطية لا تلبي الحاجة بالنسبة للجوالات والإنترنت، لذا قامت الشركة بتعيين موظفين خارج سانتا روزا لتنظيم نظام هاتفي شجري ونشر أشكال متعددة من الاتصالات للوصول إلى الزملاء المتأثرين. وهبّ الموظفون الحريصون على المساعدة من جميع أنحاء العالم بسرعة لتقديم المساعدات. وتوصّل فريق برمجي في أتلانتا إلى حل قائم على الرسائل النصية القصيرة دخل العمل في غضون ساعات، فضلاً عن موقع عام على الإنترنت لمطابقة الطلبات مع المعونة. واستخدم فريق وسائل التواصل الاجتماعي في كولورادو قنواته لمساعدة الموظفين على تتبع بعضهم البعض. وقام فريق آخر بإنشاء صندوق خيري. إذ شكّلت قدرتنا على الاستفادة من هذه الفرق الموسعة في جميع أنحاء الشركة أمراً حاسماً في حل المشاكل التي يمكن معالجتها عن بعد.

العملاء

يمكن القول أنّ عملاء كيسايت هم المبتكرون الذين يعتمد ربحهم أو خسارتهم في السوق على أساس كونهم في المرتبة الأولى والأفضل في مجالهم. وعلى هذا النحو لا تفسح جداولهم الزمنية مجالاً للتحسب للأزمات. وعلى الرغم من أنّ معظم عمليات تصنيع كيسايت تتم خارج المقر الرئيسي، إلا أنّ الموقع يضم بعض المخزونات الراقية، وكان الزبائن قلقين بالطبع من التأثيرات المحتملة على عملياتهم الخاصة.

وانطبقت هذه الحالة بشكل خاص على العملاء الذين يشاركون في اختبار الجيل الخامس الجديد من الشبكات اللاسلكية، وهي مجموعة متطلبات شبكات الجيل التالي المتنقلة التي تعد بتحقيق أداء واختراق وظيفي لتلبية الطلبات المتزايدة للبيانات والتطبيقات المتنقلة. وعبّر عملاء كيسايت عن قلقهم إزاء إمكانية عدم توافر المنتجات، خاصة وأنه من المتوقع أن يتم التصديق على المرحلة الأولية لمعيار الجيل الخامس في ديسمبر/كانون الأول. لذا، قام كبار القادة من فرق الحلول الصناعية في كيسايت بزيارة هؤلاء العملاء شخصياً لطمأنتهم بأنّ تسليم منتجاتهم لن يتأثر أو يتأخر. وفي حالة واحدة تتعلق بإنتاج شبكة 100 جيجابايت، عمل فريق كيسايت على سد الانقطاعات المحتملة في التسليم مع المقترضين المستمدين من داخل كيسايت وكذلك من مخزونات شركاء القنوات من جهة أولى، كما أننا بذلنا اهتمامنا بالتحديثات اليومية على جدولنا للمنحنى البياني للإنتاج من جهة أُخرى، ما مكّن هذا العميل من الحفاظ على خطة عمله التي تلبي التزاماته الخاصة.

وفي حالات أخرى، قامت الشركة بنشر اتصالات هادفة للمبيعات العالمية معززة إياها ببيانات العلاقات العامة والأسئلة المتوقعة وإجاباتها، وتقييم بعض الطلبيات المتأثرة بالتحديد ومباشرة التواصل مع العملاء. وتمت الاستفادة من مرافق التصنيع خارج سانتا روزا (مخزونات السلامة) للحفاظ على الاستمرارية. وكان لابدّ من اتخاذ إجراءات تخفيف الأزمة بشكل سريع ومستمر ومضبوط وفقاً لاحتياجات كل عميل.

المنافسون

في خضم التعامل مع الأزمة المحلية، بدأت العواقب تأخذ منحى عالمياً. وفي حين كنا نعتقد بداية أننا يمكننا معالجتها بمعزل عن بقية الشركة، اتّضح لنا فيما بعد ضرورة أن تكون وظائف مواجهة العملاء على أهبة الاستعداد تحسباً للآثار الجانبية للأزمة التي ربما تكون غير متوقعة ومدمرة.

حتى أثناء اضطرام النيران، تناهى إلى سمعنا من العملاء أنّ بعض المنافسين كانوا ينشرون الشائعات ليُضعفوا ثقة عملائنا بقدرة “كيسايت” على شحن المنتجات. وكان المنافسون يعرضون على عملائنا تقديم منتجاتهم عوضاً عن منتجاتنا من أجل التخفيف المزعوم للمخاطر لخطط إنتاج العملاء. كما أخبروا عملاءنا أنّ كيسايت لن تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها.

وعلى الرغم من أننا كنا على اتصال مع عملائنا، أدركنا ضرورة أخذ زمام المبادرة على الصعيدين الهجومي والدفاعي على حد سواء، لذلك، طلبنا من مدراء الحسابات في كيسايت معاودة الاتصال مع العملاء وطمأنتهم حول تسليم المنتجات. كما اتصل نرسيسيان مع المدراء التنفيذيين لهؤلاء المنافسين. وأنكروا قيامهم بهذه الأنشطة، على الرغم من حصولنا على تأكيد من أحد عملائنا أنّ أحد المدراء المهمين في إحدى الشركات المنافسة هو الذي نشر حالة هزّ الثقة هذه. فقام نرسيسيان بتحذيرهم أننا سوف نفضح ممارساتهم علناً إن لم يمتنعوا عن هذه الممارسة البشعة.

وبينما ننتقل إلى المرحلة التالية من تعاملنا مع تبعات الأزمة، فإننا نتساءل يوماً بعد يوم عما يجب أن تكون عليه عملية إعادة البناء. لا بدّ أنّ تشمل منازلاً جديدة للموظفين، وحياة جديدة لأن الأطفال سيلتحقون بمدارس مختلفة، كما أنه لابدّ من عقد اجتماعات لأفراد المجتمع المحلي لاستمداد القوة من بعضنا البعض. والآن، بعد زوال الخطر المباشر لحرائق الغابات، يمكن النظر في القرارات بشكل أكثر عمقاً على أساس الاحتياجات ذات المدى الأطول لموظفينا، وأعمالنا، ومجتمعنا، والذين سينعمون بمستوى أفضل من الاستقرار عند معاودة عملياتنا الأساسية، إذ أنّ تأخير القرارات الاختيارية منها يمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس التي نحن بأشد الحاجة إليها الآن لاستعادة وضعنا الطبيعي من جديد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz