أصبح بإمكان الآلات اليوم أن تتفوق على البشر في كثير من المهام المعقدة التي تبدو وكأنها صُممت لتتوافق مع قوى العقل البشري، كما في التمييز البصري ولعبة البوكر ولعبة جو. ومع ذلك، يفضل الخبراء عادة الخبرة والحدس على البيانات والإحصاءات في العديد من القرارات المرتفعة الأهمية التي تعتمد بطبيعتها على الأتمتة العقلانية، كتشخيص الأطباء للأمراض، وتحديد القضاة للكفالة. ولعل الصعوبة التي تكمن في فهم الأساليب الإحصائية وفي تصميمها وتطبيقها، هي التي تبرر التردد في تبنيها. لكن في نفس الوقت إنّ استبعاد التطورات الحاصلة في الذكاء الاصطناعي، أمر مكلف.

وانطلاقاً من تلك القيود التي يفرضها العالم الواقعي على المدراء والمهندسين، طورنا إجراءاً بسيطاً لخلق أدوات حساب تحسّن القرارات من نوع نعم/لا، يتألف من ثلاث خطوات. ويمكن لهذه الأدوات الحاسبة أن تساعد القضاة في تحديد المحتجزين، ومفتشي الضرائب في تحديد من يدققون في أمرهم، ومدراء التوظيف في تحديد من يستدعونه لمقابلة عمل. إذ يضع هذا الإجراء بين يدي الممارسين منهجناً من الطراز الرفيع من تقنيات تعلم الآلة بعد تجريدها من أي تعقيد غير ضروري.

لنأخذ قرارات إطلاق السراح المؤقت كمثال للتعرف على كيفية عمل هذه الحاسبات. عندما يحضر المتهمون إلى المحكمة للمرة الأولى، يتوجب على القضاة تقييم احتمال تهربهم من المواعيد التالية للمحاكمة. ويتم الإفراج عن أولئك الذين تنخفض احتمالية تهربهم. أما المتهمون الخطرون فيتم الاحتفاظ بهم وإعادتهم إلى السجن. وتعتبر هذه قرارات على درجة عالية من الأهمية بالنسبة للمتهمين وجمهور العموم على حد سواء. ولمساعدة القضاة على اتخاذ هذه القرارات، استخدمنا طريقتنا لوضع المخطط البسيط للمخاطر الظاهر في الجدول أدناه، حيث يتم حساب هروب المدعى عليهم من خلال جمع النقاط المتعلقة بعمرهم وأعداد مواعيد المحاكمات التي فوتوها، ومن ثم تطبق عتبة الخطر لتحويل النقاط إلى توصية إما بالإفراج أو الاحتجاز. مثلاً، عند تطبيق عتبة خطر قدرها 10، سيسجل 8 نقاط لمتهم عمره 35 عاماً كان قد فوت موعداً واحداً للمحاكمة (2 للعمر + 6 لتفويت موعد محاكمة سابق)، وبالتالي ستكون التوصية بالإفراج.

وعلى الرغم من بساطة هذه الأداة، إلا أنها تتفوق على متخذي القرارات الآدميين. لقد حللنا 100,000 قرار قضائي بالإفراج المسبق في إحدى المدن الكبرى. سيؤدي اتباع أداتنا لتمكين القضاة في هذا الاختصاص القضائي من احتجاز نصف من يتم احتجازهم عادة من دون إحداث زيادة تذكر في عدد المتهمين الذين لا يحضرون المحاكمة. لكن كيف هذا؟ القرارات القضائية غير المدعومة لا ترتبط إلا ارتباطاً ضعيفاً فقط بالمستوى الموضوعي لاحتمال هرب المتهم. ويضاف إلى هذا أنّ القضاة يطبّقون المعايير الفردية، فبعضهم يطلق سراح 90 في المئة من المتهمين، وآخرون يطلقون سراح 50 في المئة فقط. بالنتيجة، يطلق سراح الكثير من المتهمين الخطرين، ويحتجز الكثير من المتهمين الأقل خطورة. يحرص استخدام أداتنا الحاسبة على معاملة المتهمين بإنصاف، وألا يتم احتجاز إلا الخطرين منهم، وهو ما سيؤدي في الوقت نفسه إلى تحسين كفاءة القرارات وعدالتها.

هذا النوع من حاسبات القرار تتسم أولاً، بالسرعة، حيث يتم اتخاذ القرارات سريعاً دون حاسوب. ثانياً، هي حاسبات مقتصدة لا تحتاج إلا لعدد محدود من المعلومات للتوصل إلى القرار. ثالثاً، توضح الأرضية التي تستند إليها القرارات. كما أنّ للأدوات التي تحقق هذه المعايير مزايا عديدة في السياق القضائي وفي غيره من المجالات. مثلاً، سهولة استخدام هذه الأدوات يعني أنه على الأرجح سوف يتم استخدامها باستمرار. وفي الطب، سيقلل كون هذه الأدوات مقتصدة من الاختبارات المطلوبة، ما يوفر الوقت والمال وحتى الأرواح، في حالة الحجر الصحي مثلاً. ويؤدي هذا الوضوح في بساطة الحاسبات لترسيخ الثقة من خلال إظهار كيفية اتخاذ القرارات والإشارة إلى مواطن التحسينات. كذلك يمكن للوضوح أن يصبح مطلباً قانونياً عندما يطالب المجتمع بالعدالة والشفافية.

للحاسبات البسيطة مزاياها بكل تأكيد، لكن يحق للمرء التساؤل عما إذا كان تفضيل البساطة يعني التضحية بالأداء. الإجابة المفاجئة في العديد من الحالات هي: لا. لقد قمنا بمقارنة أداتنا البسيطة مع الخوارزميات المعقدة في تعلم الآلة. في حالة القرارات القضائية، كان أداء مخطط المخاطر السابق مطابقاً تقريباً لأفضل التقنيات المستخدمة في تقييم المخاطر. كما وجدنا لدى تجريب تحليلنا على 22 مجالاً مختلفاً ثباتاً في هذه الظاهرة: غالباً ما توازي أدوات القرارات البسيطة والشفافة في أدائها طرق تعلم الآلة المعقدة وغير الشفافة.

لوضع هذه الأدوات البسيطة، استخدمنا استراتيجية من ثلاث خطوات، ندعوها “اختر، أرجع، قرّب”، وهي تعمل على الشكل التالي:

  • حدد بعض المؤشرات الأساسية للنتيجة المطلوبة، مثل استخدام سن المتهم وعدد مرات تفويته للمحاكمة لتقييم خطر الهروب. وجدنا أنّ وجود ما بين مؤشرين إلى خمسة مؤشرات يفي بالغرض. العاملان اللذان استخدمناهما لقرارات إطلاق السراح قبل المحاكمة هما مؤشران معروفان جيداً لمخاطر الهروب، يمكن في حال عدم وجود هذه المعرفة التخصصية وضع قائمة بالعوامل باستخدام طرق إحصائية معيارية (مثلاً، الاختيار التدريجي للميزة stepwise feature selection).
  • أرجع النتائج باستخدام البيانات التاريخية (التهرب من المحاكمة) على أساس المؤشرات المختارة (العمر وعدد مرات تفويق مواعيد المحاكمة). يمكن تنفيذ هذه الخطوة بكود برمجي من خط واحد باستخدام البرمجيات الإحصائية الحديثة.
  • الخطوة السابقة هي نموذج يعطي لكل عامل ثقلاً رقمياً معقداً، ويتسم هذا النوع من الثقل بكونه دقيقاً إلى درجة كبيرة في العديد من تطبيقات اتخاذ القرار، ولهذا نقوم بتقريب الثقل لنأتي بنتائج ذات أعداد صحيحة.

ينتج عن استراتيجيتنا “اختر، أرجع، قرّب” حاسبة بسيطة لاتخاذ القرارات. والأهم في الأمر، أنّ طريقة إنشاء الحاسبة هي نفسها بسيطة. يمكن لأي محلل اتباع هذه الوصفة المكونة من ثلاث خطوات بالقليل من التدريب في الإحصاء وباستخدام برمجيات متوفرة مجاناً.

تعمل الحاسبات الإحصائية للقرارات على أفضل وجه عندما تكون الأهداف محددة ومعرفة بوضوح، وعندما تتوافر بيانات عن النتائج السابقة ومؤشراتها الأساسية. وفي حين تتحقق هذه المعايير، فإنّ القرارات المعتمدة على الإحصاءات ستتفوق في الغالب على الخبراء وحدسهم. وبإمكان أدوات بسيطة مع استراتيجيتنا البسيطة، أن تضع قوة تعلم الآلة في متناول الجمهور.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!