تابعنا على لينكد إن

على الرغم من استخدام الشركات المتزايد “لاستصدار الأفكار من الجموع عبر الإنترنت”، وذلك للحصول على أفكار جديدة لأعمالها، فإنه ليس من السهل حث الناس على تقديم أفكارهم الجديدة ضمن منصات الأفكار المبتكرة على الإنترنت، إذ تكشف بياناتنا لإحدى تلك المنصات توقف 65% من المساهمين عن زيارة الموقع ثانية، وتخلي الغالبية عن الزيارة بعد بضع محاولات. ونرى عمليات الخمول هذه منتشرة بشكل كبير في أماكن أخرى مثل شبكات التواصل الاجتماعي (مثلما نرى في تويتر الذي توقف غالبية مستخدميه عن المشاركة مع مرور الوقت). ويصعّب هذا بدوره من عملية الحصول على أفكار مبتكرة من الجموع. تُعتبر تلك الحالة أسوأ ما يصيب الشركة عندما تخسر زبوناً لديها: فعندما يتخلى زبون عن الشركة، تعرف الشركة تماماً قيمة ما فقدته، ولكن لا يمكن لأحد معرفة قيمة الأفكار التي خسرتها الشركة إن لم تعرف بها في المقام الأول.

مع وجود هذه القيود، لا تزال الشركات تحصل على الكثير من الأفكار المبتكرة من الجموع. وبفضل تلك النجاحات، تلجأ جهات كثيرة حالياً إلى استخدام مسابقات استصدار الأفكار من الجموع لإيجاد حلول مبتكرة لمشاكلها المختلفة، ما يزيد الطلب على ذوي الأفكار المبدعة لتقديم أفكارهم. وقامت شركة بيبسي على سبيل المثال باستخدام المسابقات تلك لتسع مرات من أجل الحصول على أفكار إبداعية لإعلاناتها خلال مباراة السوبر بول السنوية من أجل علامة دوريتوس التجارية لشركتها فريتو لايز (Frito-Lay’s)، كما قدمت مجموعة جوائز وصلت إلى مليون دولار للفائز. وتقوم الشركات الأخرى، مثل جنرال إلكتريك وديل وستاربكس، بتقديم منصات مفتوحة دائماً لزبائنها لتقديم أفكارهم باستمرار.

ومن المثير للدهشة، أنه عادة ما يتم تصميم عمليات استصدار الأفكار من الجموع بطريقة تزيد من احتمالية توقف الناس عن تقديم أفكارهم. ففي مسابقات الابتكار النموذجية، تُمنح المكافآت لبضعة فائزين فقط، بينما لا يحصل البقية على أي عائد على مشاركتهم. وغالباً ما يكون سبب اختيار هذه الآلية تحفيز المشاركين على بذل جهد أكبر، حيث تكون الجائزة الأولى مثلاً مرتفعة جداً مقارنة بجوائز المراتب الأخرى. وفي كثير من الأحيان، تكون هيكلية الجوائز مماثلة لهيكلية بطولة ويمبلدون للتنس، والتي فيها يفوز صاحب المركز الأول بضعف الجوائز المخصصة للوصيف وأربعة أضعاف من وصل لنصف النهائي. أما باقي المشاركين، يُتركون في نهاية المطاف خالي الوفاض.

يزيد نظام الجوائز القائم على تقديم الحصة الأكبر من كعكة الجائزة للفائز من حافز الفرد للفوز، لكنه يؤدي ترك الآخرين من دون أي شيء يقدّر جهودهم إلى تقليل حافزهم للمشاركة مرة أخرى بشكل كبير.

أكدت التجربة التي قمنا بها حول طريقة استجابة الوافدين لهذا النوع من بنية الجوائز ما ذكرناه أعلاه. وقمنا في تلك التجربة بدعوة مجموعة من المبتكرين للمشاركة في مسابقتين قمنا فيهما بوضع هيكلية جوائز مختلفة عن الأخرى. ووجهنا نصف المشاركين إلى مسابقة فيها فائز وحيد يأخذ الجائزة، والنصف الآخر إلى مسابقة ذات هيكل جوائز متعدد يحصل فيها أفضل 20 مبتكراً على جوائز. والأهم من ذلك، أنه كان مجموع الجوائز المالية متطابقاً في المسابقتين، وهو ما يعني أنّ المشاركين في مسابقة الجوائز المتعددة نالوا نفس ما ناله الفائز الوحيد في المسابقة الأخرى.

وبشكل يطابق ما ذكرناه في الأعلى، وجدنا أنه في المسابقات التي يحصل فيها فائز واحد على كل الجائزة، تكون الأفكار أفضل بكثير مقارنة بتلك التي قدمت مجموعة جوائز متعددة. ولكن النتيجة الأهم هنا: كانت أنه عندما دعونا نفس المجموعة للمشاركة مرة أخرى في مسابقة ثانية لاحقة، اختلف العدد بشكل كبير بين المسابقتين. فبينما اختار 50% من مشاركي مسابقة الجوائز المتعددة المشاركة من جديد، فضّل فقط 37% القيام بذلك في مسابقة الفائز الوحيد. وعلاوة على ذلك، أظهر المبتكرون الذين لم يحصلوا على مكافأة في المسابقة الأولى جهداً أقل بكثير في المسابقة الثانية وأوجدوا أفكاراً أقل. أما في المسابقة الثانية ذات الجوائز المتعددة، فقد تم توليد أفكار أفضل مقارنة بمسابقة الفائز الوحيد. وفي تأكيد لهذه النتائج، وجدنا آثاراً مماثلة في تقصي تجريبي شمل أكثر من 260 مسابقة و6,000 مبتكر في منصة الابتكار المفتوح (Atizo.com). ويُعتبر الأمر الأهم من ذلك، هو أنّ تلك البيانات تشير إلى أنه يمكن تخفيض نسبة انسحاب المبتكرين بإضافة المزيد من المكافآت (وإن كانت أصغر قيمة).

وتشير هذه التأثيرات التحفيزية إلى أنّ المشاركة والجهد الإبداعي والجودة لا تعتمد فقط على حوافز المسابقة، بل أيضاً على مدى استمتاع الأفراد بالمهمة نفسها. فلا تكون المكافآت فقط حافزاً، بل يمكن أيضاً أن تكون بمثابة عملية تواصل رمزية بين الطرفين. على سبيل المثال، وكما في حالة وكيل التأمين الذي يتلقى مكافأة معلناً عنها لتحقيق أكبر قدر من المبيعات، ترمز جوائز المسابقة إلى الإنجاز، حيث أنّ تلقي مكافأة هو حافز أساسي للمبتكرين في المسابقات. ولا يتصل الأمر بالمال فقط، بل يشير إلى الاعتراف بالكفاءة، وهو ما يؤثر إيجاباً على الدافع الذاتي للمبتكر، ويُعتبر المحرك الرئيسي للأداء الإبداعي.

لذلك، ينبغي للشركات التي تدير مسابقات متعددة مستمرة أن تكون على بينة من كيفية تأثير المكافآت على دوافع الأفراد بشكل يتجاوز تقديم مسابقة مفردة. ويمكن استخدام ردود الفعل حول المكافأة كأداة استراتيجية، خاصة من قبل الشركات التي تستضيف مسابقات بين مجموعة محددة ومخلصة من الأفراد (مثل قاعدة عملائها). ويساعد تقديم ردود فعل إيجابية للأفراد ذوي القدرة العالية في الحفاظ على دوافعهم ومشاركتهم في المسابقات المستقبلية. ويمكن للجوائز المتعددة أن تساعد على توليد جودة أعلى بمرور الوقت، حيث يمكنها الاحتفاظ بأفضل المبتكرين من ذوي الأداء المرتفع وتشجيع جهودهم الإبداعية.

أما الخبر السار بالنسبة للشركات القلقة بشأن التكاليف، هو أنه يمكن الاحتفاظ بالمبتكرين باستخدام أشكال أخرى إلى جانب المكافآت، كما يكشف تحليلنا لبيانات منصة أتيزو. ويمكن أن تكون للآراء الإيجابية غير النقدية الأخرى، مثل تشجيع التعليقات أو التقييمات، آثاراً مماثلة. وتُعتبر هذه التقنيات مهمة نظراً إلى أنّ تشجيع المبتكر يساعد الشركات المهتمة بأنشطة استصدار الأفكار من الجموع على النجاح على المدى الطويل. ويستلزم الحصول على تلك الأفكار إجراء مقايضة بين النتائج القصيرة الأجل والمشاركة طويلة الأجل، حيث تشير أبحاثنا إلى أنّ تلك الشركات ستحصل على عوائد أفضل على المدى البعيد، من ناحية الأفكار المبتكرة، في حال قامت بتوزيع عدد أكبر من الجوائز على المشاركين واهتمت بهم بشكل أكبر قليلاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz