كيف تتجاوب عادة مع صديق مقرب يخبرك عن محنة يمر بها أو خطأ ارتكبه؟ على الأغلب ستقدم له التعاطف وتحاول مواساته، وربما تحدثه بنبرة دافئة ومطمئنة أو تعانقه لإظهار الاهتمام به. وعندما يتعافى صديقك وتتابعان النقاش، هناك احتمال كبير أن توسّع من دعمك له بتشجيعه على القيام بما يلزم أو تحاول التوصل لطريقة تجنبه الوقوع في مآزق مماثلة.

الآن فكر معي قليلاً في طريقة تعاملك مع نفسك لو ارتكبت خطأً فادحاً أو مررت بانتكاسة في حياتك. ستكون على الأغلب أقسى عليها – ستطلق العنان للنقد الذاتي (أنا غبي)، وتختبئ وراء شعور من الحرج والخجل، أو تطيل التفكير في ما تراه موطن ضعف فيك أو حظاً سيئاً (لماذا حدث هذا لي؟). عندما لا تسير الأمور جيداً في حياتنا، نصبح نحن أسوأ أعداء أنفسنا.

إليك هنا أسلوباً يمكنك استخدامه كي تتعافى عاطفياً وتنهض من جديد: إنه التعاطف مع الذات.

أمضيت أكثر من 30 عاماً أستخدم التيقظ في ممارسة العلاج النفسي. هو وسيلة قوية تساعد الأفراد على البقاء حاضرين ومركزين على المهمة التي بين أيديهم. لكنني بدأت ألاحظ أنّ في التيقظ مكوناً حيوياً ضرورياً للرشاقة العاطفية كثيراً ما يتم التغافل عنه، ولا سيما عندما يكون فشلنا ذريعاً بحيث يؤدي لأن يغمرنا الخجل ويتفكك إحساسنا بذاتنا. جميعنا نعرف هذا الشعور: إذ لا نستطيع التفكير بشكل صائب، ونصبح عالقين مؤقتاً في الزمان والمكان، ومنفصلين عن أجسادنا، وغير واثقين من هويتنا. إنّ للخجل طريقته في محو أي وجود للمراقب الذي نحن بحاجته لنكون متيقظين للموقف الذي نعيشه.

ما الذي يتطلبه إنقاذ نفسك من التخبط الذي أنت فيه والبدء بمعالجة الموقف بفعالية؟ يتوجب عليك معاملة ذاتك بنفس اللطف وتقديم نفس الدعم الذي كنت ستقدمه لصديقك.

يُظهر عدد كبير ومتنام من الدراسات أنّ التعاطف مع الذات وثيق الصلة بالرشاقة العاطفية، بما في ذلك القدرة على تهدئة أنفسنا وتمييز أخطائنا والتعلم منها وتحفيز أنفسنا على النجاح. كما أنّ للتعاطف مع الذات علاقة متبادلة متسقة مع مجموعة عريضة من مقاييس الصحة العاطفية مثل التفاؤل والرضا في الحياة والاستقلالية والحكمة، وكذلك بمستويات متناقصة من القلق والإحباط والتوتر والخجل.

للاستفادة من هذه الميزات، يجب أن يتضمن التعاطف مع الذات ثلاثة مكونات كما ترى زميلتي الباحثة الرائدة في علم التعاطف مع الذات كريستين نيف:

  • التيقظ. أي إدراك ما يحدث في اللحظة الحالية. كي نكون لطيفين مع أنفسنا، نحتاج لإدراك أننا نعاني في نفس اللحظة التي نعاني فيها. سيساعدنا في هذا تسمية المشاعر التي نحسّ بها في المواقف العصيبة بأسمائها وأن نركّز على اللحظة التي نعيشها (ما نحس به أو نسمعه أو نراه). هذه جميعها مهارات مرتبطة بالتيقظ وتخلق فسحة للاستجابة المتعاطفة.
  • الإنسانية المشتركة. أي معرفة أننا لسنا وحدنا. يميل الكثيرون منا للاختباء وراء الخجل عندما تصبح الأمور سيئة فعلاً في حياتنا، أو الاختباء من الذات باللجوء للملهيات أو لما يُذهب العقل. يُعتبر الترياق المضاد هو إدراك إنسانيتنا المشتركة – وفهم أنّ الكثير غيرنا قد يشعرون بنفس الطريقة في مواقف مماثلة وأننا لسنا الوحيدين الذين نعاني في الحياة.
  • الرفق بالنفس. وهي شكل من الاستجابة الدافئة والطيبة لأنفسنا. ربما تتخذ أشكالاً عديدة منها: وضع اليد برفق على القلب أو التحقق مما نشعر به أو التحدث إلى أنفسنا بأسلوب مشجع أو القيام بتصرف لطيف مع أنفسنا كشرب فنجان من الشاي أو الاستماع للموسيقى.

عندما نشعر بتهديد، يغمر الأدرينالين نظامنا العصبي مما يتسبب بإنهاكه. وإنّ آخر ما نفكر بالقيام به في هذه الحالة هو إظهار بعض الاهتمام والرعاية بأنفسنا. من ناحية أخرى، عندما نشعر بروابط إيجابية ودافئة يطلق جسدنا الأوكسيتين، وهو الهرمون الذي يولد الشعور الجيد ويخفف من تأثير الأدرينالين. يبدو أنّ أخذ وقفة واعية ومن ثم منح استراحة لأنفسنا يؤدي إلى تفعيل نظام العطاء الداخلي في داخلنا، وهو ما يسمح للعقل بالصفاء ويمنحنا فرصة لاتخاذ خطوات عقلانية لحل المشكلة التي بين أيدينا.

مع أنّ التعاطف مع الذات ليس الخيار الافتراضي لدى معظمنا عندما تسوء الأمور، يمكن لأي شخص تعلمه. طورت نيف تدريباً يمكنك استخدامه في الحياة اليومية عندما تكون بأمس الحاجة للتعاطف مع الذات. يدعى “استراحة التعاطف مع الذات”. يعتمد التدريب على المكونات الثلاثة للتعاطف مع الذات التي شرحتها آنفاً. (ليس هذا إلا تدريباً واحداً نوفره كجزء من برنامج التدريب على التعاطف المتيقظ مع الذات والمدعوم تجريبياً).

خذ المثال التالي على التعاطف مع الذات. لنفترض أنّ مديرك كلفك بمهمة كبيرة تتضمن قيادة مشروع مهم. وكان المشروع ناجحاً، ويعود الفضل الكبير في نجاحه لمهاراتك القيادية، وأنت ترى أنك قد أظهرت فعلاً أحقيتك للحصول على ترقية. لكنك عندما تبلغ مديرك بالفكرة، تراه يضحك بشكل مهين ويغيّر الحديث. تشتعل غضباً وتتراجع عن الحوار وتسأل نفسك لماذا كلفت نفسك في المقام الأول عناء العمل بجد إن لم تكن ستحصل على أي تقدير، فمديرك لا يدعمك ولا يلاحظ ما فعلته حتى. ويبدو أنّ كل ما كان يسعى له هو أن يُسند هذه المهمة الشاقة لشخص ما كي يروّج لأجندته الخاصة. أو لعلك منفصل عن الواقع وبالفعل لم يكن أداءك جيداً كما تعتقد. تخترع عقولنا أشياء عجيبة عندما نكون في قبضة المشاعر القوية.

كشخص مهني ومحترف، قد ترى أنّ هذه هي اللحظة المثالية للدفاع عن أحقيتك في الترقية بصياغة شرح مقنع ومتوازن. لكن رد استجابتك العاطفية ستكون عائقاً في طريق تحقيق هذا إن لم تحصل على وقفة تعاطف مع الذات. وسيؤدي ذلك لجعل غضبك بادياً بدل إظهار مهاراتك القيادية، أو قد تجعل التشكيك بالذات يثنيك عن متابعة الحوار للوصول إلى حل مقبول.

كيف تمارس التعاطف مع الذات في هذه اللحظة؟ ابدأ بالإقرار بما تشعره. كأن تعترف بأنك لا زلت تشعر بالغضب (إنه فظيع، أنا أمقته)، أو أنك ضحية (جعلني أقوم بذلك كله– للاشيء؟)، أو الشك (ربما هو محقة بأنني لا أستحق ترقية – لم أكن أنا من قام بذلك العمل المهم في نهاية الأمر).

الخطوة التالي، اعترف بأنّ الآخرين كانوا سيختبرون مشاعر مماثلة في هذه المواقف. من المنطقي طلب ترقية بعد أن وسّعت مهاراتك واضطلعت بالمزيد من المسؤولية، ولهذا فإنّ رد فعلك على رفض الترقية أمر طبيعي. فكر في أمثلة عن أشخاص مرّوا بمثل هذه المواقف. قد تكون زميلتك من قسم المالية أخبرتك كيف رُفضت ترقيتها، ولاحظت وقتها كم كانت غاضبة وكيف بدأت تشكك في أهميتها. لست الوحيد الذي يشعر بهذا.

أخيراً، كن رفيقاً بنفسك. ما الذي كنت ستقوله لصديق لو كان في مكانك؟ قد تقول مثلاً: “ليس من الجيد أن يتلاعب بك الآخرون” أو “في النهاية، حقق المشروع نجاحاً عظيماً – انظر للأرقام”. فكر أيضاً كيف يمكنك الاعتناء بنفسك. هل تذهب للركض، أو تتصل بصديق؟ إن فعلت ذلك وأنت تعاني، فهذا اسمه تعاطف مع الذات.

حالما تحوّل إطار تفكيرك من حالة التهديد إلى حالة التعاطف، ستجد على الأغلب أنك أصبحت أكثر قدرة على الجلوس وكتابة مقترح عميق ومقنع حول ترقيتك، مقترح يبني على نجاحك في المشروع ويظهر إمكاناتك القيادية تحت الضغط.

وفي النهاية، يستبعد الكثير من الناس التعاطف مع الذات لاعتقادهم أنه يقف عائقاً في وجه طموحهم وعقليتهم النضالية، وهي السمات التي يرون أنها كانت سبب نجاحهم. لكن كونك متعاطفاً مع الذات لا يعني بالضرورة أنك شخص غير طموح أو لا يجتهد للنجاح. الأمر يتعلق بكيفية تحفيز نفسك؛ وبدل القيام به باللوم وانتقاد الذات يعمل التعاطف مع الذات عمل المدرب الجيد، بالتشجيع واللطف والدعم. هو تجسيد بسيط عن القاعدة الذهبية: أن نتعلم معاملة أنفسنا كما نعامل الآخرين الذين يحتاجوننا- بالرفق والدفء والاحترام.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!