تابعنا على لينكد إن

هل تتفاخر بكونك شخصاً ينشد الكمال؟

على عكس الإدمان والهواجس الأُخرى، تُعتبر الكمالية أمراً يحتفل به الكثيرون معتقدين أنها ميزة تستحق التفاخر. لكنها ربما تكون عائقاً أمام الإنتاجية والسعادة.

أُجريت مؤخراً مقابلة مع دافيد برنز مؤلف كتاب “الإحساس بالهناء” (Feeling Good) الذي توصل إلى هذه النتيجة. لقد توصّل بناء على أكثر من 35,000 جلسة علاجية إلى أنّ طلب الكمال هو الطريقة الأكثر ضماناً لتقويض السعادة والإنتاجية. هناك فارق بين السعي الصحي وراء التميز وبين الكمالية التعصبي، لكن هل وقعت يوماً في براثن الثاني بينما كنت تحاول القيام بالأول؟

في المستويات المتطرفة من الكمال، يصبح السعي للكمال اضطراباً مرضياً. يخبر برنز مثالاً جامحاً عن محام يصبح مهووساً بجعل شعره “مضبوطاً تماماً”. تراه يقضي ساعات أمام المرأة حاملاً المشط والمقص ويقوم بتعديلات إلى أن أصبح طول شعره بالكاد إنشاً. أصبح بعدها مهووساً بضبط مقدمة شعره فأخذ يقص منها أكثر قليلاً كل يوم حتى تراجع شعره كثيراً، وأصبح أصلع. كان بعدها ينتظر أن ينمو شعره لتبدأ القصة نفسها من جديد. في نهاية المطاف قادته رغبته في الحصول على شعر مثالي إلى التوقف عن ممارسة القانون كي تفرغ لهوسه.

هذا مثال متطرف بكل تأكيد، لكن هناك سبلاً أقل خطراً يقودنا بها حب الكمال للانخراط في نشاطات ثانوية، هل أصبحت يوماً مهووساً بإعداد تقرير مع أنّ مديرك يقول أنه جيد بما فيه الكفاية؟، هل فقدت يوماً غرضاً غير كثير الأهمية واستمريت مع ذلك بالبحث عنه؟، هل يطالبك زملاؤك كثيراً “أن تنسى الأمر”؟

يعود السعي “للكمال” بدل السعي لتحقيق “درجة كافية منه” بعواقب سلبية. حصل هذا لي مرة عندما طُلب مني أن أدرّس ورشة عمل لقادة شركة تقنية شهيرة. استغرقت وقتاً لفهم احتياجاتهم وتخصيص المواد الدراسية لهم. ومع أنه كان لدي مسبقاً الكثير جداً من المواد التي درسّتها مرات عديدة وعادت بنتائج رائعة إلا أنّ هوسي بجعلها مثالية دفعني للاستغناء عنها جميعها في الليلة السابقة، فكنت بالنتيجة منهكاً وغير مستعد. أحسست أنني مشوش وأنّ ما أقدمه يشوش على رسالتي الرئيسية. لو أنني سعيت لتحقيق شيء متوسط بدل شيء مثالي، لتمكنّت من التركيز أكثر على العميل في تلك اللحظة ولكانت الأمور اختلفت كثيراً بالنسبة لي.

تركني هذا أتساءل: ماذا لو كانت محاولة أن تكون عادياً طريقة أفضل لتسريع نجاحك؟

لدى المبالغين في الإنجاز توقعات كبيرة من أنفسهم بحيث أنّ كلمة “عادي” تعني لهم أنّ شخصاً آخر هو “الجيد” حقاً. لهذا بدل دفع نفسك لتحقيق 100% ( أو 110%، أيا كان ما يعنيه ذلك) يمكنك التحول لإعطاء 75% أو 50% مما يمكنك فعلاً تقديمه. وهي بالضبط الفكرة التي يوجزها شعار “المنجز أفضل من الكامل” وهو ما تلصقه شركة “فيسبوك” على جميع الجدران في مقرها ضمن مدينة مينلو بارك. لكن هذا ليس عذراً لتبرير العمل الرديء. الفكرة هي إعطاء المهندسين الإذن لإتمام دورات العمل والتعلم سريعاً بدل البقاء رهينة لحس من الكمال غير قابل للتحقيق.

لكلمة (perfect) أصل لاتيني، يعني حرفياً “جيد الصنع” أو “منجز بدقة”. هناك ترجمة أُخرى  بمعنى “منجز”، ومع ذلك فنحن نستخدمها اليوم بمعنى الخالي من العيوب. إذا كان لابدّ لك إلا والسعي للكمال ، فاستخدم على الأقل التعريف الأول بدل التعريف الأخير (غير القابل للتحقيق).

إذا كنت من الكماليين أو شخصاً مبالغاً بالإنجاز أو مدمناً على العمل فأنت في الغالب معتاد على مواجهة التحديات الكبيرة، لدرجة أنّ طبيعة هوسك تجعلك تستسهل فعل ما هو صعب. وللمفارقة، ستجد صعوبة في البداية خلال محاولة أن تكون عادياً.

لفهم السبب، نحن بحاجة لأن نفهم دور الخوف في السعي وراء الكمال: “إذا لم أقم بملء ما تراه مناسب هنا على أكمل وجه سيحدث أمر سيء”. ناشدو الكمال معتادون على هذا القلق بحيث أنّ هذا الشعور لم يعد شعوراً واعياً لديهم، هو فقط وقود يبقيهم يعملون ويتدربون.

ويكون الكمال مع المنطق خاطئاً تماماً، إلا أنّ الشعور نفسه حقيقي بالتأكيد. بالنتيجة، تتطلب محاولة الكماليين أن يصبحوا عاديين شجاعة أكبر مما يتطلبه الاضطلاع بأي تحد آخر. كما أنه يصيبهم بالخوف، لأنهم لم يختبروا يوماً ميزات الأداء العادي.

هكذا يصف برنز الأمر: “هناك بابان للمعرفة. أحدهما عليه علامة كمال والآخر عليه علامة عادي. باب الكمال مزخرف ومبهرج ومغر. تحاول الدخول من باب الكمال وتجد دوماً حائطاً قرميدي على الجانب الآخر. بالمقابل، هناك في الجانب الآخر من باب العادي حديقة سحرية لعله لم يخطر يوماً على بالك أن تفتح الباب وتنظر ما وراءه”. وكما يكتب برنز في دراسة حالية ضمن مدونته، “الكثير من المعاناة في حياتنا مصدرها حبنا للكمال واعتقادنا بأنّ علينا التميز. لكن الحياة تصبح مميزة عندما لا يعود لزاماً عليك أن تكون مميزاً. ولعل هذا ما أشار إليه بوذا عندما تحدث عن “الموت العظيم”، أو موت الأنا”.

إذا كنت ترى في نفسك شخصاً يستسهل الإقدام على المهام الصعبة، فأنت تصّعب الأمور على نفسك: جرّب أن تكون عادياً ليوم واحد. ربما يفاجئك ما تكتشفه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "جرّب أن تكون عادياً ليوم واحد"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Abdallh.Muhamad
Member
Abdallh.Muhamad
9 شهور 27 أيام منذ

كان هناك رجل دائما يلمع حذائه ويهتم به جدا ……….. فى كل مكان كل لحظه حتى بلغ الامر ان اصبح منحنى الظهر
من كثر انحنائه للتلميع حذائه

كن عادى

wpDiscuz