تابعنا على لينكد إن

في آخر تصنيف أصدره البنك الدولي عن سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، حققت رواندا التي دُمرت مؤسساتها وهلك شعبها نتيجة الإبادة الجماعية في التسعينات قفزة هائلة بالانتقال من المركز 143 في القائمة إلى المركز 67. حيث انطلقت رواندا بقوة ضمن قائمة البنك الدولي من النطاق الذي يضم هاييتي وليبيريا والضفة الغربية وغزة وأبحرت متجاوزة إيطاليا وجمهورية التشيك وتركيا وبولندا. وحازت على المركز الحادي عشر على مستوى العالم في مؤشر سهولة فتح نشاط جديد.

وبمقدورك رؤية وتحسس دلائل ثورة الأعمال في رواندا داخل متاجر “كوستكو” (Costco)، وهي من أكثر عملاء عالم البيع بالتجزئة صرامة، حيث تعرض رفوفها القهوة ذات الرائحة النفاذة التي ينتجها رواد الأعمال من صغار الفلاحين بالبلاد. وتظهر تلك الدلائل في رواندا ذاتها بشكل قوي، إذ وصل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي تقريباً إلى أربعة أضعاف ما كان عليه في عام 1995. وهذا هو نوع التغيير الذي يمكن أن تحدثه ريادة الأعمال في بلد ما. وكما قال رئيس رواندا بول كاغامي مؤخراً: “إنّ ريادة الأعمال هي أكثر الطرق المضمونة لتحقيق التنمية”. وليس ذلك رأيه وحده، إذ تربط الدراسات الاقتصادية من جميع أرجاء المعمورة باستمرار بين ريادة الأعمال، وبخاصة الأنواع السريعة النمو منها، وبين خلق الوظائف ونمو إجمالي الناتج المحلي والزيادات الطويلة الأمد في الإنتاجية.

وسوف ترى فوق رفوف متاجر “كوستكو” دلائل ملموسة أُخرى لقصص نجاح غير متوقعة لريادة الأعمال. فعلى بعد خطوات من القهوة الرواندية، ستجد أسماكاً طازجة من تشيلي، والتي تحتل في الوقت الحالي المرتبة الثانية لتوريد أسماك السلمون بعد النرويج. وتم توريد السمك التشيلي الموجود في المتاجر الأميركية عبر مئات المشروعات الجديدة المرتبطة بصناعة الأسماك، والتي أُنشئت في الثمانينيات والتسعينيات. وعلى مقربة منها، تبيع صيدلية “كوستكو” أدوية مكافئة من إنتاج شركة “أكتافيس” (Actavis) الأيسلندية، التي جعلها صعودها الصاروخي في غضون عشر سنوات فقط تنضم لأكبر خمس شركات عالمية رائدة في صناعة الأدوية المكافئة.

وعليه، تعد رواندا وتشيلي وأيسلندا جميعاً أرضاً خصبة لريادة الأعمال، ويعود الفضل في ذلك لجهود حكومات تلك الدول. وعلى الرغم من أنّ الشركات التي تقف خلف المنتجات الموجودة على رفوف “كوستكو” أنشأها رواد أعمال مبتكرون، فقد امتدت إليها جميعاً يد العون بصورة مباشرة أو غير مباشرة من قبل قادة الحكومات الذين ساعدوا على خلق بيئات تحتضن ريادة الأعمال وتساندها. حيث أضحت هذه الأنظمة الإيكولوجية لريادة الأعمال بمثابة الحل السحري للحكومات حول العالم.

ولسوء الحظ، تتبع العديد من الحكومات منهجاً خاطئاً في بناء النظم الإيكولوجية لريادة الأعمال. حيث يسعون خلف نموذج لا يمكن الوصول إليه من النظام الإيكولوجي، ويقتبسون أفضل الممارسات من اقتصادات تختلف كلياً عن اقتصاداتهم. وبشكل متزايد، صارت أفضل الممارسات تأتي من بقاع نائية في الأرض وتندر فيها الموارد وكذلك الأطر القانونية والحوكمة الشفافة والقيم الديمقراطية. فأخذت ريادة الأعمال في تلك الأماكن شكلاً جديداً كلياً.

وفي حين تظهر الممارسات الجديدة بشكل ضبابي ومن خلال التجربة والخطأ. لا ينبغي لتلك الفوضى أن تُثني عزم القادة، فهناك الكثير على المحك. وهناك ضرورة لأن تستكشف الحكومات جميع الخبرات المتوافرة، وتلتزم بالتجريب المتواصل. وعليهم اتباع مجموعة وصفات غير مكتملة ودائمة التغيير، مع مراجعتها وتنقيحها بصورة مستمرة. وأما البدائل مثل قضاء عقود في وضع مجموعة نموذجية من الإرشادات أو العمل بصورة عشوائية أو عدم فعل شيء على الإطلاق فهي أمر غير مقبول.

لكن الحكومة لا تستطيع أن تفعل كل شيء بمفردها، فينبغي على القطاع الخاص وقطاع المؤسسات غير الربحية أن يضطلعا ببعض المسؤولية أيضاً. إذ أنّه في حالات كثيرة، قام المدراء التنفيذيون بالشركات وملّاك الشركات العائلية والجامعات والمؤسسات المهنية ومؤسسات العمل والممولون، وبالطبع رواد الأعمال أنفسهم، بإطلاق وتمويل أنشطة تعليمية ومؤتمرات وأبحاث حول ريادة الأعمال وتأييد السياسات التي تشجعها. وكما سنبيّن لاحقاً في هذا المقال، أحياناً تُسّهل المبادرات الخاصة على الحكومات العمل بصورة أسرع وأكثر فعالية، وينبغي على الجهات المعنية الحكومية وغير الحكومية أن تستغل كل فرصة لإظهار تمتّعها بقدرات قيادية حقيقية.

ولتحقيق التقدم، يحتاج القادة لخرائط وإرشادات عملية توجههم، حتى وإن كانت غير مكتملة. ومن خلال ما تعلمناه من البحث والتطبيق، نسرد فيما يلي ما ينجح بالفعل في تحفيز النظم الإيكولوجية المزدهرة لريادة الأعمال.

تسع وصفات لخلق نظام إيكولوجي لريادة الأعمال

يتكون النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال من مجموعة عناصر منفردة، وهي القيادة والثقافة والأسواق الرأسمالية والمستهلكون أصحاب العقول المتفتحة، وتمتزج جميعاً بطرق معقدة. وعند توافر كل عنصر من العناصر السابقة بمفرده يؤدي ذلك للوصول إلى ريادة الأعمال، إلا أنه غير كاف لاستمراريتها. وتلك هي النقطة التي تُخطئ فيها جهود الحكومات. حيث إنها تتناول عنصراً واحداً أو اثنين ليس إلا. وبالرغم من ذلك، فإن تلك العناصر مجتمعة تدفع إنشاء المشاريع ونموها إلى الأمام بسرعة فائقة. وينبغي على قادة الحكومات عند دمج تلك العناصر في نظام واحد شامل أن يركزوا على العناصر التسعة الأساسية التالية.

1الكف عن تقليد وادي السيليكون. لا جدال في أن وادي السيليكون هو المعيار الأمثل للنظام الإيكولوجي لريادة الأعمال، ومقر الشركات العملاقة التي أحدثت تغييراً جذرياً في مجالات العمل، من أمثال “إنتل” و”أوراكل” و”جوجل” و”إيباي” و”أبل”. فالوادي يتوافر فيه كل شيء (التقنية والمال والموهبة ومجموعة من المشروعات المحورية، وثقافة تشجع على الابتكار التعاوني وتتسامح مع الفشل). ومن هنا، يمكن أن نفهم لماذا يشير القادة من أنحاء العالم إلى كاليفورنيا ثم يقولون: “أريد تلك”.

لكن النظر بعين الحسود إلى وادي السيليكون يُعد معياراً خاطئاً لثلاثة أسباب. أولها، وهو أمر يدعو للسخرية، أنه لو حاول وادي السيليكون اليوم الوصول لما هو عليه مجدداً لما استطاع لذلك سبيلاً. فقد تطور نظامه الإيكولوجي في ظل مجموعة فريدة من الظروف، منها: صناعة طيران محلي قوي وثقافة كاليفورنيا المنفتحة، إلى جانب علاقات جامعة ستانفورد الداعمة بالصناعة، وكم هائل من الاختراعات على يد شركة “فيرتشايلد ســيـميـكونـدكـتـور” (Fairchild Semiconductor)، وسياسة هجرة مفتوحة تجاه طلاب شهادات الدكتوراه، والحظ الصرف، وغير ذلك من الأمور. حيث نشأ عن كل تلك العوامل تطور عشوائي يخرق التحديد النهائي للسبب والمسبب.

علاوة على ذلك، فإن وادي السيليكون تغذيه وفرة من الخبرة التقنية والفنية. حيث “الصناعة المعرفية” شعار الحكومات في كل مكان هناك ويُعد طموحاً محموداً، وتحقيقه يتطلب استثماراً هائلاً في مجال التعليم على مدار عدة أجيال، إضافة إلى القدرة على تطوير حقوق فكرية ذات مستوى عالمي. وفوق كل هذا، تتطلب الصناعة المعرفية إلى المسار التقني. ولنضع في حسباننا أنّ كبار المستثمرين الرأسماليين يستثمرون في أفضل 1% من الشركات المعرفية التي يدرسونها، ونسبة كبيرة من تلك المجموعة المنتقاة يكتب لها الفشل.

والخطأ الثالث يتعلق بواقع الأمر لوادي السيلكون، فهو ليس مكان يحتضن المشاريع المحلية وحسب، إذ يُعد بالقدر نفسه مغناطيساً عملاقاً لرواد الأعمال الجاهزين ممن يتدفقون على المكان من كل بقاع الأرض، حيث يشكّلون في الغالب ثقافات ومؤسسات عرقية خاصة بهم، وهو ما يطلق عليه غوردون موور (Gordon Moore)، أحد كبار المطلعين على شؤون الوادي، “صناعة المشروعات” (industry of transplants). وإذا كان من الصعب إنشاء نظام إيكولوجي يشجع السكان الحاليين على دخول دنيا ريادة الأعمال ومن ثم النجاح فيها، فإن خلق “مقصد” لرواد الأعمال شيء أصعب.

2شكِّل النظام الإيكولوجي حسب الظروف المحلية. إذا لم يكن وادي السيليكون هو الرؤية التي ينبغي على قادة الحكومات أن يتطلعوا إليها، فما هو إذن؟ يتمثل أصعب الأمور وأكثرها أهمية في الوقت ذاته بالنسبة للحكومة في تصميم النظام الإيكولوجي ليناسب أبعاد ريادة الأعمال المحلية وأسلوبها ومناخها.

إذ توضح الاختلافات الكبيرة بين رواندا وتشيلي المبدأ القائل بأنّ بمقدور القادة تبني الحلول المبنية على واقع ظروفهم الخاصة، سواء المتعلقة بمواردهم المحلية وموقعهم الجغرافي أو بثقافتهم. حيث اتبعت حكومة رواندا استراتيجية قائمة على التدخل الشديد في السنوات التي تبعت عمليات الإبادة الجماعية، إذ حددت ثلاث صناعات محلية (القهوة والشاي والسياحة) والتي يمكن أن تكون واعدة من المنظور التنموي. فقامت بتنظيم المؤسسات التي ستدعم تلك الصناعات. وعلى سبيل المثال، من خلال تدريب المزارعين على كيفية زراعة وتعليب القهوة طبقاً للمعايير الدولية، وربطهم بقنوات التوزيع الدولية. تمثلت أولوية رواندا العاجلة في توفير وظائف مربحة للملايين من السكان. وأثمرت جهودها عن خلق 72 ألف مشروع جديد تقريباً، والتي كانت في السواد الأعظم منها تضم عمليات يديرها شخصان أو ثلاثة، ونتج عنها في غضون عقد من الزمان مضاعفة الصادرات بمقدار ثلاثة أضعاف وتقليل الفقر بنسبة 25%.

في حين ركزت تشيلي على الصناعات التي تمتلك فيها موارد طبيعية وفيرة مثل صيد الأسماك. وعلى غرار رواندا، اتبعت الحكومة سياسة تدخل قوية بالنسبة للنظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في الأعوام الأولى من حكم الرئيس الأسبق أوغستو بينوشيه، حيث سهّل الفكر الرأسمالي للديكتاتور حصول الطبقة الوسطى على القروض من أجل الحصول على تراخيص عمليات صيد الأسماك وتمويلها. كما قامت الحكومة بتقليص عدد العمال بشكل جائر من أجل خفض تكاليف مدخلات المشاريع الجديدة، وأبقت عملة البلاد رخيصة للحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق التصديرية.

لكنَّ الموارد الطبيعية لا تُعد في الغالب عنصراً حيوياً في النظام الإيكولوجي. إذ في كثير من الأحيان يتم تحفيز ريادة الأعمال عندما تندر تلك الموارد، وهو ما يتطلب من الأفراد أن يكونوا مبتكرين. حيث قامت كل من أيسلندا وأيرلندا ونيوزيلندا، وكلها جزر قليلة الموارد وبعيدة عن الأسواق الكبرى، بتطوير نظم إيكولوجية تقوم جميعاً على رأس المال البشري.

3أشرك القطاع الخاص منذ البداية. لا تستطيع الحكومات بمفردها بناء النظم الإيكولوجية. فالقطاع الخاص وحده الذي يملك الدافع والمنظور لتطوير أسواق مدفوعة بالأرباح وذاتية الاستدامة. ولهذا السبب يجب على الحكومات إشراك القطاع الخاص مبكراً والسماح له بالاضطلاع بقسط وافر في نجاح النظام الإيكولوجي أو اكتسابه.

وتتمثل المحادثات الودية بين القطاعين الخاص والعام إحدى الطرق التي يتم من خلالها إشراك القطاع الخاص في التواصل مع ممثليه للحصول على نصيحة مبكرة صريحة فيما يتعلق بتقليل الحواجز الهيكلية وصياغة سياسات وبرامج صديقة لرواد الأعمال. وفى حال عدم توافر الخبرة المطلوبة محلياً، يمكن الحصول عليها من خلال المغتربين في الخارج. حيث قامت حكومة تايوان في الثمانينيات بالتواصل مع التايوانيين المغتربين، وذلك بطلب مشورة أشهر المدراء التنفيذيين في شركات التقنية الأميركية وإنشاء منتديات دائمة لجمع آرائهم. وبالفعل أنشأت الحكومة برامج بناء على مقترحات هؤلاء المغتربين الذين أعجبتهم الطريقة التي نُفذت بها أفكارهم بدرجة كبيرة، ما جعلهم يعودون إلى وطنهم في مجموعات كبيرة خلال التسعينيات، فشغل الكثيرون مناصباً بارزة لوضع السياسات أو لإدارة المصانع التي بُنيت. وعلى سبيل المثال، عاد موريس تشانغ (Morris Change) نائب رئيس مجموعة “تكساس إنسترومنتس” (Texas Instruments) إلى الوطن وأنشأ مصنع “تي إس إم سي” (TSMC.

4 ادعم المشاريع عالية الإمكانات. توزع العديد من البرامج في الاقتصادات الناشئة الموارد القليلة بين عدد من مشروعات الطبقة المعدمة في المجتمع. كما أنّ عدداً من تلك البرامج، مثل برنامج مؤسسة “كارفاجال” (Carvajal) في كولومبيا، زادت من دخل بعض شرائح المجتمع. لكن تركيز الموارد هناك لدرجة إقصاء المشروعات الاستثمارية عالية الإمكانات يعدُّ خطأ فادحاً.

وفي عصر صار فيه التمويل المتناهي الصغر لرواد الأعمال من أصحاب المشاريع الصغيرة هو الاتجاه السائد، تبدو إعادة توجيه الموارد لدعم رواد الأعمال من أصحاب المشروعات عالية الإمكانات أمراً نخبوياً أو غير منصف. ولكن عندما تكون الموارد محدودة بشكل خاص، ينبغي أن تركز البرامج على رواد الأعمال الطموحين الذين لديهم توجه لتحقيق النمو ويستهدفون أسواقاً محتملة كبيرة.

حيث تختلف أسس الاقتصاد الاجتماعي للمشروعات الاستثمارية ذات الإمكانات العالية بصورة كبيرة عن تلك الخاصة ببدائل التوظيف في المشروعات الصغيرة. إذ بينما تخلق 500 مؤسسة فردية ذات تمويل متناهي الصغر عدد الوظائف نفسه الذي يخلقه مشروع واحد عالمي النطاق يعمل به 500 شخص، يقول كثير من الخبراء: “أنّ أعباء خلق الثروة والقدرة على إلهام الشركات الناشئة الأخرى، وإثراء القوة العاملة والقيمة الخاصة بالسمعة، تكون أكبر بكثير في حالة المشروع الثاني”. ومن المؤسسات التي تُدرك ذلك هيئة “إنتربرايس أيرلندا” (Enterprise Ireland)، وهي هيئة حكومية مسؤولة عن دعم نمو الشركات الأيرلندية ذات المستوى العالمي. ولقد أنشأت برنامجاً خُصص لتوفير التدريب والمساعدة المالية للشركات الناشئة ذات النطاق العالمي، والتي تُعرّفها بأنها مشروعات استثمارية موجهة للتصدير وتقوم على تقنية مبتكرة، وبمقدورها أن تولّد على الأقل مليون دولار من المبيعات و10 وظائف في ثلاث سنوات. أما مؤسسة “إنديفور” (Endeavor) الدولية غير الربحية، التي تُركز على تنمية ريادة الأعمال في 10 اقتصادات ناشئة، فقد تبنت حتى وقتنا هذا 440 من رواد الأعمال الذين يتمتعون بقوة التأثير، والذين يقومون، بتوجيه من “إنديفور”، بتحويل نجاحهم إلى نماذج يُحتذى بها لأبناء بلادهم.

وعليه، ليست كل المشروعات الاستثمارية عالية الإمكانات مرتكزة على التقنية، وتعدُّ شبكة “سابيس” (SABIS) مثالاً رائعاً على ذلك، وهي مؤسسة متخصصة في إدارة التعليم أُسست في لبنان منذ عدة سنوات كمدرسة منفردة، أما الآن فإنّها من أكبر مؤسسات إدارة التعليم في العالم، حيث تقوم بتعليم 65 ألف طالب في 15 دولة، وتهدف إلى الوصول بعدد الطلاب إلى 5 ملايين بحلول عام 2020.

5 حقق فوزاً كبيراً على أرض الواقع. إذ اتضح في السنوات الأخيرة أنّ نجاحاً واحداً فحسب يمكن أن يكون له نتائج محفزة ومفاجئة على النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال، وذلك من خلال إشعال خيال العامة وإلهام المقلدين، وهو التأثير الذي أُطلق عليه “قانون الأعداد الصغيرة”. حيث تردد في كل أرجاء دولة إستونيا صدى استخدام الملايين لتطبيق “سكايب” (Skype) وبيعه في نهاية الأمر “لإيباي” (eBay) بمبلغ 2,6 مليار دولار، ما شجع الحاصلين على تدريب فني عال على بدء شركاتهم الخاصة. وفي الصين، ألهمت حصة شركة “بايدو” (Baidu) من السوق والاعتراف العالمي بمكانتها جيلاً كاملاً من رواد الأعمال الجدد. كما أن النجاح الرائع لشركة “سيلتيل” (Celtel) كأكبر مزود لخدمات الجوَّال على المستوى الإقليمي في جنوب الصحراء الكبرى، واستحواذ شركة “زين” عليها فيما بعد مقابل أكثر من 3 مليارات دولار، رفع كبرياء المنطقة وساعد الحكومات الأفريقية على مكافحة “الخوف من أفريقيا” الذي ينتاب المستثمرين. وفي أيرلندا، كانت شركتا “إيلان” (Elan) و”إيونا للتقنية” (Iona Technology)، المدرجتان في مؤشر “ناسداك” في عامي 1984 و1997 على التوالي، بمثابة الضوء الذي أرشد جيلاً من رواد الأعمال الناشئين.

في غضون ذلك، تساعد النجاحات المبكرة والواضحة على تقويض الأفكار المتعلقة بالمخاطر والحواجز التي تقف أمام ريادة الأعمال، بينما تركز على المردودات الملموسة. فحتى النجاحات المتواضعة يمكن أن يكون له تأثير. فالسعودية التي تعاني شحاً في مشروعات ريادة الأعمال بخلاف مجموعات الشركات العائلية القوية، تكافح بقوة من أجل القضاء على العوائق الهيكلية والثقافية العديدة التي تواجه رواد الأعمال. إذ قام شاب سعودي يدعى عبد الله المنيف بترك وظيفته ذات الراتب الممتاز وأعدّ العدة وحارب البيروقراطية وبدأ مشروعاً لإنتاج التمور المغطاة بالشوكولاتة. وفي نهاية المطاف تحولت شركته “أنوش” (Anoosh) إلى 10 محلات في أكبر الشوارع التجارية، ثم حول اهتمامه بعد ذلك إلى الأسواق الخارجية. وفي الوقت الحالي، عندما يظهر المنيف كأحد المتحدثين في ندوات رواد الأعمال، يتهافت عليه رواد الأعمال السعوديون الطموحون ممن تلهمهم شجاعته، مدركين بأن رأس المال والتقنية والعلاقات لا تُعد جميعاً أمراً حيوياً للنجاح.

ولا ننسى أيضاً أهمية الإفراط في الاحتفاء بالنجاحات. إذ ينبغي أن تكون الحكومات جريئة فيما يتعلق بالاحتفاء بمشروعات ريادة الأعمال المزدهرة. وفي هذا الصدد يكون هناك أثر كبير للفعاليات الإعلامية والجوائز التي تحظى بدعاية كبيرة، والذكر في المكاتبات الحكومية والخطابات والمقابلات.

ليس هذا الأمر على القدر نفسه من البساطة التي يبدو عليها، وذلك لأن كثيراً من الثقافات لا تشجع على التعبير عن النجاح بشكل علني، لأنه يعدُّ تفاخراً أو جالباً لسوء الحظ أو لمحصل الضرائب. في هونغ كونغ مثلاً، حتى رواد الأعمال الصغار يقودون سيارات مرسيدس لإظهار وضعهم، في حين أن تباهي المرء علناً بالنجاح في الشرق الأوسط يمكن أن يؤدي للحسد من الجيران أو لما هو أسوء، كالنحس.

في حين استطاع أول مركز اتصال دولي في كينيا، وهو “كين كول” (Ken Call) الذي أسسه نيكولاس نيسبت (Nicholas Nesbitt) واثنان من شركائه في عام 2004، أن يحقق حضوراً دولياً بتخطي الكثير من العقبات البيروقراطية والهيكلية، ومنها عدم وجود اتصال عالي السرعة باستخدام الألياف الصناعية بشبكة الاتصالات العالمية. حيث لم تنتظر الحكومة الكينية حتى تتحول “كين كول” لشركة كبيرة كي تغدق عليها المديح، فحتى عندما كانت لم تزل شركة ناشئة، أحضرت الحكومة وفوداً أجنبية لزيارة الشركة وقامت بالدعاية لها في المطبوعات الرسمية والبيانات الصحفية، كما استضافت مؤتمراً دولياً عن التعهيد. واستخدم المسؤولون الحكوميون نموذج “كين كول” للمضي قدماً في الإصلاحات، ما سرّع إنشاء أول وصلة تحت البحر من الألياف الصناعية في شرق أفريقيا.

“قد يكون لنجاح واحد وحسب نتائج محفزة مفاجئة على النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال – وذلك من خلال إشعال خيال العامة وإلهام المقلدين. وهو التأثير الذي أطلق عليه “قانون الأعداد الصغيرة”.

6– تعامل مع التغيير الثقافي بشكل مباشر. مع أنّ تغيير الثقافة المتأصلة أمر صعب للغاية، غير أنّ كلاً من أيرلندا وتشيلي أثبتتا عكس ذلك. فحتى الثمانينيات، كان العمل في الحكومة أو قطاع الخدمات المالية أو الزراعة هو الطموح الأول لدى الشباب الأيرلندي. ولم يكن هناك أي تسامح تجاه التخلف عن سداد القروض، كما كان يُعد الإفلاس وصمة عار. وكان الوالدان يثنون أبناءهم عن البدء بعمل مستقل، ومن ثم كان لدى القليلين فقط حلم ببدء عملهم الخاص. ولكن بحلول التسعينيات، وبعد أن مهد الرواد الأوائل الطريق، تم إطلاق مئات من شركات البرمجيات في أيرلندا. إذ كان بعضها يصدِّر منتجاته، في حين أُدرج البعض الأخر في سوق المال، وحقق العديد منها عوائد مبيعات متعافية. وبالقدر نفسه من الأهمية، تعلم رواد الأعمال أنّ الفشل أمر وارد، وعندها عليهم إعادة استجماع قوتهم والمحاولة مرة أخرى. حيث يقول باري مورفي (Barry Murphy)، الذي شغل منصب المدير القطري للبرامج الجاهزة في الشركة التي انحدرت منها “إنتربرايس” أيرلندا في التسعينيات: “إن أردتَ أن تحظى بالاحترام وأن يأخذك الناس على محمل الجد، فعليك أن تكون مؤسساً لشركة وتسعى تحقيق شيء ما، وأن تكون شريكاً بها أيضاً”.

إلى جانب ذلك، تصف البروفيسور راتشيل شورمان (Rachel Schurman)، من جامعة “مينيسوتا”، في بحث لها كيف تغيرت صورة رواد الأعمال الشيليين السلبية في غضون عقد واحد، والتي تصورهم كمستغلين جشعين، وذلك كنتيجة مباشرة للجهود الحثيثة للحكومة الشيلية من أجل تحرير الاقتصاد. فحتى الثمانينيات، لم تكن الطبقة الوسطى ذات التعليم الجيد في تشيلي من بين رواد الأعمال، وكانوا يتجنبون الاستثمار المدفوع بالفرص، كما كانوا يفضلون الاستهلاك على التوفير والاستثمار. ولكن بحلول التسعينيات، كان رواد الأعمال الشيليين من الطبقة الوسطى يقولون لشورمان: “اليوم يرغب الشباب والجميع في أن يصبحوا رواد أعمال. وعندما يتم استضافة رائد أعمال ناجح في التلفاز أو الصحف، فإن الجميع يقرؤون ما يقول. لماذا صار ناجحا؟ وكيف حقق ذلك؟ ذلك نموذج لم يكن موجوداً من قبل”.

وفي السياق ذاته، تستطيع وسائل الإعلام لعب دورها المهم ليس في الاحتفاء بالنجاحات وحسب، بل في تغيير السلوكيات أيضاً. حيث في “بورتو ريكو”، قامت صحيفة “إل نوفو ديا” (El Nuevo Dia)، وهي أكبر صحيفة يومية في البلاد، بمساندة ريادة الأعمال المحلية من خلال تخصيص صفحة أسبوعية لسرد قصص نجاح الشركات الناشئة. وسرعان ما صارت تلك القصص في الجزيرة الصغيرة جزءاً من الأحاديث الاجتماعية، وزادت من الوعي الذي تقدمه ريادة الأعمال، إضافة إلى معرفة الأدوات التي تتطلبها.

7– شدد على الجذور. من الخطأ أن تُغدق على رواد الأعمال المال السهل، حتى وإن كانوا من أصحاب المشاريع ذات الإمكانات العالية. إذ يجب أن تتعرض المشاريع الجديدة منذ وقت مبكر لصرامة السوق. وكما يمنع المزارع الماء عن كرم العنب كي يمد من جذوره ويجعله ينتج نكهة أكثر تركيزاً، ينبغي على الحكومات تقوية جذور المشاريع الجديدة من خلال توفير المال لها بحرص، وذلك حتى يضمنوا كسب رواد الأعمال الصلابة وسعة الحيلة. وتساعد تلك الإجراءات كذلك في القضاء على الانتهازيين.

في عام 2006، استجابت وزارة ريادة الأعمال والتنمية التعاونية في ماليزيا لـ90% من المتقدمين البالغ عددهم 21 ألفاً ومنحت كلاً منهم 5 آلاف دولار أميركي كدعم لأعمالهم، وهو ما يُعد دليلاً قوياً على التزام الحكومة تجاه ريادة الأعمال. وكان هذا جزءاً من برنامج التمييز الإيجابي الذي كان يستهدف سكان الملايو الأصليين، والذين كانوا أقل ميلاً لريادة الأعمال مقارنة بالمهاجرين الصينيين أصحاب العقلية التجارية. ومع ذلك، عزى رواد الأعمال من الملايو النتائج المخيبة للآمال جزئياً إلى حقيقة أنّ التمويل كان غير مقيد، بل إنه وصم المتلقين من الملايو بأنهم أقل كفاءة. وبشكل أعم، فإنّ برامج تنمية ريادة الأعمال الماليزية التي ينظر إليها كثيرون، وأنا منهم، على أنها من بين أكثر البرامج شمولية في العالم، وُجهت لها انتقادات، لأنها في واقع الأمر تثبط ريادة الأعمال بين الملايو، حيث تقوي فيهم بشكل غير مقصود عدم الإقدام على المخاطرة. وعلى نحو مماثل، توصلت التقارير الصادرة مؤخراً، المتعلقة ببرنامج التمكين الاقتصادي للسود في جنوب أفريقيا، إلى نتيجة مفادها أنّ هذا البرنامج ثبط ريادة الأعمال بين غالبية السود في جنوب أفريقيا.

وفي واقع الأمر، تُعتبر البيئات التي تقل فيها الموارد أكثر عدائية، وتشجع في الغالب على سعة الحيلة لدى رواد الأعمال. إذ يطلق النيوزيلنديون على مهارة أبناء بلادهم عبارة “السلك رقم 8”. حيث في العصر الاستعماري للبلاد، كان أكثر الموارد وفرة هو سلك الأسوار مقياس 8، وتعلم النيوزيلنديون كيف يصنعون كل شيء باستخدام هذا السلك. فقامت ريادة الأعمال في أيسلندا على موروث البلاد القائل “صد السمك ما دام موجوداً، وليس عندما يكون الطقس جيداً”.

ولسنوات كانت الحاضنات أو مراكز ريادة الأعمال التي توفر الدعم المالي والتدريب، كما توفر المساحة للأعمال الناشئة، من الأمور المفضلة لدى الحكومات. ولكني لم أر سوى دليل قاطع طفيف على أنّ تلك البرامج المكلفة تُسهم بشكل مناسب في ريادة الأعمال. إذ أنشأت إحدى البلديات في دولة من دول أمريكا اللاتينية 30 حاضنة مشروعات صغيرة، ولكن بعد مضى بضع سنوات وصل مشروع واحد، من بين 500 مشروع قدمت لها تلك الحاضنات المساعدة، إلى مبيعات تقدر بمليون دولار.

غالباً ما تشجع المعاناة والبيئات العدائية على سعة الحيلة لدى رواد الأعمال. إذ قامت ريادة الأعمال في أيسلندا على موروث البلاد القائل “صِدْ السمك ما دام موجوداً، وليس عندما يكون الطقس جيداً”.

“قد تستغرق الحاضنات عشرين عاماً أو أكثر لتوليد أثر يمكن قياسه على ريادة الأعمال، كما يمكن أن تكون أيضا كالفيلة البيضاء”.

8– لا تفرط في هندسة تكتلات الأعمال، بل ساعدها على النمو بصورة طبيعية. لم يُطرد مسؤول حكومي قط لتشجيعه التكتلات، فهي تلك التجمعات من الشركات المتشابكة والموردين المتخصصين ومزودي الخدمات ومراكز التدريب ومؤسسات الدعم التي أُنشئت حول تقنية أو منتج نهائي بعينه في مكان أو منطقة واحدة. لقد شجعت الحكومات في كل أنحاء العالم استراتيجيات التكتلات التي ذاع صيتها على يد مايكل بورتر (Michael Porter)، أستاذ كلية هارفارد لإدارة الأعمال. حيث تصف تلك الاستراتيجيات الدور الرئيس للتكتلات في تعزيز ريادة الأعمال والتنافس الاقتصادي. وعلى الرغم من أنّ تكتلات ريادة الأعمال موجودة بالفعل بصورة طبيعية، ويمكن أن تكون عنصراً مهمة من النظام الإيكولوجي، فلا يوجد سوى أدلة سماعية على إمكانية الحكومة من لعب الدور الرئيسي في تكاثر التكتلات، إذ تقول مجلة “الإيكونوميست” في نقد نادر لها لمبدأ التكتل:

“عادةً ما تختار الحكومات جزءاً واعداً من البلاد، ويفضل أن يكون به جامعة كبيرة قريبة، ثم توفر قدراً كبيراً من المال يقصد به إطلاق ريادة الأعمال تحت إشراف البيروقراطيين الكرماء … ثم يكون فشلاً ذريعاً. إذ فحص الخبراء في كلية “إنسيد” (INSEAD) لإدارة الأعمال الجهود التي بذلتها الحكومة الألمانية لخلق تكتلات للتقنية الحيوية تضارع تلك الموجودة في كاليفورنيا، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنّ “ألمانيا أهدرت مبدئياً 20 مليار دولار. وتقوم سنغافورة في الوقت الحالي بالأمر ذاته”. كما زعمت دراسة أجراها البنك الدولي لتقييم جهود سنغافورة التي تكلفت بضع مليارات من الدولارات لإنشاء مركز “بايوبوليس” (Biopolis) للبحث والتطوير في مجال علوم الطب الحيوي، “أنّ فرص نجاحها تعادل فرص فشلها، في حين أن البعض يقولون بأن فرص نجاحها أقل من ذلك”.

لكن تكمن المشكلة بأنّ الناس على مر السنين أساؤوا فهم وصف بورتر لفوائد التكتلات على أنها وصفة تقول ببناء تلك التكتلات من الصفر. في الواقع، توقع بورتر شخصياً، في مقال نُشر في تلك المجلة نفسها بعنوان “التكتلات واقتصاديات التنافس الجديدة”، أن تُسيء الحكومات فهم ديناميات التكتلات، حيث قال: “ينبغي على الحكومات أن تعزز وتزيد من التكتلات القائمة والناشئة بدلاً من محاولة بناء تكتلات جديدة كليةً. وفي الحقيقة، معظم التكتلات تتشكل بصورة مستقلة عن الإجراءات الحكومية، وفي بعض الأحيان تأتي على النقيض من تلك الإجراءات. فهي تتشكل عندما تتوفر المزايا المكانية. ولتبرير بذل جهود بغية تطوير تكتل ما، ينبغي أن تكون بعض بذور التكتل اجتازت اختبار السوق”.

ومن الأفضل للحكومات أن تظل محايدة تجاه القطاعات وتطلق العنان لطاقات ريادة الأعمال لدى الأفراد لا أن تستغلها. إذ ينبغي أن يتعرفوا على الطريق الذي يسلكه رواد الأعمال، ثم “يمهدون الطريق” بأن يشجعوا برفق تكوُّن النشاط الاقتصادي الداعم حول المشاريع التي حققت النجاح بالفعل، لا أن يصمموا ممرات جديدة مجهزة كي لا يضل رواد الأعمال الطريق. ومع ذلك، فغالباً ما تُضيّع تلك الحكمة غير الجذابة، رغم كونها عملية، ويتم ذلك عند ترجمة نظرية التكتل إلى سياسات حكومية تشبه بشكل مريب التخطيط الصناعي المركزي الذي ثبت زيفه.

9– أصلح الأطر القانونية والبيروقراطية والتنظيمية. حيث تٌعد الأطر القانونية والتنظيمية الصحيحة أمراً حيوياً لازدهار ريادة الأعمال. وبالرغم من ذلك فقد أبقيت على مناقشتها إلى النهاية، لأنها في الغالب المحط الأول والحصري لتركيز الحكومة، لكنني كنت أحاول تبيين أنّ على الحكومة لعب دوراً أعم وأشمل. علاوة على ذلك، فإن تمرير الأطر القانونية والتنظيمية يستغرق في الغالب سنوات، وفي كثير من الأحيان تتم الأعمال في غيابها. وحقيقة، أحرز العديد من رواد الأعمال النجاح على الرغم من التشريعات والبيروقراطية المثبطة، ثم مضوا بعد ذلك في استخدام ثرواتهم ومكاناتهم للضغط من أجل الإصلاح. وفي النهاية، فلن تكون الإصلاحات ذات فعالية حقيقية عند غياب أكبر قدر من النهج “الأكثر سلاسة” التي يمكن للحكومة اتباعها في بناء النظم الإيكولوجية، مثل القضاء على الحواجز الثقافية وتعليم رواد الأعمال وتشجيع قصص النجاح.

كما تشير الأبحاث المكثفة إلى عدد من الإصلاحات ذات التأثير الإيجابي على خلق المشاريع، كعدم تجريم الإفلاس، وحماية المساهمين من الدائنين، والسماح لرواد الأعمال بالبدء من جديد بشكل سريع. ومن الإصلاحات الأخرى المفيدة، تحويل حماية الموظفين من البطالة عبر جعل إنهاء التوظيف أمراً صعباً إلى توفير الدعم للعاطلين عن العمل. ويمكن أن يكون لخلق أسواق رأس المال وتحريرها، مثل سوق الاستثمار البديل في المملكة المتحدة، الأثر المحفز أيضاً.

وتُسهّل نظم الضرائب المتسلسلة ونظم المحاسبة والتحصيل القوية من ريادة الأعمال. ففي بورتو ريكو، على سبيل المثال، يشجع النظام الضريبي غير الفعال، في واقع الأمر، العديد من رواد الأعمال على أن تظل أعمالهم صغيرة وخاضعة للفحص الضريبي، وذلك حتى يستمروا في التعامل مع العديد من النفقات الشخصية على أنها نفقات استثمارية، وليست بورتو ريكو فريدة في هذا الأمر.

وإذا بقيت الأمور على ما هي عليه، فإن إزالة الحواجز الإدارية والقانونية أمام خلق المشاريع يُعد مسلكاً أفضل من خلق حوافز من أجل تخطي الحواجز. وفي عام 2008، قامت الحكومة الفرنسية، نتيجة لشعورها بالإحباط لفترة طويلة من افتقاد قطاع الأعمال بالبلاد لروح ريادة الأعمال، بتطبيق برنامج رائد الأعمال التلقائي. حيث سهّل البرنامج من الإجراءات القانونية لإنشاء مشروع صغير، وسمح لرواد الأعمال بتجنب الدفع المسبق المجهد للضرائب، كما قضى على غير ذلك من العقبات. وأُنشئ في ظل هذا البرنامج أكثر من 300 ألف مشروع جديد في فرنسا، أي بواقع أكثر من 10 آلاف مشروع جديد شهرياً. وما يجب الاعتراف به أنّ الغالبية العظمى من تلك المشاريع هي في الأساس مشاريع فردية، ويبقى أن نرى كم منها سيتحول إلى شركات ذات نمو حقيقي؟، إن حدث هذا أصلاً. ولكن وكما نوه أحد المراقبين “ربما تمثّلت كبرى الآثار الناتجة عن البرنامج في عكس التوجهات السلبية التي دامت طويلاً في فرنسا، والمتعلقة ببدء مشروع صغير”. وسوف تكون تجربة فرنسا الجريئة نجاحاً مطلقاً حتى ولو قام واحد من بين كل ألف من رواد الأعمال التلقائيين بإطلاق شركة من شركات النمو.

جرب دون توقف ولكن بصورة شمولية

يُعد خلق نظام إيكولوجي كامل تحدياً هائلاً، ولكن عليك أن تتدخل وتتخذ جميع الاحتياطات. حيث قامت تايوان، على سبيل المثال، بتعزيز عدة عناصر من نظامها الإيكولوجي في آن واحد تقريباً. فشجعت على تصميم وصناعة الدوائر المتكاملة وأنشأت حديقة “هسينشو” للعلوم (Hsinchu Science Park) بالقرب من تايبيه، وبدأت في تنفيذ برامج للتدريب على الدوائر المتكاملة، وتواصلت مع المدراء التنفيذيين التايوانيين العاملين بمجال التقنية في الولايات المتحدة، كما مررت قوانين لتشجيع تطوير صناعة رأس مال مغامر محلية. وفي واقع الأمر، يُعتبر تجاهل الطبيعة المتشابكة لعناصر النظام الإيكولوجي أمراً يؤدي إلى نتائج عكسية. على سبيل المثال، يؤدي تشجيع الشباب كي يتحلوا بطموحات ريادة الأعمال إلى نتيجة عكسية وإلى هجرة عقول إذا أُحبطت تلك الطموحات بسبب وجود بيئة استثمار عدوانية. وعلى حد قول جوش ليرنر (Josh Lerner) الأستاذ في كلية هارفارد لإدارة الأعمال، فإن إنشاء صناديق لرأس المال المغامر تفتقر إلى تدفق الصفقات وإلى وجود هيكل محفز مناسب، كالتي أنشأها برنامج صندوق العمل الكندي، يمكن في حقيقة الأمر أن يؤخر تشكيل قطاع الأسهم الخاصة. كما سيؤدي التمويل الحكومي السهل والموزع بصورة عشوائية إلى إغراق السوق بصفقات أسهم قليلة الجودة، ما يجعل من الصعب على المستثمرين في قطاع الأسهم الخاصة تحقيق الربح.

بالطبع، ليس من العملي أو الواقعي تغيير كل شيء دفعة واحدة. فامتلاك صورة واضحة لما يكون عليه النظام الإيكولوجي ككل يساعد الحكومات على اتخاذ الخطوات الأولى دون إغفال لما يتحتم عليها القيام به بعد ذلك.

ويتطلب تحقيق مثل هذا التغيير الجذري، في خضم كل هذا الالتباس، التجريب والتعلم المتواصلين، ومن المهم كذلك أن تتعلم الحكومات في كل أنحاء العالم من بعضها البعض، وهو الأمر الذي لا يحدث كثيراً بدرجة كافية. حيث ينبغي على كل من يحاول بناء نظام إيكولوجي أن يضع نصب عينيه أنّ العمل لا ينتهي مطلقاً.

وعلى الرغم من لا محدودية هذا الموضوع، فإن مبادئ التحرك التي سردتها آنفاً سوف تساعد الحكومات على تحريك ريادة الأعمال في الاتجاه الصحيح. فإشراك القطاع الخاص وتعديل الأعراف الثقافية وإزالة الحواجز التنظيمية، وتشجيع النجاح والاحتفاء به، وتمرير تشريعات مشجعة، والتحلي بالاتزان في التركيز على التكتلات والحاضنات، وإخضاع برامج التمويل لصرامة السوق، ثم فوق كل ذلك، التعامل مع النظام الإيكولوجي ككل، إنّ كل ما سبق سوف يسمح للحكومات بتحقيق النمو الاقتصادي من خلال تحفيز إنشاء المشروعات القائمة بذاتها. إذ أدركت ماري ماكليس، رئيسة أيرلندا، الأثر غير العادي الذي يمكن أن يكون لريادة الأعمال على المجتمع. حيث قالت في عام 2003: “يمكن لهذا الجيل المتعلم الواثق بذاته والخلاق أن يرى اليوم قوة عبقريته على أرض الواقع وداخل وطنه، حيث غيرت ثقافة ريادة الأعمال قدر أيرلندا وخلقت مستقبلاً جديداً لأبنائنا وقصة نجاح اقتصادي ضخمة للغاية”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "كيف نبدأ ثورة في مجال ريادة الأعمال؟"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
armarm6
Member
armarm6
2 شهور 30 أيام منذ

من اروع المقالات التي قرأتها في مجلتكم الموقرة ،شكرا لكم من القلب

wpDiscuz