لقد انتشرت ثلاثة معتقدات حول العولمة منذ أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، وتم الترويج لها. أولاً، إنّ العولمة تؤدي إلى الحد من انعدام المساواة في العالم. ثانياً، إنّ النمو العالي لدخل الشريحة الأغنى سوف يرفع من دخل الشريحة الأشد فقراً. ثالثاً، لا مفر من ظاهرة انعدام المساواة المتزايدة والتي تُسببها التجارة والتكنولوجيا. إنّ تقرير عدم المساواة في العالم الذي صدر مؤخراً يبدد هذه المفاهيم، ويُعتبر التقرير أول دراسة بحثية تنظر في اتجاهات التفاوت في الثروة والدخل بصورة شاملة في ما بين البلدان الغنية والناشئة على مدى 40 عاماً تقريباً.

أدت العولمة إلى ارتفاع مستوى انعدام المساواة في العالم، وليس العكس

إنّ انعدام المساواة الاقتصادية بين الأفراد في أنحاء العالم نتيجة لقوّتين متنافستين: انعدام المساواة بين البلدان، وانعدام المساواة داخل البلدان نفسها. على سبيل المثال، ساهم النمو الكبير في الصين والهند في نمو الدخل حول العالم بشكل ملفت، وبالتالي، انخفضت نسبة انعدام المساواة بين الدول، إلا أنها ارتفعت داخل هذه البلدان نفسها ارتفاعاً حاداً، حيث ارتفع نصيب دخل الشريحة الأغنى الـ1% من 7% إلى 22% في الهند، ومن 6% إلى 14% في الصين بين عامي 1980 و2016.

حتى وقت قريب، كان من المستحيل معرفة أي من هاتين القوتين تهيمن على العالم، وذلك بسبب قصور البيانات حول اتجاهات انعدام المساواة الاقتصادية داخل البلدان، والتي لا تُصدرها العديد من الحكومات بصورة علنية أو موحدة. يهدف تقرير عدم المساواة في العالم لعام 2018 إلى تناول هذه القضية، ويعتمد على إحصاءات منهجية وقابلة للمقارنة وشفافة للبلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان الناشئة.

تُعد النتيجة التي خلص إليها التقرير صادمة، فقد ارتفع مستوى انعدام المساواة بين المواطنين في العالم بين عامي 1980 و2016، على الرغم من النمو الكبير في الأسواق الناشئة. وبالفعل، فإنّ نصيب الشريحة الأغنى الـ1% من إجمالي الدخل العالمي ارتفع من 16% في العام 1980 إلى 20% بحلول العام 2016. بينما كانت حصة الدخل للشريحة الأفقر الـ50% حوالي 9%. على الصعيد العالمي، حصلت شريحة الدخل الأعلى الـ1% (الأفراد الذين يكسبون أكثر من 13,500 دولار في الشهر الواحد) على ضعف نمو دخل الشريحة الأفقر الـ50% من سكان العالم خلال هذه الفترة.

نمو دخل الشريحة الأغنى لا يؤثر بشكل إيجابي على الشريحة الأفقر

يؤكد الاعتقاد الثاني أنّ النمو المرتفع لدخل الشريحة الأغنى ضروري لتحقيق بعض النمو لدخل الشريحة الأفقر، وبعبارة أخرى، إنّ تزايد انعدام المساواة أمر ضروري لرفع مستوى المعيشة للشريحة الأفقر. إلا أنّ هذه الفكرة تتعارض مع البيانات، فعندما نقارن أوروبا مع الولايات المتحدة، أو الصين مع الهند، نجد من الواضح أنّ البلدان التي شهدت ارتفاعاً أعلى في انعدام المساواة لم تَكن أفضل في رفع دخل أفقر مواطنيها. وفي الواقع، تُعد الولايات المتحدة مناهضة لنظرية المنافع الهابطة: ففي حين نما دخل الشريحة الأغنى الـ0.001% من الأميركيين بأكثر من 600% منذ العام 1980، فإنّ الشريحة الأفقر من نصف السكان قد توقفت فعلياً عن النمو الاقتصادي بما يقارب الصفر في ارتفاع دخلهم السنوي. أما في أوروبا، فقد كان نمو دخل الشريحة الأغنى الـ0.001% أقل بخمس مرات من الولايات المتحدة، لكن الشريحة الأفقر من نصف السكان كانت أفضل حالاً، حيث شهدت نمواً بنسبة 26% في متوسط دخلهم. وعلى الرغم من ارتفاع معدل النمو باستمرار منذ العام 1980، كان ارتفاع انعدام المساواة في الصين أكثر اعتدالاً من الهند. ونتيجة لذلك، تمكنت الصين من رفع دخل الشريحة الأفقر من نصف السكان بمعدل أسرع بأربع مرات مما كانت عليه في الهند، ما أدى إلى الحد من الفقر نوعاً ما.

ربما تم نقض نظرية المنافع الهابطة، ولكن أفكارها لا تزال متجذرة في عدد من السياسات الحالية. على سبيل المثال، الاعتقاد القائم على أنّ النمو المرتفع لدخل الأفراد الأغنياء هو شرط أساسي لخلق فرص عمل ونمو الشريحة الأفقر، وذلك لتبرير التخفيضات الضريبية للشريحة الأغنى، كما رأينا على هامش التعديلات الضريبية الأخيرة في الولايات المتحدة وفرنسا. إنّ إمعان النظر في البيانات تتطلب منا إعادة التفكير في الأساس المنطقي والشرعي لهذه السياسات.

السياسة – وليست التجارة أو التكنولوجيا – هي المسؤولة عن انعدام المساواة

غالباً ما يُقال أنّ تزايد انعدام المساواة هو أمر لا مفر منه – إنه نتيجة طبيعية للانفتاح التجاري والرقمنة التي لا تستطيع الحكومات مواجهتها. لكن الأرقام المعروضة أعلاه تُظهر بوضوح تنوع اتجاهات انعدام المساواة التي مرت بها مجموعة مناطق متقاربة عموماً خلال العقود الماضية. الولايات المتحدة وأوروبا، على سبيل المثال، كانتا متماثلتين من ناحية حجم السكان ومتوسط الدخل في العام 1980 – بالإضافة إلى مستويات انعدام المساواة المماثلة. كما أنهما واجهتا تعرضاً مماثلاً للأسواق الدولية والتكنولوجيات الجديدة منذ ذلك الحين، لكن اتجاهات انعدام المساواة بينهما تباينت بشكل جذري. ففي الولايات المتحدة، انخفض نصيب دخل الشريحة الأفقر الـ50% من 20% إلى 10% في يومنا هذا، بينما انخفض في أوروبا من 24% إلى 22%.

إنّ الخيارات السياسية والتغيرات المؤسسية هي التي تفسر التباين في انعدام المساواة، وليس الانفتاح على التجارة أو الرقمنة. بعد تحّول السياسة النيوليبرالية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، قاومت أوروبا أكثر من الولايات المتحدة الدافع لتحويل اقتصاد أسواقها والنظر إلى المجتمع على أنه سوق كبير- تجلى ذلك من خلال أوجه الاختلاف في مجالات السياسة الرئيسية المتعلقة بانعدام المساواة. ففي الولايات المتحدة، تم تقويض الضريبة التصاعدية – وهي مقدار ما يدفعه الأغنياء كنسبة مئوية – بشكل تدريجي وعلى نحو كبير، ولكن بمستوى أقل بكثير في القارة الأوروبية. وفي ستينيات القرن الماضي، كان لدى الولايات المتحدة أعلى مستوى للأجور الدنيا في العالم، لكنه انخفض منذ ذلك الحين بنسبة 30%، بينما ارتفع في فرنسا مستوى الحد الأدنى للأجور بنسبة 300%. تعتبر فرص الالتحاق بالتعليم العالي مكلفة وغير متكافئة إلى حد كبير في الولايات المتحدة، في حين أنها مجانية في العديد من البلدان الأوروبية. في الواقع، عندما حاول صناع السياسة البافاريّون إدراج رسوم جامعية ضئيلة في أواخر العقد الأول من القرن الحالي في ألمانيا، أبطل الاستفتاء القرار. بالإضافة إلى ذلك، توفر الأنظمة الصحية وصولاً شاملاً إلى خدمات الرعاية الصحية ذات الجودة العالية في معظم البلدان الأوروبية، في حين أنّ ملايين الأميركيين لا يستطيعون الاستفادة من خطط الرعاية الصحية.

إنّ إعادة النظر في هذه المعتقدات السائدة حول العولمة وآثارها على انعدام المساواة في العالم أمراً ملحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى. والاستعانة بالبيانات الحديثة الصادرة عن تقرير اللامساواة في العالم هي الخطوة الأولى لتقويم هذه الأفكار الخاطئة وخلق نهج جديد عام يؤدي إلى إحداث تغيير منظّم طويل الأمد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!