facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

تتمثل المهمة الأساسية للرعاية الصحية في جعل عملية الشفاء للمرضى أكثر سهولة عبر معرفة كيفية المساهمة في شفاء المرضى بطريقة فعالة، ويربط الناس غالباً الشفاء مع "علاج المرض" فحسب، ولكن الأمر أعمق من ذلك. إذ يَشفي الطبيب مريضه عندما يقدم له التطمينات بأنّ الأعراض ليست مؤشراً على حالة صحية حرجة، كما يُشفي تلقي العلاج المرضى عندما يُخفف الآلام ويبطئ تطوّر المرض. يحدث الشفاء أيضاً عندما يموت شخص مريض جداً في منزله محاطاً بأسرته بدلاً من الموت في مستشفى متصلاً بأجهزة طبية. تمثّل كل حالة فريدة من الشفاء رحلة جسدية وعاطفية تمر عبر مرحلة شاقة لكنها تنتهي بالشعور بالرضا وحتى السلام، جميع المرضى بحاجة إلى ذلك الشفاء، وعندما يعزز الأطباء والمؤسسات التي يعملون فيها تلك الحالة بفاعلية فإنهم بذلك يجددون أنفسهم أيضاً.

احصلوا اليوم على آخر الإصدارات المطبوعة (الإصدار المزدوج 26-27) والاشتراك السنوي المميز الذي يتضمن إصداراتنا المطبوعة.

من خلال تجاربنا – رنا أوديش بصفتها طبيبة في وحدة الرعاية الحرجة، التي قادها مرض خطير أصيبت به إلى تدريب الأطباء على أصول التواصل الذي يركز على العلاقات الصحية مع المرضى، وليونارد بيري بصفته باحث في مجال الخدمات الصحية الذي أجرى مقابلات مع المئات من المرضى والأطباء والممرضات وراقب مسارات تقدمهم – تحققنا من أنّ مراكز الرعاية الصحية ابتعدت عن هدفها الجوهري المتمثل في شفاء المرضى، وأصبحت أكثر تركيزاً على القوى الخارجية التي تحول دون ذلك. إنّ زيادة الرقابة التنظيمية، ووضع المقاييس التي من شأنها تعزيز السعي نحو الربح على حساب رسالة المؤسسة، والعمل تحت ظل مبادئ ومعايير وسياسات لا تنطوي على شراكة تامة مع المجتمعات، جميعها عوامل تصرف الانتباه وتبدد الطاقة بعيداً عن قيادة التغيير الحقيقي. لكن يمكن للأطباء ومؤسسات الرعاية الصحية التي يعملون فيها استعادة الهدف الحقيقي المتمثل في شفاء المرضى باعتباره الهدف الأساسي، وذلك من خلال التعرف على التهديدات التي تحيط بالرعاية الصحية وتحديد أربع أولويات ينبغي اتباعها من المبادئ الرئيسة المتقاطعة، وهي: القرب من المريض، ومشاركة الصلاحيات معه، وإضفاء طابع المرونة، وإظهار العطف.

القرب: استكشف شخصية المريض

القرارات التي تؤخذ من قبل الإداريين وشركات التأمين وغيرهم من المعنيين بعيداً عن سرير المريض (وحياته) هي قرارات لن تساهم في شفاء المريض بالشكل المطلوب، فإنّ جدول البيانات ذاك الذي يحتوي على علاجات الأورام السرطانية ذات التكلفة العالية والتي ليست "على القائمة التي تغطيها خطة رعاية صحية معينة" ولكنها قد تقدم لأم يُعاني ابنها من مرض السرطان البقاء سنة أخرى بجانبه، قد يتغير ما يحمله من معنى تماماً مقارنة بمحادثة بين تلك الأم وأطباء طفلها.

اقرأ أيضاً: 4 مبادئ لتحسين مستوى الرعاية الصحية حول العالم

وقد يكون تأثير اللقاءات السريرية القصيرة والمتكررة مع المريض فعالاً إذا ما أُطّر تدفق الإيرادات بها، ولكن المؤسسات تُضحي بتقديم التعاطف لحساب النمط السائد. عندما تُدخل مؤسسة الرعاية الصحية مفهوم التعاطف في نسيج عملياتها، فإنها تسمح للأطباء بتخصيص وقت من أجل إجراء نقاش مع مريض شُخصت حالته حديثاً حول كيف سيؤثر كل خيار للعلاج على عائلته ومشاعره وعمله وحتى هويته. وبالمثل، فإنّ صحة المجتمع الذي يواجه التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والعرقية فيما يخص الرعاية تختلف في حال نظرنا إليها من خلال خط بياني مقارنة بأنّ يروي المرضى غير المؤمّن عليهم أو لا يشملهم التأمين على نحو كاف قصصهم مباشرة إلى قادة المؤسسات الذين يأخذون خيارات حول موارد الرعاية الصحية.

المشاركة: شارك المريض صلاحياتك

لا أحد يمتلك جميع الإجابات أو الحقائق عندما يتعلق الأمر بالصحة، إذ يعتمد نجاح أو فشل العلاج إلى حد بعيد على جمع المعلومات والدراية بكل نواحي حياة المريض. وينبغي على الأطباء والمرضى أن يخلقوا مناخاً من الثقة والاحترام والشفافية والتواضع، الأمر الذي يتطلب دعم المؤسسة التنظيمي لتحقيق ذلك، كما تتطلب المشاركة أن يُنظر إلى المرضى على أنهم أصحاب سجلاتهم الطبية المستحقون لها، وأبطال قصصهم المتعلقة بمرضهم. وعندها فقط نستطيع أن نمكنهم من المشاركة في خطة رعايتهم الصحية على نحو تام.

تسمح لنا المشاركة الدخول في شراكة مع المريض دون الحكم الأعمى على الأمور أو الحاجة إلى أن يكون الطبيب مسيطراً على رحلته خلال العلاج، ولن يحدث الشفاء الحقيقي إلا إذا مُنح المريض التفويض وحق الاختيار والإقرار بأنّ حالته فردية لا تشبه أي من الحالات الأخرى. ولا يحدث الشفاء كذلك إذا شعر المريض بالخجل من افتقاره إلى الإلمام بمبادئ الصحة أو إذا سعى إلى علاجات بديلة، أو إذا أغرقه مقدمو الرعاية الصحية بطوفان من البيانات التي لا يمكنه حتى استيعابها. ومن أجل الوصول إلى مرحلة الشفاء، يجب على المرضى الشعور بالأمان في حديثهم بصدق حول كل ما يجول بخاطرهم، وفي حال ارتكبوا أخطاء أو طرحوا أسئلة، وإذا ما اتبعوا إرشادات الأطباء الذين يقدمون لهم الرعاية الصحية بكل لطف.

عندما يشارك الأطباء صلاحياتهم مع المرضى، فإنّ تحديات السعي نحو الشفاء قد تصبح مبهجة أكثر ومثمرة في النهاية، وبهذه الطريقة، يمكن لمؤسسات الرعاية الصحية توفير الترياق لأطبائها من أجل معالجة الإرهاق المصاحب للعمل.

المرونة: أفسح المجال للمريض

وصف فيكتور فرانكل، طبيب الأعصاب وعالم النفس النمساويّ، المعاناة بأنها "جزء متأصل من الحياة… ومن دون المعاناة والموت فإنّ حياة الإنسان لا يمكن أن تكتمل". في مجال الرعاية الصحية من المستحيل تجنب الشعور بالمعاناة، ولكي يساعد الأطباء مرضاهم الذين يعانون من حولهم على الشفاء، ينبغي عليهم إفساح المجال العاطفي والروحي لهم، حيث ينمو الأمل ويتطور عندما يكون العلاج ليس ممكناً، وذلك من الأمل الذي "يركز عليه الجميع" والمتمحور حول العلاج أو الخلاص إلى الأمل "الأصيل" الذي يقدّر المعنى الأشمل للحياة والهوية الذاتية، ونوعية الحياة عند اقتراب النهاية، والشعور بالسلام مع تجربة المرض المعاشة.

اقرأ أيضاً: بناء ثقافة الشفافية في الرعاية الصحية

لكي يتمكن الأطباء من تعزيز المرونة لدى مرضاهم، يتوجب على مؤسسات الرعاية الصحية تعزيز تلك الحالة لدى الأطباء أنفسهم في المقام الأول، وإلا فإنّ الأمر سيصعب عليهم إذا شعروا بخلاف ذلك. وينبغي على قادة مؤسسات الرعاية الصحية إدراك أنّ الأطباء بحاجة إلى مساحتهم الخاصة أيضاً، إذ أنّ العافية لا يمكن فرضها على الطاقم الطبي، وكذلك لا يمكن للأطباء فرضها على المرضى. ويجب على النظم الصحية بناء المرونة بفاعلية من خلال إشراك الطاقم الطبي في تحديد التدابير الملموسة التي، في حال طُبقت، من شأنها تقليل الأعباء الإدارية وغيرها. والهدف من هذا إتاحة الوقت وتوفير الطاقة للطاقم الطبي من أجل دراسة حالات مرضاهم والتفكير فيها مالياً والشعور بالراحة والبهجة في عملهم، وبدورهم سوف يتمكنون من إتاحة المساحة اللازمة التي يحتاجها المرضى وأسرهم من أجل الإحساس بتلك المرونة خلال مواجهتهم المرض.

العطف: عزز ثقافة الثقة

فالأطباء يمكنهم التخفيف من حدة المعاناة التي يجلبها المرض إذا عملوا على فهم المشاعر المُعقدة لدى مرضاهم التي تصاحب تشخيص المرض وعلاجه، وإظهار العطف نحوهم وهم يواجهون تلك التحديات. كما أن إظهار العطف لا يساعد على شفاء متلقي الرعاية فحسب، بل يساعد ذلك مقدمها على حد سواء، ويمكن تعلم تلك المهارة، إذ يبدأ الأمر من خلال دمج إظهار العطف للمرضى في الثقافة التنظيمية، تماماً مثل بروتوكولات الإدارة الآمنة لتناول الأدوية التي هي جزء لا يتجزأ من ثقافة مؤسسات الرعاية الصحية.

لقد كتبت وزملائي حول القوة العلاجية للأنماط الستة المتعلقة بإظهار اللطف من خلال مقالة بعنوان "إظهار اللطف في رعاية مرضى الأورام السرطانية" (kindness in oncology care)، وهي كالتالي: الاستماع الجيد، والتعاطف، والأفعال الكريمة، وحسن اختيار توقيت الرعاية، والصراحة اللطيفة، ودعم مقدمي الرعاية الأسرية. إذ يكسب الطبيب الذي يُظهر اللطف ثقة المريض، وهي من المتطلبات الأساسية لترسيخ المشاركة بين المريض والطبيب التي يتطلبها الشفاء. فغياب اللطف والثقة يمكن أن يؤدي بالمرضى إلى الشعور وكأنهم رهائن لخطة رعايتهم الصحية والأطباء الذين يقدمونها لهم، يفاوضون على حياتهم ووقتهم، ونحن نسمي هذه الحالة "متلازمة تفاوض الرهينة" التي من شأنها عرقلة عملية الشفاء إلى حد كبير.

اقرأ أيضاً: كيف تعيق البيروقراطية تحسين خدمات الرعاية الصحية؟

المرضى وحدهم هم العارفون بكل تفاصيل حياتهم وخبراتهم الخاصة، وإظهار اللطف من قبل الأطباء يمكّن المرضى من الوثوق بحدسهم الخاص وحكمتهم وتحفّزهم على مشاركة أفكارهم وهواجسهم. ومن خلال معرفة قيم وأهداف المرضى، يمكن للأطباء تقديم الخيارات المجدية التي تتماشى مع تلك القيم والأهداف، وبالتالي تمكين المرضى من التفكير بكفاءة أكبر حول مزايا ومخاطر العديد من الفحوصات والإجراءات والعلاجات.

السبيل للمضي قدماً في قطاع الرعاية الصحية

تلعب الرعاية الصحية دوراً فريداً ومقدساً في المجتمع، ومن أجل توفير الشفاء للمرضى ينبغي على القادة التفكير ملياً في استعادة هذه الأولوية لذلك الدور المقدس قبل خسارة المزيد من المرضى. إذ تتطلب عملية الشفاء أكثر من مجرد وصف الدواء واستخدام التكنولوجيا الموجهة نحو تحسين وظائف الأعضاء، بل يُعتبر إعادة التأهيل النفسي والروحي أمراً حاسماً أيضاً.

ولكي تتمكن مؤسسات الرعاية الصحية من تسهيل عملية شفاء المرضى، ينبغي على الإداريين والأطباء الذين يضطلعون بأدوار القيادة إدارة الدفة، وتعزيز ثقافة تنظيمية تشجع وتتيح الشراكة بين المرضى والأطباء. وأيضاً يمكننا استعادة الهدف الحقيقي من الرعاية الصحية من خلال تمكين الصلة القريبة مع المرضى من أجل رؤية ما لا يمكن رؤيته عن بعد، وتبني روح المشاركة، وتنمية فرق مرنة، وتعزيز مشاعر العطف. وعبر اتباع هذه المبادئ كنموذج، يمكن للقادة معرفة كيفية المساهمة في شفاء المرضى ومساعدة الأطباء وفرقهم في النجاح في شفاء المرضى في مراكز الرعاية الصحية.

اقرأ أيضاً: إصلاح نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة يحتاج لبيانات أفضل حول الأسعار

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!