توقفوا عن التبجح بأنكم مشغولون!

2 دقائق

لقد جاءت فتاة إليّ وتبجّحت أمامي بأنها مشغولة جداً لدرجة أنها لا تنال أكثر من 4 ساعات من النوم في الليلة الواحدة طوال الأسبوعين الماضيين. هي لم تكن تتذمر؛ بل كانت فخورة بتلك الحقيقة. هذه الفتاة ليست الحالة الوحيدة التي تفخر بذلك الأمر. إننا جميعنا نواجه نفس مشكلة، والغريب في الأمر هو أننا لا نعرف أن الانشغال الذي يؤثر على صحتنا يمثل مشكلة، بل ونحتفي بهذا الأمر.

إذاً، لماذا يتّصف الأشخاص الذين يعتبرون عقلانيين بهذا القدر من اللاعقلانية في سلوكهم؟

في اعتقادي: نحن نعيش وسط فقاعة، وهذه الفقاعة حجمها كبير إلى حد أن أي إنسان يعيش في هذا العالم المتطور سيتأثر بها أو يُصاب بعدواها. إنها فقاعة الفقاعات، وأنا اسميها “الفقاعة الإضافية”.

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يشهد أحد الأصول، (كالعقارات مثلاً)، ارتفاعاً عبثياً وغير منطقي في قيمته حتى نصل في نهاية المطاف إلى انفجار هذه الفقاعة، ونبقى متسائلين لماذا كنّا سعداء بهذا القدر من اللاعقلانية!

إن ما يُسهم في توسع هذه الفقاعة هو حلف غير مقدس بين 3 توجّهات سائدة وبقوة هذه الأيام وهي: الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والنزعة الاستهلاكية المفرطة. والنتيجة ليست مجرد تخمة في المعلومات، إنما تخمة في الآراء أيضاً. فلم نكن يوماً (على مر التاريخ) نتمتّع بهذا القدر من المعرفة حول ما يمكن أن يفعله الآخرون، وبالتالي، القدرة على معرفة ما “يجب أن” نفعله نحن. وفي أثناء ذلك، نكون قد ضلّلنا وخدعنا كي نعتقد بأن النجاح يعني بأن نكون رجالاً ونساء خارقين قادرين على إنجاز كل ما هو مطلوب. بالطبع، فإننا نتبجّح بأننا مشغولون، ونحاول الإيحاء بأننا أشخاص ناجحون.

ولحسن الحظ، هناك دواء لعلاج هذا السعي غير المنضبط نحو المزيد: وهو السعي المنضبط نحو الأقل والأفضل في ذات الوقت. وهناك عدد متزايد من الناس بدؤوا في إجراء هذا التحول. وأنا أقول إن هؤلاء الناس يسعون إلى الجوهر، فهم يحاولون تصميم حياتهم بناء على ما هو ضروري لهم ويستبعدون كل أمر آخر.

كم سيكون الأمر عظيماً لو أن بمقدورنا امتلاك هذه الإرادة في حياتنا؟ ألن يجعلنا ذلك نشعر بالتحرر والنشاط كي ننظف خزائن حياتنا المتخمة ونتبرّع بما هو غير أساسي، بحيث يكون بمقدورنا تركيز اهتمامنا على بعض الأمور القليلة التي تهمّنا فعلاً؟

إليكم بعض الخطوات البسيطة التي ستسمح لكم بأن تصبحوا أقرب إلى طبيعة الشخص الذي يركّز على الجوهر:

1- حددوا موعداً مع أنفسكم كل 3 أشهر لتنظيم حياتكم: لقد اكتشفت شخصياً أن تطبيق “قاعدة الثلاثة” أمر مفيد للغاية: فكل ثلاثة أشهر، أخصص ثلاث ساعات لتحديد ثلاثة أمور أرغب في إنجازها خلال الأشهر الثلاثة التالية.

2- احصلوا على قسط جيد من الراحة كي تتميزوا: فقد وجد أندرز إريكسون، في كتابه “دور التدريب غير العفوي في اكتساب أداء الخبراء” (The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance)، أن أحد الفروق الكبيرة بين ذوي الأداء الجيد والأداء الممتاز يكمن في عدد الساعات التي يقضونها في التدرب. وقد حوّل مالكولم غلادويل، هذه النتيجة إلى معلومة شائعة من خلال “قاعدة الـ 10,000 ساعة”. فقلة من الناس تدرك بأن ثاني أكثر عامل يميّز الأشخاص العظماء عن بقية أقرانهم هو مقدار الساعات التي يخصصونها للنوم. وكما بيّن إيريكسون، فإن كبار عازفي آلة الكمان ينامون ساعات أطول من العازفين الجيدين، أي بما يعادل 8.6 ساعة من النوم كل 24 ساعة.

3- حددوا تاريخاً لانتهاء مفعول النشاطات الجديدة: تلعب التقاليد دوراً مهماً في بناء العلاقات والذكريات. ولكن ليس من الضروري أن يتحول كل نشاط إلى تقليد من التقاليد. ففي المرة القادمة التي يكون فيها لديكم حدث ناجح، استمتعوا به، وتذكروه، ثم تجاوزوه وامضوا قدماً إلى الأمام.

4- قولوا “لا” لفرصة جيدة كل أسبوع: إن مجرّد دعوتنا لفعل شيء ليست سبباً كافياً للقيام به. فالحدس يقول إننا لا يجب نرفض أو نقول لا للفرص الجيدة، ولكن إذا لم نفعلها، فإنه لن تكون لدينا المساحة الكافية لنعرف ما هي الأمور التي نرغب حقاً باستثمار وقتنا فيها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!