إننا جميعنا نواجه ذات مشكلة، والغريب في الأمر هو أننا لا نعلم ما هي هذه المشكلة فحسب، وإنما نحتفي بها أيضاً.

لقد جاءت صبيّة وتبجّحت أمامي بأنها مشغولة جداً لدرجة أنها لا تنال أكثر من أربع ساعات من النوم في الليلة الواحدة خلال الأسبوعين الماضيين. هي لم تكن تتذمر؛ بل كانت فخورة بتلك الحقيقة. هذه الفتاة ليست الحالة الوحيدة التي تفخر بذلك الأمر.

إذاً، لماذا يتّصف الأشخاص الذين يعتبرون عقلانيين بهذا القدر من اللاعقلانية في سلوكهم؟ الإجابة، باعتقادي: نحن نعيش وسط فقاعة، وهذه الفقاعة حجمها كبير إلى حد أنّ أي إنسان يعيش في هذا العالم المتطور سيتأثر بها أو يُصاب بعدواها. إنها فقاعة الفقاعات، وأنا اسميها "الفقاعة الإضافية".

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يشهد أحد الأصول، (كالعقارات مثلاً)، ارتفاعاً عبثياً وغير منطقي في قيمته حتى نصل في نهاية المطاف إلى انفجار هذه الفقاعة، ونبقى متسائلين لماذا كنّا سعيدين بهذا القدر من اللاعقلانية!

إنّ ما يُسهم في توسع هذه الفقاعة هو حلف غير مقدس بين ثلاثة توجّهات سائدة وبقوة هذه الأيام وهي: الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والنزعة الاستهلاكية المفرطة. والنتيجة ليست مجرد تخمة في المعلومات، إنما تخمة في الآراء أيضاً. فلم نكن يوماً (على مر التاريخ) نتمتّع بهذا القدر من المعرفة حول ما بإمكان الأشخاص الآخرين فعله، وبالتالي، القدرة على معرفة ما "يجب أن" نفعله نحن. وفي أثناء ذلك، نكون قد ضلّلنا وخدعنا كي نعتقد بأنّ النجاح يعني بأن نكون رجالاً ونساء خارقين قادرين على إنجاز كل ما هو مطلوب. بالطبع، فإننا نتبجّح بأننا مشغولون، محاولين الإيحاء بأننا أشخاص ناجحون.

ولحسن الحظ، فإنّ هناك دواء لعلاج هذا السعي غير المنضبط نحو المزيد: ألا وهو السعي المنضبط نحو الأقل والأفضل في ذات الوقت. وهناك عدد متزايد من الناس بدؤوا يحققون هذا التحول. وأنا أقول إنّ هؤلاء الناس يسعون إلى الجوهر، فهم يحاولون تصميم حياتهم بناء على ما هو جوهري بالنسبة لهم ويستبعدون كل أمر آخر.

كم سيكون الأمر عظيماً لو أنّ بمقدورنا امتلاك هذه الإرادة في حياتنا؟ ألن يجعلنا ذلك نشعر بالتحرر والنشاط كي ننظف خزائن حياتنا المتخمة ونتبرّع بما هو غير أساسي، بحيث يكون بمقدورنا تركيز اهتمامنا على بعض الأمور القليلة التي تهمّنا فعلاً؟

إليكم بعض الخطوات البسيطة التي ستسمح لكم بأن تصبحوا أقرب إلى طبيعة الشخص الذي يركّز على الجوهر:

1- حددوا موعداً مع أنفسكم كل ثلاثة أشهر لتنظيم حياتكم: لقد اكتشفت شخصياً أنّ تطبيق "قاعدة الثلاثة" أمر مفيد للغاية: فكل ثلاثة أشهر، أخصص ثلاث ساعات لتحديد ثلاثة أمور أرغب في إنجازها خلال الأشهر الثلاثة التالية.

2- احصلوا على قسط جيد من الراحة كي تتميزوا: فقد وجد أندرس إريكسون في كتابه "دور التدريب غير العفوي في اكتساب أداء الخبراء" (The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance) أنّ أحد الفروق الكبيرة بين ذوي الأداء الجيد وذوي الأداء الممتاز يكمن في عدد الساعات التي يقضونها في التدرب. وقد قام مالكولم غودويل بتحويل هذه النتيجة إلى معلومة شائعة من خلال "قاعدة الـ 10,000 ساعة". فقلة من الناس تدرك بأنّ ثاني أكثر عامل يميّز الأشخاص الجيدين من الناس العظام هو مقدار الساعات التي يخصصونها للنوم. وكما بيّن إيريكسون فإنّ كبار عازفي آلة الكمان كانوا ينامون ساعات أطول من العازفين الجيدين، بما يعادل 8.6 ساعات من النوم كل 24 ساعة.

3- حددوا تاريخاً لانتهاء مفعول النشاطات الجديدة: إنّ للتقاليد دوراً هاماً في بناء العلاقات والذكريات. ولكن ليس من الضروري أن يتحول كل نشاط إلى تقليد من التقاليد. ففي المرة القادمة التي يكون فيها لديكم حدث ناجح، استمتعوا به، وتذكروه، ثم تجاوزوه وامضوا إلى الأمام.

4- قولوا "لا" لفرصة جيدة كل أسبوع: إنّ مجرّد دعوتنا لفعل شيء ما لا تشكّل سبباً كافياً للقيام به. فالحدس يقول إننا لا يجب ألا نرفض أو نقول لا للفرص الجيدة، ولكن إذا لم نفعلها، فإنه لن تكون لدينا المساحة الكافية لنعرف ما هي الأمور التي نرغب باستثمار وقتنا فيها حقاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!