ربما تكون قد شاهدت عناوين كهذه: "لا تشجع التقنيات على التنوع في المؤسسات بشكل حقيقي"،"فشركة واحدة فقط من بين الشركات المدرجة على "قائمة فورتشن 500" تترأسها امرأة من الأقليات في الولايات المتحدة الأميركية "، "أين الأساتذة الجامعيون من الأقليات؟"، "ثمة حاجة إلى المزيد من اللاتينيين في المناصب التنفيذية للشركات". يُمثل الافتقار إلى التنوع والشمول في الشركات الأميركية مشكلة رئيسة، مع وجود اعتراف متزايد بأن الوضع الراهن في حاجة إلى تغيير.

وغالباً ما تبدأ المؤسسات بتحليل نوعيات الأشخاص الموجودين لديها لمعرفة أين يمكن التدخل، وكيف يمكن تكثيف جهود التنوع. لكن مع محاولة المؤسسات لتتبنى نهجاً قائماً على المعلومات، بغرض تحديد مجالات التغيير، يواجه كثيرون قضية مهمة تتمثل في توفر كمية بيانات كبيرة حول تجارب بعض الجماعات، وبيانات أقل بكثير حول تجارب جماعات أخرى. وقد وجدنا أن الأعداد الصغيرة يمكن أن تشكل مشكلة كبيرة لدى الشركات التي تسعى إلى تحسين التنوع والشمول.

فقد تكون المؤسسة قادرة على تقديم رواية واضحة حول مدى وجود المرأة في مكاتبها بشكل عام، أو قد تكون قادرة على مناقشة خبرات الأشخاص الملونين بشكل مميز، لكنها تعاني في حال كان الأمر متصلاً بمقارنة النساء الآسيويات بالنساء بصاحبات البشرة السمراء، أو الفروقات بين الرجال اللاتينيين والرجال أصحاب البشرة البيضاء، إذ تبدأ تلك الشركات بالتلعثم عندما تحاول تحديد المجموعات السكانية الأكثر تفصيلاً لموظفيها.

ولقد عملتُ بدوري مع مؤسسات تشكل كل مجموعة من مجموعات الأقليات لديها نسبة أقل من 1% من إجمالي القوى العاملة فيها، بعدد يقل حتى عن 50 موظفاً. ولننظر، على سبيل المثال، إلى أحد تقارير جوجل حول عن التنوع، لدى الشركة 0.5% من قواها الفنية العاملة في الولايات المتحدة من النساء صاحبات البشرة السمراء و0.9% من النساء اللاتينيات. وتعتبر هذه الأرقام محدودة لشركة بهذا الحجم.

بالتالي، ومع محدودية هذه البيانات، تقوم شركات عديد بدمج تلك الفئات ضمن فئات أوسع (مثلاً "جميع النساء") خلال محاولتها هيكلة مبادرات التنوع لديها. كما أنه حتى المقالات المتصلة بتحليلات الأشخاص تنصح بدورها المختصين "بالحذر من الأعداد الصغيرة" لأنه من الصعب تحديد ما تعنيه.

إلا أن تطبيق هذا المنطق قد يكون ضاراً للغاية، إذ قد يؤدي جمع "الملونين" أو "المرأة" في بوتقة واحدة إلى إزالة الفروق الخاصة بالمجموعات الصغيرة لصالح المجموعة الأكبر، ويُخفي أي تغيير حقيقي؛ إذ تُظهر الأبحاث أن آلية مقاربة التنوع القائمة على فكرة "حجم واحد يناسب الجميع" تفيد مجموعة محدودة من الموظفين. فعلى سبيل المثال، تمثل الجهود الموجهة لتمكين المرأة بشكل عام إلى تمكين النساء البيض على حساب النساء ذوات البشرة الملونة.

بالتالي، ما الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات بهدف الحصول على فهم أفضل لتجارب الموظفين الموجودين ضمن مجموعات صغيرة وخبراتهم؟ تشير أبحاثنا إلى أنه يمكن للشركات اتخاذ الخطوات الرئيسة الأربع التالية، لضمان عدم وقوعها ضحية لمنطق خاطئ فيما يتعلق بالأعداد الصغيرة.

الجاهزية لتقديم مطالبات بناء على أعداد صغيرة. تعتبر الأرقام الصغيرة مشكلة في الإحصاءات على اعتبار أن معظم التحليلات تقوم في العادة على عينة من السكان. بالتالي، علينا الاستدلال من تلك العينات لاستخلاص استنتاجات حول السكان جميعهم. وعلينا هنا أن نحاول أن نجد الحقيقة بين أكوام الاستنتاجات التي توصلنا إليها اعتماداً على ما سبق. فعندما نأخذ عينات صغيرة من مجموعة أوسع، ستكون مجموعة النتائج المحتملة أقل يقيناً وتمثيلاً لما يحدث حقاً.

وعندما يكون لدى المؤسسة بيانات حول الأفراد كلهم، لن تكون العينات الصغيرة مشكلة في تحديد الأنماط. ولا يتطلب فهم ما يحدث مع موظفيك أخذ معلومات من عينة السكان. لنقل مثلاً أن هناك مؤسسة لديها 40 امرأة من صاحبات البشرة السمراء في عام 2017، رحل منهن 15%، أو 6 سيدات، من الشركة في عام 2018. تمثل تلك النسبة معلومات كافية لك لمعرفة أنك قد تحتاج إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لاستبقاء النساء صاحبات البشرة السمراء.

والآن، لنقل أن معدل مغادرة النساء وسطياً هو 6% في المؤسسة. إذا ركزت الشركة فقط على الصورة الأكبر، ستذوب النسبة الخاصة بالمجموعة الأصغر، وسيصبح لدينا "معدل منخفض لمغادرة النساء للشركة" بدلاً من "معدل مثير للقلق لمغادرة النساء صاحبات البشرة السمراء"، الأمر الذي يمكن أن يُضر بجهودك المستقبلية للاحتفاظ.

وعندما يكون لديك عدد قليل، فإن كل خسارة وكل عملية تعيين وكل عملية ترقية مهمة. ويمكن أن تخلق الأعداد الصغيرة عدم اليقين، ولا يعني هذا في الوقت نفسه، أنك لا تستطيع تحليلها أو التصرف حيالها. وبدلاً من تفنيد هذه الاتجاهات، عليك دراستها ومعرفة معناها حول البيئة التنظيمية.

وبطبيعة الحال، يمكن أن تكون قلة التمثيل أكثر حدة من هذا. فعندما يكون لدى مؤسسة شخص أو شخصين من مجموعة ما، يكون من الصعب الحديث عن الاتجاهات، كما أنه لا يوجد أحد لتحليله في بعض الحالات. لكن، لا يعني انعدام وجود الأشخاص انعدام المساءلة، ما قد يعني أن على المؤسسة عمل الكثير من أجل بناء قوة عمل أكثر تمثيلاً، على سبيل المثال، إذ يمثل الرقم 0 نقطة بيانات في حد ذاتها.

قم بالتنقيب أعمق. يُظهر العمل الوصفي الطرق التي يتم عبرها تفصيل النتائج التنظيمية على أساس العرق والجنس وغيرها من الخصائص. بالتالي، وبغرض فهم ما تعنيه هذه الأنماط ومن أين جاءت، يجب القيام بتنقيب أعمق. وتمثل الأعداد الصغيرة فرصة مثالية لجمع البيانات القائمة على المقابلة.

فحالما تدرك مؤسسة ما أن 15% من النساء من صاحبات البشرة السمراء لديها يغادرن الوظيفة، عليها طرح عدة أسئلة: لماذا يحدث هذا؟ ما الذي يمكن فعله لتغيير الوضع؟ كيف يؤثر هذا على اللائي ما زلن في العمل؟ وتتيح مقابلة الأفراد الفرصة لطرح الأسئلة حول أمور لم تظهر في الأرقام، إذ يُعتبر جمع التفاصيل أمراً حيوياً لتوفير سياق يُفسر أموراً مثل معدل استنزاف يبلغ 15%، كما يمكن أن يقدم رؤى حول التدخلات المحتملة.

كما أن المقابلات أيضاً تُذكر أن "البيانات" التي تتعامل معها هي في الأصل أشخاص لا يمكنك أخذ فكرة كاملة عنهم باستخدام الإحصاءات. ويمثل التحدث مع الموظفين فرصة لفهم التطلعات المهنية، والرؤى الثقافية، وحتى صراعات معينة. وينبغي للمنظمات ألا تنسى أن اتخاذ القرارات اعتماداً على البيانات يؤثر على وظائف الأشخاص وسبل عيشهم.

بالتالي، يجب أن تكون عملية جمع البيانات مدروسة ومنهجية ومرنة من أجل جعل البيانات مفيدة قدر الإمكان. وتحتاج المؤسسات إلى النظر في ماهية المعلومات التي تسعى إليها، وذلك من أجل تكون الأسئلة التي تطرحها موجهة. في الوقت نفسه، ينبغي أن تكون على استعداد للحصول على أفكار جديدة وغير متوقعة في أسئلة المتابعة.

إشراك المدراء كحلفاء. توفر الطريقتان المذكورتان أعلاه الفائدة اللازمة لامتلاك معرفة حول المجموعات الصغيرة في المؤسسة، لكن من غير المرجح أن يكون لها تأثير من دون الحصول على تأييد المدراء ودعمهم، إذ يشكل المدراء عاملاً أساسياً في التدخلات، لأنهم أصحاب القرارات الرئيسة حول التوظيف والتقدم والمشاريع والفرق التي يعمل عليها الأشخاص. أي أنهم يشكلون تجربة العمل اليومية للموظفين. بالتالي، هم جهات أساسية في تحقيق التقدم والتنوع والشمول.

ويمكن للمؤسسات أن تساعد المدراء على التصرف كحلفاء من خلال خلق بيئة يُمكن أن تُجرى فيها المحادثات الحاسمة والصعبة. ويبدأ هذا مع تثقيف المدراء حول التقاطع، فلا يُقيّم الموظفون تجربتهم في المؤسسات على أساس العرق أو الجنس بشكل منفصل، بل يعيشون حياتهم عند تقاطع هذه الخصائص. فمثلاً خبرة النساء صاحبات البشرة السمراء في مؤسسة ما لا تشكل مجموع تجارب الأشخاص أصحاب البشرة السمراء، ولا النساء. وهناك عدد من الموارد تشرح النهج المتعدد الجوانب للتنوع،لماذا تكون هناك حاجة إليها و كيفية تنفيذها. ويمكن أن تؤدي مساعدة المدراء في التركيز على التنوع متعدد الجوانب إلى تعزيز الجهود التي تعمل على معالجة معدل الاستنزاف لدى النساء صاحبات البشرة السمراء البالغ 15%، بدلاً من افتراض أن معدل الاستنزاف للنساء يبلغ 6% وسطياً، والذي بدوره لا يدل على تجارب الجميع.

لا تتنازل فيما يتعلق بالأعداد الصغيرة. يُعتبر تحليل الأوضاع القائمة وتعزيز الدعم جزءاً كبيراً من تنفيذ جهود التنوع الشاملة، إلا أن الخطوة الأهم لأي مؤسسة تتمثل في زيادة الأعداد الصغيرة. ألقِ نظرة صادقة على مؤسستك فيما يتعلق بكل من التوظيف، والاحتفاظ بالموظفين، والترقية، والممارسات الثقافية. وعندما تفهم أين هي المشاكل، يمكنك البدء في معالجتها.

في بحثنا مع الشركات، كانت ردود فعل العديد من القادة، فيما يتعلق بقضية الأعداد الصغيرة، هي الفزع والإنكار وعدم التصديق. لقد سمعنا منذ فترة طويلة أن الأرقام الصغيرة هي نتيجة حتمية "لمسارات" مواهب خارجة عن سيطرة المؤسسات. إلا أن نقص تمثيل فئات معينة ليس أصيلاً أو لا مفر منه. بل هو نتاج تصرفات الأشخاص، والهياكل التي تخلقها، وكثير منها يحدث داخل المؤسسات. ويمكن تغيير الجهد والإجراءات مع بذل الجهد. وتحتاج المؤسسات إلى أن تكون جزءاً من هذا.

وبما أن الشركات تجمع المزيد والمزيد من البيانات حيال القوى العاملة لديها، ستكون هناك مجموعات لها بيانات محدودة مقارنةً بغيرها. ولا يجب التذرع بأن الأعداد الصغيرة هي الأساس المنطقي لوقف التقدم. وختام الحديث، لا يوجد إلا القليل لقوله في ظل البيانات المحدودة، والتي تساهم في تهميش أكبر للفئات المهمشة، وتخلق حاجزاً أمام التغيير الحقيقي. ولإحداث تغيير وتأثير دائمين، ينبغي أن تكون المؤسسات على استعداد لتحليل الأعداد الصغيرة، وجمع بيانات المقابلة التفصيلية عن تجارب الموظفين وخبراتهم، وإشراك المدراء كحلفاء للتغيير، وتحمل مسؤولية زيادة تلك الأرقام الصغيرة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!