بعد 12 عاماً من عملي كرئيسة ثم رئيسة تنفيذية في شركة إدارة الاستثمارات، قررت أنه قد آن الأوان لتغيير الأمور في الشركة وبدأت أفكر بنقل بعض مسؤولياتي إلى شركائي.

تشير البحوث إلى أنّ المؤسسات ومجالس إداراتها ليست مهيئة بشكل كاف لانتقال الرئيس التنفيذي. فأكثر أشكال التجاوزات شيوعاً فيها هو التأجيل بسبب العجز عن تحميل الجيل التالي من المدراء مسؤوليات أكثر. إذ يتردد الرؤساء التنفيذيون في تسليم المهام الرئيسية التي يعتبرونها مجموعة عناصر أساسية لهويتهم الخاصة، بالإضافة إلى أنّ مجالس الإدارة تعاني من صعوبة في دعم هذه التغييرات الضرورية. وعندما يغادر رئيس تنفيذي منصبه تفتقد الشركة القائد صاحب الخبرة في النواحي الأساسية من هذا المنصب الرفيع، وبالأخص في الشركات الصغيرة نسبياً كشركتي.

لم أكن أنوي التقاعد قبل خمس سنوات أخرى على الأقل، ولكنني أردت أن أرى مدى كفاءة فريقي في تنفيذ بعض أهم مهامي. على الرغم من أنّ مدة خمس سنوات تبدو مسيرة طويلة جداً، إلا أنها تنقضي بسرعة. لذلك رغبت بوضع خطة محكمة لمغادرتي الحتمية بصورة مسبقة.

خطوت خطوة في هذا المسار منذ عامين عندما رشحت أحد شركائي للرئاسة والآخر لرئاسة العمليات. من السهل ترقية شخص ما، ولكن التخلي عن جزء من عملك أصعب بكثير. كان عليّ اتخاذ قرار بشأن الوظائف التي عليّ تسليمها فعلاً.

تملك معظم الشركات سلسلة من المنتجات الأساسية التي تشكل القسم الأكبر من المبيعات والأرباح. وفي شركتنا، تشكل حافظات الأسهم حجر أساس لنجاحنا، ونظراً لخبراتي السابقة كنت منغمسة دائماً في البحث واختيار الأسهم والمتاجرة فيها.

ولكن في الأعوام الأخيرة تزايد انشغالي في تطوير الأعمال وعلاقات الزبائن وإدارة تعقيدات تشغيل الشركة، ولم يعد لدي الكثير من الوقت للبحث عن أفكار جديدة للاستثمارات. فقمنا بتعيين المزيد من الموظفين المؤهلين لملء هذه الفجوة، وبدا ذلك الوضع الطبيعي للبدء بتفويض المزيد من المسؤوليات للآخرين.

عينت أحد شركائي الأصغر سناً كمدير بحوث. وفي حين ما زلت أنا واحدة من صناع القرار الثلاثة في الشركة بشأن جميع التغييرات على حافظات الأسهم، أصبحت أقل انخراطاً في وقت سابق فيما يخص تلك العملية. واليوم أصبح رئيسنا يدير المفاوضات مع مزودي تقنيات المعلومات، كما يدير الرئيس التشغيلي عمليات الامتثال والتحضير لعروض التسويق بصورة كاملة.

بالطبع، شعرت بالقلق بشأن التخلي عن هذه المهام التي تساوي، في عالم الاستثمار، البحوث الأساسية التي تجرى في المختبر. هل يجعلني ذلك أبدأ بالشعور بأنني أصبحت بلا فائدة.

يخشى الكثير من الرؤساء التنفيذيين من الشعور بعدم أهميتهم عند تقاعدهم. وبالتأكيد احتجت بعض الوقت لأشعر بالرضا، وليس الحسد، عند سماع نقاشات زملائي بشأن المزايا التي تقدمها شركة جديدة، ولكنني امتنع عن المشاركة لأنه لا أحد يرغب برئيس تنفيذي مسيطر يلقي بآرائه وانتقاداته على كل حركة إدارية. لقد تعمدت تحميلهم هذه المسؤوليات، مدركة أنّ التدخل وتضييق الخناق عليهم سيولد الخلافات ويثير استياءهم ويتسبب بخلل وظيفي.

لذلك، بمجرد التخلي عن جزء من وظيفتي أصبح التحدي هو معرفة الأمور التي تشكل قيمة للشركة وتقدم لي خبرة شخصية تُشركني في العمل وتمدّني بالإلهام لأستعيض بها عما تخليت عنه. ما الذي يمكنه وصل نقاط قوتي واهتماماتي بالأهداف طويلة الأمد للمؤسسة؟

وجدت نشاطين أسعدني تخصيص الوقت لهما. منذ سنوات مضت، وبتشجيع من صديق لي في الإعلام، بدأت بكتابة مقالات لهذه المجلة وغيرها، لأصل إلى تأليف كتاب عن المجازفات الحساسة في الأعمال والاستثمارات والحياة. أدى الكتاب إلى مشاركتي في إلقاء الخطابات والمزيد من التأليف والظهور على شاشة التلفاز، وتوقيع عقد مع شبكة تلفزيونية كبرى متخصصة بالشؤون المالية منذ عامين والظهور على شاشتها عدة مرات في الشهر.

منذ أن قمت بإعادة تقييم مسؤوليات وظيفتي الأساسية بدأت بزيادة وجودي ومشاركتي في الإعلام، وهو أمر متمم لأعمال إدارة الاستثمارات ويساعد على نشر علامتنا التجارية في أنحاء البلاد. وبالإضافة إلى الإعلام، استلمت مشروعاً لتوليد الوعي بشأن شركتنا على اعتبار أنّ النساء يشكلن القسم الأكبر من الشركاء المالكين.

مع تزايد ضغط مجالس الإدارة والمؤسسات لإضافة تنوع أكبر في عملياتهم وإداراتهم، أثار الناشطون مشكلة التنوع بين الأطراف الثلاثة التي يتم تعيينها من أجل الاستثمار لصالح هذه الهيئات وتقديم الاستشارات لها، أي المحامين والمحاسبين والمستشارين ومدراء الاستثمار. وبصفتي الرئيسة التنفيذية، كان هذا الجهد يهدف إلى تطوير الأعمال ويمكن أن يشكل قيمة كبيرة لشركتنا.

كما مدّني ما يقوم به بعض زملائي في مناصب مماثلة بالإلهام. إذ قام أصدقائي الذين يشارفون على التقاعد من مناصب إدارية رفيعة المستوى بتطبيق برامج إرشاد قوية داخل شركاتهم، وأنشأوا فرصاً للبحث والتعليم لزملائهم ووجهوا التركيز على تطوير منتجات جديدة لم يحظ أحد بالوقت لقيادتها سابقاً.

ما الذي يجب على الرؤساء التنفيذيين في الشركات الصغيرة والمتوسطة التفكير به عند انتقالهم نحو المرحلة التالية من مسيراتهم المهنية؟

  1. التفكير بشأن نقل بعض المسؤوليات إلى الجيل التالي من القادة. عليك البدء بالتخطيط لبرنامج تصفية بعض أعمالك وتطبيقه قبل عامين على الأقل. في البداية، يجب ألا تأخذ هذه الجهود أكثر من 10% من وقتك، ومن ثم ستتمكن من التركيز أكثر على هذا الأمر مع اقتراب موعد التقاعد.

  2. اعمل عن قرب شديد مع الشخص الذي اخترته لاستلام مسؤولياتك قبل أن تسلمه التكليفات بأكملها. وما أن تنتهي من تقييم هذه الوظائف، ثق بحكمك ودع فريقك يستلم زمام الأمور دون تدخل منك. وامتنع عن مراقبة الفريق وشرح طريقتك في القيام بالأمور لمدة لا تقل عن ستة أشهر. في أغلب الأوقات سيملك زملاؤك الذين اخترتهم الحدس السليم في العمل، وإن لم يكن الأمر كذلك فنصف عام ليس ما لا نهاية.

  3. ابتكر في التفكير بشأن أحد الأمور التي كنت تحلم بالقيام بها من أجل شركتك ولم تحظ بالوقت لتحقيقها. قد تكون قد عملت فعلاً في هذا المجال ولكن اليوم يمكنك تركيز اهتمامك أكثر على تحقيق هذا الحلم.


كما أنني وجدت فائدة في مراجعة المشاريع التي يمكنني متابعتها مع وجود شخص ثان في القيادة ومع مجموعة أكبر من المدراء. وأدركت أنه إذا كان لدى أحدهم اعتراض يمكنني معرفة ذلك في وقت مبكر وسيكون لدي وقت لمعالجة مخاوفه. قد تكون هناك مجازفة في أعمالي الجديدة، إذ يمكن لكبار الإداريين الجدد إساءة فهم نيتي في توسيع الأسواق أو تعزيز العلامة التجارية أو إنشاء خط إنتاج جديد، أو قد يبدو عملي هذا مشروعاً للتفاخر ليس إلّا.

يمكن أن تكون عملية الانتقال عبارة عن حقل ألغام مليء بالتصادمات والخلل الوظيفي وجرح المشاعر. ولكن إذا تمت إدارتها بحذر، عندئذ ستكون عملية مربحة لجميع الأطراف.

بدأت بالتخطيط لتقاعدي المؤكد قبل خمسة أعوام على الأقل. وأعدت توزيع بعضاً من مهامي الوظيفية على شركائي الأصغر سناً، إذ يجب عليهم إتقانها قبل مغادرتي. وبذلك أصبح لدي أوقات فراغ ملأتها بارتباطاتي بالإعلام وتطوير الأعمال، وهو ما يشكل فائدة للشركة ويوسع دوري في اتجاه جديد. وحتى الآن، تسير الأمور على خير ما يرام.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!