لا شك أنّ التغيير التنظيمي ليس بالأمر السهل، إذ إنّ جعل الأشخاص المتمسكين بآرائهم يتّبعون أسلوباً مختلفاً في عملهم يُعتبر من الأمور التي تنطوي على تحديات. إذاً، ما أنماط التدخلات التي قد تغير سلوكيات الأشخاص بالفعل بطرق تجعل التغيير مقبولاً أكثر؟

للإجابة عن هذا السؤال، أجريت دراسة إثنوغرافية لمدة عامين على أقسام الرعاية الأولية في مستشفيين في الولايات المتحدة، واللذان كانا جزءاً من المؤسسة الأم نفسها، ويقدمان الخدمات الطبية ذاتها، ويعينان الأطباء وباقي الفرق الطبية من خلفيات متماثلة. بالإضافة إلى ذلك، تلقى كلا المستشفيين منحة بقيمة 750,000 دولار لإجراء تغيير داخلي، أي تحسينات متعلقة بنظام الرعاية الطبية المنزلية المتمحورة حول المريض (PCMH) والذي عُمم في جميع أنحاء الولايات المتحدة. يتطلب هذا النظام إجراء تغييرات على أساليب العمل اليومية لأطباء الرعاية الأولية من خلال الانتقال من الرعاية القائمة على الاستجابة إلى الرعاية القائمة على الوقاية (مثل إعطاء اللقاحات ومسحات عنق الرحم وتصوير الثدي الشعاعي وتنظير القولون وما إلى ذلك)، والاستعانة بإرشادات مستندة إلى الأدلة لعلاج المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل مرضى السكري.

راقبت العمل اليومي في كلا المستشفيين لمدة ثلاثة أشهر قبل البدء بتطبيق إجراءاتهم الخاصة بنظام الرعاية الطبية المنزلية. ودرست على وجه الخصوص أوجه التفاعل بين المدراء والأطباء والمساعدين الطبيين بصفتهم الأطراف الفاعلة الرئيسة المشاركة في التغييرات اليومية بما يتماشى مع التحسينات. لقد راقبتهم أثناء مشاركتهم في أنشطة مثل "التجمّع"، حيث يناقش الأطباء والمساعدون الطبيون أوضاع ومستوى تحسن المرضى الذين يأتون لزيارة المستشفى خلال ذلك اليوم، واجتماعات التخطيط الاستراتيجي، حيث يتحدث المدراء والأطباء والمساعدون الطبيون حول أفضل السبل لإجراء التحسينات.

بعد إدخال التحسينات المتعلقة بنظام الرعاية الطبية المنزلية المتمحورة حول المريض، واصلت مراقبة أوجه التفاعل تلك خلال العامين التاليين. في المجمل، تعقبت وقابلت 48 طبيباً و10 مدراء و24 مساعداً طبياً. كما عملت على تحليل الوثائق الطبية، بما فيها عروض الباوربوينت والوثائق الورقية الطبية وغيرها من المستندات التي طورها المدراء لتسهيل تنفيذ نظام الرعاية الطبية المنزلية.

اعترض عدد قليل من الأطباء بشدة على تلك التحسينات المتعلقة بذلك النظام في البداية، بينما اعتقد الأغلبية أنّ التغييرات كانت تستحق بذل الجهد. حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لديهم وجهة نظر إيجابية حول نظام الرعاية الطبية المنزلية، إلا أنّ الكثير منهم شعر أنّ تلك التحسينات قد تتعارض مع قدرتهم على توظيف خبراتهم المتخصصة لمساعدة المرضى، والاعتماد على خياراتهم، والحفاظ على استقلاليتهم في علاجهم. بمعنى آخر، في حين أنني لم أرصد ردود فعل سلبية واسعة النطاق بصورة عامة، إلا أنني لاحظت وجود درجة من المقاومة.

في النهاية، كان معدل نجاح المدراء في أحد المستشفيين أكبر في تغيير العادات السلوكية للأطباء مقارنة بنظرائهم في المستشفى الآخر. على وجه التحديد، وعبر مراحل الدراسة الثلاث، ارتفع معدل تبني أساليب نظام الرعاية الطبية المنزلية في المستشفى الناجح من 6% إلى 65%، بينما بقي المعدل في المستشفى الآخر ثابتاً نسبياً عند المستوى المنخفض الأولي الذي يشكل نسبة 6%. إذاً، لماذا هذا الفرق الكبير؟

تمكنت من تحديد العامل الأبرز عن طريق تحليل البيانات؛ فقد استعان المدراء في الفرق الأكثر نجاحاً بالمساعدين الطبيين للمساعدة في تغيير سلوكيات الأطباء. في كلا المستشفيين، كان المساعدون الطبيون مسؤولين عن إحضار المرضى من قاعة الانتظار إلى غرفة الفحص الطبي، وقياس وزنهم وضغط الدم لديهم. وعلى الرغم من عدم تمتع المساعدين الطبيين بأي سلطة رسمية على الأطباء، إلا أنه كان لديهم قدرة عالية على التأثير لأنهم يتمتعون بالكثير من "السلطة الهيكلية".

أولاً، شغل المساعدون الطبيون موقعاً مركزياً على خط سير عمل الأطباء، إذ كان بإمكانهم تذكير الأطباء بتطبيق الممارسات الجديدة مثل تقديم لقاحات معينة، وأيضاً، إتاحة الفرصة للأطباء لمراجعة التغييرات المقترحة والموافقة عليها قبل تنفيذها.

ثانياً، لقد أنجزوا مهاماً حيوية بالنسبة إلى العمل اليومي للأطباء، ما جعل من السهل عليهم نسبياً طلب الدعم من الأطباء. وقد أدى ذلك إلى رؤية الأطباء أنفسهم على أنهم يطبقون الممارسات الجديدة من أجل مساعدة مساعديهم الطبيين بدلاً من تلبية المطالب الإدارية.

ثالثاً، كان للمساعدين الطبيين دوراً جوهرياً ضمن شبكة زملاء الأطباء، أي أنهم تمكنوا من مشاركة المعلومات المتعلقة بأولئك الأطباء الذين تبنوا الممارسات الجديدة.

رابعاً، كان عملهم يتمركز بين المرضى والأطباء، بحيث يمكنهم اقتراح تغييرات في ممارسات الأطباء، وفي الوقت نفسه حماية الأطباء من التحديات العاطفية المتعلقة بالمرضى المستائين أو الغاضبين.

لكن الأمر لم يكن متعلقاً فقط بتمتع المساعدين الطبيين بالكثير من السلطة الهيكلية، إذ تم "تزوديهم بأدوات محددة" لتسخير هذه السلطة الهيكلية من أجل إقناع الأطباء بتطبيق نظام الرعاية الطبية المنزلية. على وجه التحديد، زوّد المدراء في المستشفى الناجح المساعدين الطبيين أموراً من قبيل التنبيهات البصرية، ما ساعد على تحديد ما إذا كان مريض معين بحاجة إلى إجراء عملية له أو إخضاعه إلى فحص معين. على سبيل المثال، تضمن ملف كل مريض نموذج مراجعة أرجواني اللون، حيث يمكن للمساعدين الطبيين وضع علامة على أي إجراء مطلوب مثل تنظير القولون أو تصوير الثدي الشعاعي كتذكير مفيد للأطباء. وقد قال أحد الأطباء: "أعتبر ذلك السجل الأرجواني مفيداً، إذ إنّ هناك الكثير من الأمور التي ينبغي إنجازها (خلال وقت الزيارة) ومن الجيد تذكيرنا بها".

تمثلت الأداة الفعالة الأخرى في "برامج الدعم النصية" المقدمة إلى المساعدين الطبيين، وتمثلت إحدى تلك البرامج في إعانة أولئك المساعدين على إقناع الأطباء بتطبيق تحسينات معينة لعلاج مرض السكري. في ذلك البرنامج النصي، قد يطرح المساعدون الطبيون إجراء تغيير ما باعتباره أمراً يمكن للطبيب فعله من أجل دعمهم، فقد يطرحون مثلاً: ("من المفيد جداً بالنسبة إليّ إذا ما…")، بدلاً من أن يكون الأمر منطوياً على سياسة تفرضها الإدارة، بإشارة من قبيل: ("نحن بحاجة إلى فعل ذلك…"). وقد ذكرت إحدى المساعدات الطبيات التالي: "أخبرت (الطبيبة) أنه عندما يكون المرضى مدرجين في القائمة، فإنني بحاجة إلى الاستمرار في تنظيم أمورهم، وإنّ ذلك يتطلب وقتاً. وقد قالت أخيراً إنها ستجري (فحوصات معدلات الشحوم) لشطب أسماء أولئك المرضى من القائمة لأجلي". بعبارة أخرى، رأى الأطباء أنفسهم أنهم يقدمون المساعدة إلى المساعدين الطبيين، وكما ذكر أحد الأطباء: "نحن نريد إبقاء المساعدين الطبيين سعداء لأننا نعتمد عليهم". كان الأطباء على استعداد لإجراء تغييرات من أجل تقديم المساعدة إلى مساعديهم الطبيين، طالما أن هذه القرارات لم تتعارض مع قراراتهم الطبية.

كانت هذه الأدوات فعالة لأنها قللت بصورة ملحوظة الدرجة التي قد تهدد تلك التحسينات خبرة الأطباء واستقلاليتهم ومسؤوليتهم الفردية تجاه المرضى ومشاركتهم في العمل المتشعب.

تجدر الإشارة إلى أنّ المدراء في المستشفى الناجح قد وفروا الوقت لمساعديهم الطبيين من أجل الانخراط في العمل الجديد المرتبط بالتأثير على الأطباء. كما عقدوا جلسات حوار متبادلة سمحت لأولئك المساعدين بإعلام المدراء بالعقبات التي يواجهونها وطلب الموارد التي يحتاجون إليها لمعالجة تلك العقبات. على سبيل المثال، كان يسود كلا المستشفيين ممارسات تقليدية مثل تغطية حالات النقص في عدد الموظفين عن طريق جعل المساعدين الطبيين الذين يترأسهم عدد قليل من الأطباء في جلسة طبية خلال يوم معين يتناوبون من مجال قسم معين إلى آخر. ومع إدخال نظام الرعاية الطبية المنزلية المتمحورة حول المريض، كان المساعدون الطبيون بحاجة إلى العمل بعيداً لتحديد المرضى الذين كانوا بحاجة إلى لقاحات ومسحات عنق الرحم وما شابه. عندما جعل المدراء المساعدين الطبيين يتناوبون، عانى الأخيرون من ضغط العمل الشديد لأنهم لم يتمكنوا من استغلال وقت الفراغ في إنجاز ذلك العمل. ناقش المساعدون الطبيون تلك المسألة فيما بينهم ورفعوها إلى مدرائهم، وقد تجاوب المدراء مع ذلك من خلال إلغاء تناوب المساعدين الطبيين.

بينما أفاد المساعدون الطبيون في المستشفى الناجح أنّ نوعية حياتهم العملية قد تحسنت بعد استخدام هذه التكتيكات، إلا أنهم طرحوا مسألة إمكانية استغلال المدراء لشبه المهنيين، إذا ما استُخدمت تلك التكتيكات دون أخذ رفاه أولئك المساعدين بعين الاعتبار. يمكن لبحوث مستقبلية استكشاف التكاليف بالنسبة إلى شبه المهنيين التي تنشأ من الانخراط مع مهنيين أكثر قوة في محاولات التأثير نيابة عن المدراء، ويمكن لتلك البحوث أيضاً استكشاف كيف يمكن الحيلولة دون وقوع ذلك.

في حين أنّ دراستي تناولت مستشفيين كانا يحاولان تغيير ممارسات عمل أطبائها، أعتقد أنّ فكرة الاستفادة من السلطة الهيكلية للعاملين الذين يشغلون المستويات الدنيا من أجل دفع التغيير من المستوى الأدنى إلى الأعلى تنطوي على آثار أوسع نطاقاً، وخاصة بالنسبة للمؤسسات الأخرى التي توظف المهنيين والتي قد تشمل مجال القانون أو المحاسبة أو الخدمات الاستشارية وغيرها. على سبيل المثال، هل يمكن لمؤسسة قانونية تغيير سلوك المحامين الذين يعملون معها على نحو أكثر فاعلية عن طريق توظيف مساعدين قانونيين من أجل دعم مبادرة التغيير؟ وهل يمكن للشركات فعل الأمر نفسه مع مساعديها الإداريين عند تطبيق إجراءات التغيير التنظيمي؟

بالنظر إلى معدل النجاح السيئ لمبادرات التغيير في العديد من الشركات، فإنّ توظيف شبه المهنيين الذين يشغلون المستويات الدنيا من أجل تقديم المساعدة فيما يتعلق بتغيير ممارسات المهنيين الذين يعملون معهم هو بالتأكيد نهج يستحق أخذه بعين الاعتبار.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!