تُخفق غالبية المؤسسات حول العالم في أحد المقاييس الأساسية للنجاح ألا وهو تنمية القيادات. وبحسب بحث أجرته شركة Corporate Escutive Board-(CEB)، فإن 66% من الشركات تستثمر في برامج تهدف إلى اكتشاف الموظفين ذوي القدرات الكامنة العالية ومساعدتهم في التطور والنمو، غير أن نسبة 24% فقط من كبار المدراء التنفيذيين في تلك الشركات ينظرون إلى هذه البرامج بوصفها ناجحة. وإن نسبة صغيرة من هؤلاء المدراء لا تتعدى 13% يثقون في قادتهم الصاعدين، بعدما كانت تلك النسبة قد بلغت 17% منذ ثلاث سنوات فقط، وهي نسبة متدنية أصلاً. وفي كبريات الشركات في العالمالتي توظف كل منها آلاف المدراء التنفيذيين- يجري توظيف 30% من المدراء الجدد من خارج تلك الشركات.
لا تكمن المشكلة في غياب أو نقص المواهب الداخلية. فنحن في شركة "إيغون زيندر" نعمل منذ 30 سنة على قياس القدرات الكامنة للمدراء التنفيذيين، وقد حددنا المؤشرات وثيقة الصلة بالكفاءات القيادية. وتتمثل أولى تلك المؤشرات في امتلاك الحافز المناسب، ما يعني عموماً الالتزام الشديد بالتفوق في السعي لتحقيق أهداف كبيرة وجمعية ضمن سياق محدد. فعلى سبيل المثال، يختلف تحفيز قادة المؤسسات الخيرية الكبرى عن ذاك المطلوب من قادة البنوك الاستثمارية. ولا يمكن تقييم هذا المؤشر أو مقارنته بسهولة بين المدراء الأفراد على نحو مجدٍ. أما المؤشرات الأخرى - كحب الاطلاع، والتبصر، والانخراط، والإرادة - فيمكن قياسها ومقارنتها. وإن ألقينا نظرة على التقييمات أو النقاط التي يحصل عليها المدراء في قاعدة بياناتنا العالمية (وهم مدراء ينحدرون من آلاف الشركات ومن مختلف القطاعات وأغلبهم يشغل مناصب في المستويات الثلاث العليا للتراتبية الهرمية) على مقياس تلك السمات المميزة الأساسية الأربع، لوجدنا أن 72% منهم يمتلكون قدرات كامنة للنمو والتطور لتولي أعلى المناصب والأدوار القيادية في شركاتهم. فضلاً عن أن 9% من هؤلاء المدراء لديهم المقومات اللازمة ليصبحوا مدراء عامين تنفيذيين أكفياء. لكن لسوء الحظ، فإن العديد من المؤسسات لم تستوضح بعد كيف لها أن تطور قادتها المستقبليين على أتم وأكمل وجه. ومن شأن هذا أن يحد من تقدم هؤلاء القادة وبالتالي يُقوض انخراطهم في العمل وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى استنزافهم. ويُظهر بحث جديد أجرته شركة "غالوب" أن 51% من المدراء الأميركيين يشعرون بعدم الانتماء إلى وظائفهم وشركاتهم، في حين أن 55% منهم يبحثون عن فرص عمل خارج مؤسساتهم. وتنتقل هذه المشكلة تدريجياً إلى السويات الأدنى من السلم الوظيفي، فبحسب دراستين شاملتين أجراهما محرك البحث "Indeed.com"، أشهر موقع أميركي للبحث عن الوظائف، يبحث 71% من الموظفين على نحو فاعل عن فرص عمل جديدة أو يتقبلون شغل وظائف جديدة، بينما يتصفح  58% منهم إعلانات التوظيف مرة على الأقل كل شهر. كما إن المعدل الوسطي لترك الموظفين عملهم (وحوالي ثلاثة أرباعهم طوعاً) يتنامى بشكل ملحوظ على مدار السنوات الست الماضية. ففي العام 2016، بلغ هذا المعدل سوية مرتفعة جديدة بلغت 20.3% في الولايات المتحدة، وكانت تلك السوية أعلى بكثير في القطاعات الأكثر جذباً. وفي البلدان الأخرى كانت الأرقام مشابهة. يعد الانخراط المتدني للموظفين والنسبة المرتفعة لتركهم العمل أمران مكلفان جداً بالنسبة للمؤسسات، وبخاصة إذا ما كان أولئك الموظفون يمتلكون قدرات كامنة كبيرة وجرى الاستثمار في تطويرهم سابقاً. فكيف يمكن للشركات إذاً أن تتفادى هذا الهدر الكبير للمواهب وتبتكر برامج تنموية أكثر فعالية؟ أولاً، من خلال تحديد أهم الكفاءات المطلوبة لتولي مناصب وأدوار قيادية فيها. وقد حددنا في قسم الخدمات الاستشارية لشؤون القيادة في شركة "إيغون زيندر" سبع كفاءات نجدها أساسية ومهمة بالنسبة لمعظم المناصب التنفيذية في الشركات الكبرى، وهي: ربط التوجه بالنتائج المرجوة، وربط التوجه بالاستراتيجية، والتعاون والتأثير، وقيادة الفريق، وتنمية المقدرات المؤسسية، وقيادة التغيير، وأخيراً فهم السوق. فضلاً عن أن الكثير من الشركات القيادية الرائدة ترى أن ثمة كفاءة ثامنة ضرورية للأداء التنفيذي، ألا وهي الشمولية. ثانياً، من خلال إجراء تقييمات دقيقة للقدرات الكامنة لدى المدراء الطموحين، أي اختبار مواءمتهم التحفيزية وتقييمهم على نحو مدروس وفق مقياس السمات المميزة الأساسية الأربع - حب الاطلاع، والتبصر، والانخراط، والإرادة. ثالثاً، من خلال تصميم خارطة للنمو تُبين كيف تتسق نقاط قوة الموظف في كل من السمات المميزة الأربع مع الكفاءات المطلوبة لتولي المناصب والأدوار المتنوعة. رابعاً، من خلال منح أصحاب القدرات الكامنة الكبيرة فرصاً صحيحة للتطور والنمو - بما في ذلك التناوبات الوظيفية والترقيات التي قد لا يبدون جديرين بها تماماً غير أنها تناسب خرائط النمو المصممة لأجلهم – فضلاً عن توفير التدريب والدعم الهادفَين. لقد تبنت شركات مثل شركة التبغ اليابانية ومجموعة "برودنشال بي إل سي" البريطانية للخدمات التأمينية والمالية العالمية، هذا النهج لتعزيز برامج تنمية مواهبها ودعم مخزونها من القدرات القيادية الداخلية. وإن اتباع هذا النهج إنما يتطلب التزاماً عميقاً من كبار المدراء التنفيذيين وبعض الاستثمار في الموارد البشرية. بيد أن التراخي وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة في  هذا الخصوص من شأنه أن يكبد الشركات تكاليف باهظة جداً: فبما أن المنافسة على المدراء الأذكياء والأكفاء تدور رحاها في كل أنحاء العالم، لا يجدر بالمؤسسات الاستمرار في إغفال مواهبها الداخلية والاستهانة بها أو تثبيط معنوياتها واللجوء إلى ملء شواغر مناصبها القيادية بتوظيفات خارجية مكلفة. ولذلك لا بد لهذه المؤسسات أن تتعلم كيف تنمي قادتها الداخليين.

استقراء الحاجات والمهارات

قبل أن تشرع أية مؤسسة في وضع خارطة للقدرات الكامنة لدى مدرائها ومدى ملاءمتها للكفاءات المطلوبة، عليها تحديد ما تحتاجه بالضبط، الأمر الذي قد يتباين من شركة لأخرى. ففيما تحتاج إحدى الشركات التي جرى الاستحواذ عليها مؤخراً من قبل شركة ملكية خاصة إلى كفاءة التوجه وفق النتائج بوصفها أولوية، قد تتطلب إدارة مصرف من الطراز القديم في سعيها للحاق بركب التطور في العصر الرقمي امتلاك كفاءتَي الفهم العميق والدقيق للسوق والتوجه الاستراتيجي. كما تتباين المتطلبات وتتنوع من منصب لآخر ضمن الشركات ذاتها. فلنلقِ نظرة على الكفاءات التي توقع مجلس إدارة إحدى شركات الأدوية التي عملنا معها، امتلاكها من قبل من سيشغل منصب الرئيس التنفيذي، والمدير المالي (الذي كان يتولى أيضاً منصب كبير المسؤولين عن الشؤون الاستراتيجية)، ورؤساء وحدات الأعمال في السنوات الثلاث القادمة، وذلك تبعاً لاستراتيجية الشركة متوسطة المدى. وكما هو الحال مع المدراء التنفيذيين كافة، من الضروري امتلاك الرئيس التنفيذي سويات متميزة في كفاءتَي التوجه الاستراتيجي والتوجه وفق النتائج. إلا أن هذه الشركة بالذات كانت تحاول أن تتكيف مع الحقبة الرقمية وأن تغدو أكثر تنوعاً في موظفيها وأكثر مرونة في أسلوب عملها، لذا قام مجلس إدارتها أيضاً بالتركيز على كفاءات الشمولية، وقيادة الفريق، وقيادة التغيير بوصفها من الأولويات. وبالنسبة للمدير المالي - المكلف أيضاً بالإشراف على تنفيذ الاستراتيجيات الجديدة- فيتعين عليه امتلاك كفاءات التعاون والتأثير، وقيادة التغيير، والتوجه الاستراتيجي. أما بالنسبة لرؤساء الوحدات، المتواجدين في الخطوط الأمامية لعملية التغيير الاستراتيجي والثقافي والمسؤولين أيضاً عن التقيد بميزانيات محددة، فقد تمثلت الكفاءات الأساسية المطلوبة في التوجه وفق النتائج، وتنمية المقدرات المؤسسية، وقيادة الفريق، والشمولية. ومن الضروري بالنسبة لمؤسستك أن تسعى على نحو مماثل إلى تحديد الكفاءات الأهم لشغل المناصب القيادية العليا فيها في ضوء التحديات الخاصة التي تواجهها والأهداف التي تضعها. ونقترح تحديد مستوى المهنية المطلوب في كل كفاءة بالنسبة لكل دور أو منصب على مقياس مدرج من 1 إلى 7. (لمزيد من الشرح المفصل لكيفية تحويل مستوى المهارات إلى أرقام، انظر العرض التوضيحي: "سويات الكفاءة"). وعادة ما تتطلب مناصب السويات القيادية العليا تسجيل الرقم 4 على الأقل في الكفاءات المهمة لهذه المناصب، أما بالنسبة لمنصب الرئيس التنفيذي فمن الضروري تسجيل الرقم 5 على الأقل. ومن الضروري أن تنتقل هذه العملية تدريجياً إلى المراتب الأدنى على السلم الوظيفي، بحيث تصبح لديك فكرة واضحة عن المهارات الأساسية المطلوبة لتأدية المهام الإدارية في السويات الأدنى أيضاً. ويتعين عليك، بالنسبة للمناصب كافة، أن تقاوم الميل إلى طلب سويات عالية في الكفاءات كلها، ذلك لأنك لن تجد أبداً قادة يتمتعون بالكمال المطلق. وفي دراسة أجريناها بالتعاون مع شركة "ماكنزي"، لأكثر من 5,000 مدير تنفيذي في 47 شركة، وجدنا أن 1% فقط حققوا متوسط كفاءة مهنية بلغت الرقم 6 أو أكثر، وأن 11% منهم فقط أحرزوا الرقم 5. ولذا، فحتى بالنسبة لأعلى المناصب الإدارية، يتعين عليك أن تسعى إلى إحراز سويات فوق المتوسط في معظم الكفاءات ورقماً مميزاً في اثنتين أو ثلاث منها. وتتمثل الخطوة التالية في إجراء تقييم شامل للكفاءات الحالية للقادة المستقبليين وقدراتهم الكامنة القابلة للتطور والنمو. وبمقدورك فعل ذلك من خلال قيامك بمراجعة عميقة واستعراض دقيق لخبراتهم المهنية؛ وطرح الأسئلة المباشرة عليهم؛ والتواصل مع رؤسائهم وأقرانهم، وإعداد التقارير المباشرة حولهم. ولكي تحصل على أفضل المعلومات من الموظفين والزملاء، اطرح أسئلة مفتوحة وتقص بنفسك. فإن أردت، على سبيل المثال، استقراء مقدار الإرادة التي يتمتع بها المدراء، اطلب منهم أن يستذكروا حدثاً ما اعترضهم وسار على نحو سيئ وأن يخبروك عن ردة فعلهم حيال ذلك الحدث. ولكي تقيم كفاءتهم في تنمية المقدرات المؤسسية، اضغط باتجاه تزويدك بتفاصيل حول المرؤوسين الذين وجهوهم وعملوا على تطويرهم. ويتعين عليك تصنيف كل مدير تبعاً للسمات المميزة للقدرات الكامنة؛ ففي شركة "إيغون زيندر" نستخدم لهذا الغرض مقياساً مدرجاً من الرقم 1 (الدرجة الدنيا) إلى الرقم 4 (الدرجة الممتازة). كما يتعين عليك أيضاً تصنيف المدراء كلهم تبعاً لمستواهم الحالي في كل كفاءة أساسية (باستخدام المقياس المدرج من الرقم 1 إلى الرقم 7)، الأمر الذي يُسهم في تكوين صورة عامة عن موقع كل مدير. وبعد الحصول على هذه المعلومات، أصبح بمقدورك الآن أن تخطو الخطوة المهمة الثالثة ألا وهي التنبؤ بالمجال الذي من المرجح أن ينجح فيه كل مدير تنفيذي. فبمقارنة الأرقام الأولية التي أحرزها المدراء التنفيذيون خلال دراستنا الممتدة على مدار 30 عاماً مع المعلومات التي جمعناها عن تطور مسارهم المهني في نهاية المطاف، يمكننا القول إن ثمة أنماط لكيفية تحول السمات المميزة الفردية بدايةً إلى امتلاك كفاءات قيادية في المحصلة. فسمة حب الاطلاع وثيقة الارتباط بجميع الكفاءات الثمانية، ولذا فإن إحراز سوية مرتفعة في هذه السمة هو شرط لازم لكل مدير يُعد مرشحاً جدياً للتطوير والترقية. بيد أن السمات الثلاث الأخرى ترتبط كل منها ارتباطاً وثيقاً بكفاءات مختلفة، وبالتالي تقدم لنا تصوراً واضحاً عن التطور المستقبلي لهؤلاء القادة. فعلى سبيل المثال، وربما من غير المستغرب، تعد سمة التبصر مؤشراً جيداً على القدرة لتطوير كفاءتَي التوجه الاستراتيجي وفهم السوق. وإذا أردنا أن نفصل أكثر، نعتقد أن من يحرز الرقم 3 (من 4) كحد أدنى على مقياس سمة التبصر (وسمة حب الاطلاع) يكون قادراً على إحراز الرقم 5 (من 7) في كفاءة التوجه الاستراتيجي، إذا ما حظي بالدعم اللازم. كما وجدنا أيضاً أن بوسع مَن يتمتع بأرقام عالية في سمة الإرادة أن يبني أفضل النتائج في كفاءتَي التوجه وفق النتائج، وقيادة التغيير؛ في حين أن من يحرز أرقاماً عالية في سمة الانخراط، من المرجح أن يكون الأقوى في كفاءات قيادة الفريق، والتعاون والتأثير، وتنمية المقدرات المؤسسية. وإذا ما تسلحت بتقييمات دقيقة حول الكفاءات الحالية والقدرات الكامنة التي يتمتع بها قادتك الصاعدون، وعملت على تنميتها وتطويرها في كل مجال، تكون في موقع أفضل بكثير لوضع خطط التطوير والتعاقب في كل أقسام مؤسستك. ومن شأن هذا أن يساعدك في ضمان أن يكون لديك خط إمداد قوي من الموظفين الجديرين بتولي المناصب القيادية العليا في المستقبل. وتظهر الخبرة التي اكتسبناها في عملنا الاستشاري مع إحدى كبريات شركات الإنتاج العالمي كيفية عمل هذا النهج. فالرئيس التنفيذي للشركة كان من المفترض أن يتقاعد بعد سنة، وكان على مجلس الإدارة اتخاذ قرار بشأن الخلف. وعندما قيّمنا مرشحَين داخليَين اثنَين "س" و"ع"، وجدنا أنهما يمتلكان نقاط قوة متشابهة، لكنهما يختلفان جداً من حيث تفاصيل سماتهما الاستقرائية. ففي حين كان "س"، من الموظفين القدامى في مجال الأعمال الرئيسية للشركة، ويمتلك سوية عالية في كفاءتَين اثنتَين مهمتَين لشغل منصب رئيس تنفيذي - ربط التوجه بالنتائج، وفهم السوق؛ غير أن تقييماته المنخفضة في سمات الإرادة والتبصر وحب الاطلاع، جعلت إمكانات تطوره محدودة؛ كان "ع" الذي صعد سلم التدرج الوظيفي في أحد الأعمال الناشئة ضمن الشركة، أضعف من زميله في كفاءاته الحالية، لكنه أقوى بكثير في جميع السمات الأساسية الضرورية ويمتلك قدرات كامنة أعلى ليتمكن مستقبلاً من شغل وظيفة رئيس تنفيذي (انظر العرض التوضيحي بعنوان "المقارنة بين مرشحَين اثنَين"). ولدى عرض هذه النتائج على المجلس نشب نقاش حام. إذ وقف أحد كبار المدراء بقوة مع اختيار "س" الذي يتمتع بكفاءات أعلى بقليل من منافسه لكنه يمتلك خبرة عميقة في مجال الأعمال الرئيسية للشركة. في حين دعم مدير آخر "ع" لأنه يمتلك قدرات كامنة عالية جداً. أما المدير الثالث فصرح بأنه يفضل تعيين شخص من خارج الشركة، انطلاقاً من الحاجة إلى رئيس تنفيذي في غضون سنة واحدة فقط. وفي نهاية المطاف توصل الفريق إلى حل إبداعي، ألا وهو الطلب من الرئيس التنفيذي الحالي البقاء في منصبه سنة إضافية، والتعاون مع مجلس الإدارة في غضون هذه السنة لتقديم برامج تطوير مصممة خصيصاً لكل من المرشحين الداخليَين والإشراف على نموهما وتطورهما. وهذه هي الخطوة الأساسية الرابعة في تحويل الموظفين الذين يمتلكون قدرات كامنة عالية –على الأصعدة كافة - إلى قادة: وفر لهم الفرص وقدم لهم التدريب والدعم اللازمَين لردم الهوة بين قدراتهم الكامنة وكفاءاتهم الحالية. فالموظف الذي يتمتع بسوية عالية من سمتَي حب الاطلاع والتبصر على سبيل المثال يحتاج إلى تكليفه بمهام التخطيط الاستراتيجي والإشراف على المشاريع الابتكارية لكي يتعلم ويطور ما ينقصه من مهارات. أما الموظفون الذين يتمتعون بسوية عالية من الإرادة، فيُفضل إشراكهم في عمليات تحول وحدات الأعمال وتغيير الثقافات. في حين أن أصحاب السويات العليا من سمة الانخراط، فمن المفيد الطلب منهم إدارة فرَق عمل صغيرة والتعامل مع بعض الزبائن المهمين. فضلاً عن ذلك من الضروري تنفيذ تناوبات وظيفية مدروسة ومناسبة لمقدرات وكفاءات المدراء. فلقد أظهر مسح شمل 823 مديراً تنفيذياً متفوقاً، أجرته شركة "إيغون زيندر"، أن غالبيتهم العظمى يرون أن تكليف موظفيهم بمهام صعبة ونقلهم بين الوظائف المختلفة هي الطريقة المثلى لتسريع تطورهم الوظيفي. ومع ذلك فلقد أظهر استطلاع سنوي لخمسمئة شركة يجريه البروفسور "بوريس غرويسبرغ" بكلية هارفارد للأعمال، أن ممارسات تطوير المواهب هذه غائبة عن واقع معظم تلك الشركات. ولعل أكثر التناوبات الوظيفية فعالية هي تلك المصممة خصيصاً بما يناسب احتياجات التطور الخاصة بكل مدير. فإذا ما كان الهدف تقوية كفاءة ربط التوجه بالنتائج على سبيل المثال، يتعين عليك تكليف المدراء بوظائف يتحملون فيها مسؤولية إجراء حسابات الربح والخسارة، والإشراف على مبادرات إطلاق الشركات الناشئة، والمساعدة في تطبيق إحدى خطط إعادة الهيكلة. أما إذا كان الهدف تقوية كفاءة الشمولية لدى أحد المدراء، فإن تكليفه بمهام مرتبطة بالأعمال على مستوى المناطق والوظائف التي تشمل جميع فروع وأقسام الشركة، قد يكون خياراً صائباً. (وللمزيد حول توظيف التكليفات في بناء كفاءات بعينها، انظر العرض التوضيحي بعنوان "مواءمة القدرات الكامنة العالية مع متطلبات الوظيفة"). ولكي تساعد أصحاب القدرات الكامنة العالية بين موظفيك على الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة، يمكنك تزويدهم بتدريبات فردية وجماعية (من خلال دعم فرَق العمل التي يعملون فيها، على سبيل المثال، لكي تخلق لدى أفرادها إحساساً أفضل بالهوية والهدف). ففي شركة إنتاج عالمية كانت تبحث عن بديل لمديرها العام التنفيذي، جرى تدريب المرشح "س" على امتلاك كفاءات ذات صلة بعلاقاته مع الآخرين، وكُلِف المرشح "ع" بإنجاز تحسينات مهمة على حسابات الربح والخسارة في مناطق مختلفة لرفع كفاءتَي فهم السوق والشمولية، وهما الكفاءتان اللتان كانتا أخفض بشكل ملحوظ من السوية التي كانت الشركة ترى أنها ضرورية للتأهل إلى منصب كبير المدراء التنفيذيين. وبعد انقضاء عام كامل جرى تقييم المرشحَين مرة أخرى. وبينما أحرز كلا المرشحين تقدماً ملحوظاً، كان تقدم المرشح "ع" أفضل من تقدم المرشح "س"، بحيث غدت كفاءاتهما متساوية تقريباً. ولقد منح مجلس إدارة الشركة المنصب الشاغر للمرشح "ع"، الذي نجح في تطبيق برامج تغيير ومبادرات نمو عدة، بما في ذلك بعض عمليات الاندماج والاستحواذ. وكانت النتيجة مضاعفة دخل الشركة التشغيلي أربع مرات، وزيادة معدل العائد على حقوق الملكية من 3% إلى 11%. وأما مثالنا على كيفية عمل نهج التنمية الهادف في سويات القيادة الدنيا، فسنستقيه من شركة مصنعة عالمية مقرها في آسيا، كان مديرها العام التنفيذي قلقاً حيال التقدم البطيء لإحدى مبادرات الشركة نحو توسيع تنوع مدرائها. فلقد كانت الشركة تهدف إلى ترفيع السيدات لشغل المناصب العليا (انظر الشريط الجانبي بعنوان "الاستفادة من تفوق السيدات")، إلا أن مدراء الشركة لم يعثروا على أية سيدة تتمتع بالقدر المطلوب من الكفاءات والقدرات الكامنة. فقرر كبير المدراء التنفيذيين إطلاق برنامج تجريبي رائد لتقييم عشر مديرات جرى اختيارهن من قبل مدير الموارد البشرية من حيث قدراتهن الكامنة وكفاءاتهن. ولقد كانت النتيجة مذهلة: فمعظمهن كن يمتلكن المواصفات الضرورية للنجاح في الوظائف التنفيذية العليا مستقبلاً. كانت من بين السيدات المختارات السيدة "ص" وهي في الثلاثينات من عمرها وتتولى مهام محددة في مجال التخطيط. وبفضل ما تتمتع به من سويات عالية في سمتَي حب الاطلاع والانخراط، حصلت على تقييم وسطي مرتفع لكفاءاتها الكامنة بلغ الرقم 4.7، على الرغم من انخفاض متوسط تقييم كفاءاتها الحالية والذي لم يتجاوز الرقم 2.6؛ حتى إنها في بعض الكفاءات - كالتوجه الاستراتيجي، وتنمية المقدرات المؤسسية - لم تحقق الشروط المطلوبة لشغل المنصب الأعلى مباشرة من منصبها الحالي، فما بالك بالمناصب القيادية العليا. غير أن البحث الأعمق في الموضوع بين أن المسؤولية إنما تقع على عاتق الشركة لأنها لم تساعد تلك السيدة على بناء الكفاءات والمهارات المطلوبة؛ فلم يحدث أن طُلب منها يوماً أن تترأس الفريق الذي تنتمي إليه أو أن تقود أي مشروع استراتيجي ضمن الشركة. فرؤساؤها كانوا يخشون من "تحميل" سيدة "شابة" نسبياً "الأعباء الثقيلة" لهذه المهام القيادية؛ كما إن السيدة "ص" نفسها اعترفت أيضاً بأنها كانت تفتقد الثقة اللازمة بالنفس لتولي المناصب القيادية. غير أن نتائج التقييم كانت دافعاً لتغيير هذه المواقف. فبوصفها السيدة التي حصلت على أعلى تقييم لقدراتها الكامنة بين زملائها، أُسندت إليها مهام أكثر صعوبة من مهامها السابقة وكانت هي نفسها مندفعة لتسلم تلك المهام. إذ سرعان ما اختارها كبير المدراء التنفيذيين لترؤس فريق الشؤون الاستراتيجية في إحدى شعب الشركة في أميركا، ودعمها من خلال تسجيلها في برنامج للتدرب على الأعمال التنفيذية والطلب إلى مدير الموارد البشرية لكي يشرف عليها بنفسه. وهكذا أمضت السيدة "ص" سنة ونصف السنة في الإشراف على المشاريع العالمية للشركة وأثبتت كفاءة متميزة في مهارات بناء الفريق والاستراتيجية. ومن ثم طلب منها كبير المدراء التنفيذيين العودة إلى مقر الشركة الرئيسي ورفعها لتولي منصب رئيسة إدارة التحالفات، حيث تدير الآن بفعالية عالية مجموعة كبيرة من المدراء. إن قصص السيدة "ص" والسيدَين "س" و"ع" تسلط الضوء على حقيقة أن على الشركات في معظم عمليات اختيار المدراء التنفيذيين، وبخاصة عند ملء الشواغر في سويات القيادة العليا، أن تجد حلولاً وسط تحكمها الموازنة بين الكفاءات الحالية وقدرات التطور الكامنة. ولعل تقديرك السليم للكفاءات التي بمقدور كل من قادة الصف الأول في شركتك أن يصل إليها ويتملكها، سيساعدك على القيام بتلك الموازنة بطريقة أكثر فاعلية وبقدر أقل من المخاطر.

نتائج حقيقية على أرض الواقع

عندما تسلك الشركات هذا المسار نحو تنمية القيادات - من خلال التركيز على القدرات الكامنة وإيجاد الطرق لمساعدة الموظفين لبناء الكفاءات التي يحتاجونها لتأدية الأدوار المختلف ة- فإنها تحقق نتائج ملموسة. بعيد خصخصة شركة التبغ اليابانية عام 1985 بوقت قصير، قررت الشركة أن تصبح شركة عالمية ومتنوعة الأعمال، بما في ذلك أعمال الأغذية والمستحضرات الصيدلانية. وبسبب ذلك كانت الشركة بحاجة إلى طبقة جديدة من القادة. ولكن لطالما كان من غير المعتاد في اليابان توظيف المدراء التنفيذيين من خارج الشركات. وعلاوة على ذلك كانت غالبية الشركات لا تزال تفضل اعتماد معيار مدة الولاية على معيار الكفاءة أو معيار القدرات الكامنة في الترفيع الوظيفي. وقد قررت شركة التبغ اليابانية الالتزام بالتقليد الأول (عدم استقدام المدراء من خارج الشركة)، لكنها رفضت الالتزام بالتقليد الثاني (تفضيل مدة الولاية على الكفاءة). وهكذا شرعت على نحو لافت في تقييم قدرات قادتها الراهنين الكامنة وتسريع تطورهم من خلال تدويرهم في المناصب المختلفة بتواتر كبير وتدريبهم على نحو هادف ومركز. ومنذ ذلك الحين، باتت الكفاءات العليا في الشركة "بعهدة" قسم الموارد البشرية فيها، الذي يقوم بدوره "بإعارتها" إلى الأقسام المختلفة في الشركة ضمن مبادرة باتت تُعرف اليوم باسم "برنامج القيادات الجديدة"، ويتم تعديلها باستمرار بما يتسق مع سيناريوهات الأعمال المستقبلية للشركة. ولقد أدى هذا النهج في تطوير القيادات إلى جانب القرارات الاستراتيجية السليمة التي اتخذتها الشركة إلى تحقيق نتائج أعمال مبهرة: فبعد استحواذها على مجموعة التبغ البريطانية "غالاهير" عام 2007، باتت شركة التبغ اليابانية ثالث أكبر لاعب عالمي في قطاع السجائر؛ وبفضل تنوع أعمالها المربحة جغرافياً وفي القطاعات المختلفة، أصبحت هذه الشركة سادس أكبر شركة يابانية من حيث قيمتها السوقية عبر القطاعات الاقتصادية كافة. وقبل أربع سنوات، قررت شركة "برودنشال بي إل سي" البريطانية أيضاً أن تعيد تصميم ممارساتها في تنمية قياداتها لتناسب طموحاتها العالمية. فلقد أدركت الإدارة في ذلك الوقت أن عملية تقييم المواهب كانت تتسم باختباراتها الصعبة لكن من دون أن تقدم رؤية قيمة ومفيدة حول المواهب، علاوة على أن تلك العملية كانت تبالغ في تركيزها على الكفاءات الراهنة. وهكذا شرع كبار قادة الشركة في إعادة إحياء تلك العملية من خلال التركيز على وضع خطط كبرى لتعاقب المدراء في الشُعب والمناطق المتعددة. وعلى الرغم من أن هذا التغيير قد تمت إدارته من قبل اللجان والمجالس التنفيذية، إلا أن التطوير قد اتجه الآن إلى أعلى وليس إلى أسفل ليطال السويات العليا على نحو متسلسل، وبدأت تدور محادثات بين قادة الموارد البشرية ومدراء الخطوط الذين جرى تدريبهم لاكتشاف نجوم المستقبل. وهكذا شرع مدراء فرَق العمل بمناقشة وتحديد مقتضيات العمل، والمدراء أصحاب الأدوار المهمة، ومن سيخلفهم، وكل ذلك من منظور احتمالات المستقبل؛ ومن جهة أخرى قام قادة الوحدات برفع التقارير إلى المدير الأعلى للموارد البشرية "تيم رولف" وكبير المدراء التنفيذيين "مايك ويلز" التي تضمنت تفاصيل وافية حول أسباب تصنيف بعض المدراء بأنهم يمتلكون قدرات كامنة عالية وحول كيفية تطورهم مع الوقت ليلبوا متطلبات الأدوار القيادية المختلفة عبر الأقسام المتعددة في المؤسسة. فماذا كانت النتائج؟ في العام 2016 كان لدى شركة "برودنشال" 19 وظيفة شاغرة من بين وظائفها العالمية المئة، بما فيها خمس وظائف شاغرة على مستوى اللجنة التنفيذية، وقد جرى إشغال جميع تلك الوظائف الشاغرة ما عدا واحدة فقط عبر عمليات الترفيع الداخلي. فالنهج الجديد ساعد الشركة على إيجاد قادة عظماء حتى لأعمالها الأكثر تخصصاً في الأرقام والتحليلات، مثل إدارة الأصول، وسمح لها بأن تكلف أناساً غير متوقعين بوظائف حاسمة وعلى درجة خطيرة من الأهمية. فلقد أعلنت شركة "برودنشال" مؤخراً بأنها ستنقل "راجهو هاريهاران" مدير الشؤون الاستراتيجية وعلاقات السوق المالية في المكتب الرئيسي للمجموعة ليشغل منصب المدير المالي لأعمال الشركة في آسيا. من المتوقع أن تحذو شركات عدة أخرى حذو هاتين الشركتين النموذجيَتين. فهذا النهج العلمي لتطوير المواهب –القائم على اكتشاف القدرات الكامنة العالية، واستيعاب احتمالات نموها لتغدو كفاءات متميزة وأساسية، وتزويدها بكل ما يلزم من خبرات ودعم لكي تنجح - إنما سيمثل مصدراً استثنائياً للميزة التنافسية في العقود القادمة، وسيساعد الكثيرين من المدراء ليتحولوا إلى القادة العظماء الذين لطالما كانوا كامنين في داخلهم.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!