تابعنا على لينكد إن

علمتنا التجربة أنه ليس من السهل تطبيق استراتيجيات جديدة، إذ تتمثل العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الاستراتيجية في عدم تحقيق التوازن بين التعارضات الأساسية الكامنة في جهود التنفيذ الرئيسة. ويتطلب التنفيذ الناجح للاستراتيجية التنسيق الماهر بين تلك العوامل المتعارضة في بعض الأحيان وبين الاحتياجات التنافسية. ووجدنا بشكل أكثر تحديداً أنّ هناك أربعة تعارضات أساسية على القادة العمل عليها لتحقيق التوازن.

التعارض الأول: تقديم حالة نهائية تثير الإلهام مقابل تقديم أهداف تثير للتحدي

لابدّ من تقديم “حالة نهاية” تثير الإلهام للحصول على التزام الآخرين بالتغيير. بمعنى آخر، يتوجب تقديم رواية مبسطة توضح سبب ضرورة التغيير من ناحية، ومن ناحية أُخرى كيف ستكون الحياة وما سيحدث بمجرد حدوث عملية التغيير تلك بنجاح.

ولكن في الوقت نفسه، هناك حاجة لوضع أهداف “مرحلية” طموحة بهدف توفير التوجيه وإثارة التحدي ضمن الموظفين لبذل كل ما في وسعهم، إذ ستثير الحالة النهائية الملهمة من دون أهداف صعبة استجابة بين الموظفين على غرار، “سأجرب القيام بذلك، وسنرى إلى أين سيوصلنا”، وهو لا يعتبر حلاً مثالياً. وفي نفس الوقت، سيؤدي إعطاء أهداف مثيرة للتحدي من دون نهاية وتثير الإلهام إلى حالة يسأل فيها العمال أنفسهم، “لماذا علينا فعل هذا؟”.

ويتوجب عليك النظر في تجربة إنشاء قسم رئيس يقوم باتخاذ مجال واسع من المبادرات الهادفة إلى تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف. عندما حدد تقييم مفصل للتكاليف احتمالية تحقيق وفورات كبيرة، أضافت القيادة التنفيذية بجرأة خمس نقاط مئوية أُخرى إلى الهدف. وقام الفريق المكلف بالإشراف على هذا الجهد بتصميم خطة تنفيذ طموحة ربطت الأهداف بتعويض المدير. ولكن مع ذلك، لم تكن هناك “رواية” تقوم بتفصيل كيف يقوم هذا الجهد بإكمال طموحات الأعمال الأوسع نطاقاً فيما يتجاوز الهدف الاستراتيجي المتمثل في أن تصبح الشركة رائدة في الصناعة من حيث هيكلة التكاليف. وبعد نحو ستة أشهر، بدأت الجهود تتعثر لسبب يرجع أساساً إلى إحباط الموظفين والشعور بأنّ المبادرة تفتقر إلى غرض مقنع.

التعارض الثاني: التحكم من أعلى إلى أسفل (من القيادة إلى القاعدة) مقابل ديمقراطية التغيير

عندما يشعر جميع من في الشركة بقدرتهم على اتخاذ القرارات التي يمكن أن تؤثر في عملية التغيير، يحدث حماس كبير بينهم، إذ يميل الناس إلى العمل بجد، وتقديم أفكار أكثر، ويصبحون أكثر انخراطاً في هذه العملية. وإذا كان كل نشاط نتيجة لأمر صادر من قمة الهرم الوظيفي، سوف تتعرض الشركة لخطر سحب هذا الحماس من الموظفين. ولكن في الوقت نفسه، يؤدي القيام بما سبق إلى حصولنا على مجموعة كبيرة من الموظفين الراغبين في التغيير والمتحمسين، إنما يتحركون ضمن فضاءات متعددة وغير متسقة مع بعضها.

وتُظهر التجربة الناجحة والصعبة لشركة صيدلانية كبيرة التعارض الحاصل بين جهود التغيير من القيادة إلى القواعد وبين اللامركزية، فقد حددت الشركة استراتيجية نمو جديدة تتطلب تحسيناً كبيراً في قدرتها على الابتكار السريع. صحيح أنه كان هناك توافق واسع في الآراء بشأن الاستراتيجية، ولكن كان هناك خلاف داخل فريق القيادة بشأن أفضل طريقة لتنفيذ الاستراتيجية، وخاصة عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات حاسمة وإشراك وتمكين المدراء والموظفين ومساءلة الناس عن النتائج. ونشأت التوترات، وتلا ذلك نقاش كبير على مدى عدة أشهر، حاول فريق القيادة خلالها تمرير ما يريد عبر مجموعة قرارات حاسمة أولية تقود عملية التنفيذ. وفي نهاية المطاف، تمكنت القيادة من تحقيق التوازن بين هذين المجالين، واستمرت في دفع جهود التغيير مع قيامها في الوقت نفسه بالحصول على مساهمات مجموعة واسعة من المدراء والموظفين. وكانت النتيجة: حصول الشركة على عمليات بحث وتطوير أقوى وأكثر فعالية.

التعارض الثالث: تنمية القدرات مقابل الضغط لتحقيق النتائج

تدعو العديد من الاستراتيجيات إلى تغييرات كبيرة في الطرق التي تعمل بها الشركة، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الشركة بحاجة إلى تطوير قدرات جديدة. ولكن غالباً ما يكون الضغط لتحقيق نتائج فورية مكثفاً لدرجة اضطرار الشركة أحياناً إلى المضي قدماً باستخدام قدراتها الحالية.

لنأخذ مثالاً حول شركة منتجات صناعية عالمية كانت في المراحل الأولى من تنفيذ استراتيجيتها للنمو. دعت الاستراتيجية إلى إحداث تغييرات كبيرة في هيكلها وطريقة تسويقها وبيعها وخدمة العملاء في عدد من أقاليمها، ولكن كشركة مساهمة عامة، كان سيف تقديم نتائج فصلية مسلطاً على رقبتها. وبينما أجرى فريق القيادة العديد من المحادثات ضمن الشركة حول تنفيذ الاستراتيجية، أدرك بأنّ معظم المدراء في الطبقة الإدارية الوسطى وموظفي الخطوط الأمامية يتصورون وجود ثغرات خطيرة في القدرات. وسمح هذا التعليق الصريح للقيادة (بتحديد تلك القدرات المهمة جداً للشركة) تعزيز نجاح الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، تمكنوا من تحقيق بعض الانتصارات المبكرة التي أعطتهم ما يكفي من الوقت أمام المساهمين لتطوير هذه القدرات الحرجة.

التعارض الرابع: الإبداع مقابل الانضباط

يُعتبر الإبداع جزءاً من أي استراتيجية مميزة، والخوف من الانضباط يخنق الإبداع، ومن الشائع أن يختار الرؤساء التنفيذيون “السماح بعمل المبادرات الإبداعية بحرية”. ويؤدي القيام بهذا الأمر في أفضل الحالات إلى تحقيق رؤى ونتائج غير متوقعة، ولكن يؤدي في الوقت نفسه إلى فوضى وعدم المحاسبة للنتائج. وفي الواقع، يجب ضمان وجود كل من الإبداع والانضباط مع بعضهما البعض، لكن من الصعب جداً تحقيق هذا التعارض بالشكل المتوازن الممكن.

ولننظر في تجربة الأعمال التجارية لشركة خدمات كان لها سمعة هائلة ضمن خدمة أساسية واحدة تقدمها. كان دخولها مجالاً جديداً أمراً صعباً عليها لسنوات عديدة، وفي حالة من اليأس، قررت الشركة إعطاء وظيفة تطوير الأعمال حرية كاملة، والتي بدورها انتقلت إلى مبنى جديد، وأصبح لموظفيها مسميات وظيفية جديدة وعيّنت “مفكرين غير تقليديين”، وجربت كل أساليب الابتكار. وبعد عدة أشهر (وأطنان من مذكرات الأفكار)، طُلب منها العودة لتقديم تقريرها والذي كان عبارة عن أفكار متناثرة ونتائج لا معنى لها.

في كثير من الأحيان يستدعي تحقيق الاستراتيجية القيام بموازنة التعارضات بين تقديم نتائج قصيرة الأجل وتنفيذ التغييرات الأساسية التي تتطلب وقتاً. مع ذلك، تكون الشركات القادرة على تحقيق التوازن بين القوى المتعارضة ذات أرجحية أكبر لتحقيق استراتيجيات ناجحة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz