ماذا لو كانت هناك طريقة لتحسين النتائج الصحية إلى حد كبير والحد من دخول المستشفيات ودور الرعاية وتوفير 105 مليار دولار من الإنفاق الصحي؟ الفرصة مغرية حقاً وتتمثل في تعزيز التركيز المنهجي على الالتزام بتناول الدواء. عندما يستخدم اختصاصيّو الرعاية الصحية مصطلح "الامتثال الطبي" فإنّ ما يُشار إليه عملياً هو مدى التزام المرضى بتناول أدويتهم وفق ما وصفه لهم الطبيب. الصادم في الأمر أنّ المرضى لا يفعلون ذلك نصف الوقت تقريباً على الرغم مما لذلك من عواقب ضارة على صحتهم.

وجدت إحدى الدراسات الرائدة في المجال أنّ "ما يقرب من 125,000 حالة وفاة سنوياً في الولايات المتحدة تنجم عن عدم الامتثال الدوائي". لا عجب إذن، أنّ منظمة الصحة العالمية (WHO) خلصت إلى أنّ "زيادة فعالية التدخلات المتصلة بالامتثال الدوائي قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على صحة الناس من أي تحسن في علاجات طبية محددة".

يحصل مرضى برنامجي "مديكير" و"مديكيد" الأميركيين الذين يعانون من حالات مرضية مزمنة متعددة ويتناولون أدوية متعددة على حصة غير متناسبة من مجمل الإنفاق الصحي في أميركا. وإدراكاً منها لوجود فرصة كبيرة لتحسين رعاية مثل هؤلاء المرضى، أطلقت "كيرمور هيلث" (CareMore Health) أحد أقسام شركة "أنثم إنكوربوريشن" (Anthem, Inc.) التي تخدم المستفيدين من نظامي "مديكير" ومديكيد" برنامجاً صمم للاستفادة من الخبرة الإكلينيكية للصيادلة لتحديد الأسباب الأساسية وراء عدم الالتزام ووضع حلول شخصية متوائمة مع أوضاع المرضى الذين نخدمهم بهدف تحسين الدعم المقدم لهم.

ما توصلنا إليه هو أنّ الأسباب التي تجعل المرضى لا يتناولون أدويتهم هي أسباب متباينة إلى حد كبير؛ وبالتالي، لتحسين الامتثال الدوائي، عليك مواءمة الحل المقترح مع ظروف كل فرد. ويختلف هذا بصورة كبيرة عن الجهود التي بذلت سابقاً لتحسين الالتزام عبر العمل على تطبيق حل واحد على المرضى ككل.

لقد بدأنا برنامجنا التجريبي بتحديد حوالي 250 مريضاً من غير الملتزمين قُسموا إلى مجموعتين: مجموعة "تدخل" ومجموعة "ضبط". كان هؤلاء المرضى يعانون العديد من الأمراض المزمنة ولديهم العديد من الوصفات الطبية ولم يكونوا على التزام بتناول أدويتهم كما يجب، إما لأنهم لم يعيدوا شراء علب الدواء وصرف الوصفات الطبية، أو أعادوا شراءها أو صرفها بشكل غير منتظم. وضعنا الصيادلة العاملين في عياداتنا أمام تحدي استخدام "أي وسيلة معقولة" لدعم المرضى في مجموعة التدخل من أجل تحسين التزامهم بالعلاج.

نظم الصيادلة لقاءات تثقيفية مع المرضى سواء وجهاً لوجه أو عبر الهاتف لفهم سبب عدم تناولهم أدويتهم وفق الوصفة الطبية وصمموا خطة متوائمة معهم لتحسين امتثالهم. بدأنا نرى بعض الأنماط المتكررة: قصص المرضى التي تمثل التحديات التي يواجهونها والحلول التي يمكن أن تساعدهم.

أخبرنا حوالي ثلث المرضى أنهم يعانون من جراء تعقيد نظم العلاج الخاصة بهم. أخبرنا مريض واحد سنطلق عليه اسم "سليم" أنه كان عليه أن يأخذ حقنة الأنسولين خمس مرات في اليوم وأن يحدد عدد وحدات الأنسولين التي يأخذها وقت الطعام بناء على قياس مستوى السكر في الدم قبل كل وجبة. سليم متقاعد ويعتني بأحفاده بعد المدرسة بعد ظهر كل يوم. أخبرنا أنه يجد صعوبة في حمل "الغلوكوميتر" أو جهاز قياس السكر وحقن الأنسولين عندما يكون خارج المنزل كل يوم. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يستخدم سليم كلمات مثل "تعبت" و"سئمت" وهو يتحدث عن شعوره حيال نظام العلاج المحدد له.

بالإضافة إلى ذلك، قال نصف المرضى تقريباً إنهم لا يفهمون سبب وصف أدوية معينة لهم أو ما هو عملها. أخبرتنا "آية" وهي مريضة أخرى، أنها كانت تحقن الأنسولين فقط إذا شعرت أنّ مستوى السكر لديها مرتفع. ومن ثم ليس من المستغرب أنها كانت تعاني باستمرار من فرط ارتفاع سكر الدم إلى حد يهدد حياتها.

في حين أنّ بعض المرضى أفادوا بأنّ التكلفة كانت عائقاً أمام الامتثال الدوائي، وتحدث كثيرون بصراحة عن ضعف وظائفهم الإدراكية إذ أخبرنا العديد من الناس الأكبر سناً أنهم يواجهون صعوبة في تذكر متى أو ما إذا كانوا قد تناولوا أدويتهم بالفعل من عدمه. قالت "نورا" إنها سكبت أقراص الدواء على طاولة المطبخ في صباح أحد الأيام ولم تستطع أن تتذكر كيف تعيدها إلى العبوات الخاصة بها وهكذا تخلصت منها كلها.

في الإجمال، اكتشفنا أنّ كل مريض حدد في المتوسط مشكلتين رئيسيتين تعيقان الامتثال الدوائي. وقررت فرقنا العمل مباشرة على تحقيق هدف إزالة تلك العقبات. على سبيل المثال، قام فريق رعاية سليم بتعديل نظام علاجه لتهوين الأمر عليه، ووصف له تركيبة مختلفة من الأنسولين يحقنها مرتين في اليوم. في غضون شهرين بعد التغيير، انخفض مخزون سكر الدم لديه، من 9.8% إلى 7.7%.

في العديد من الحالات، تقضي فرق الرعاية الإكلينيكية الكثير من الوقت لمجرد شرح الأدوية للمرضى. أوضح صيدلي لآية الفرق بين الأنسولين طويل المفعول والأنسولين السريع الذي تحقنه قبل وجبة الطعام وكيف يعملان معاً على تنظيم مستويات السكر في الدم. وقام أيضاً بتبسيط نظام علاجها من خلال إعطائها الأنسولين المختلط مسبقاً وأدوية عن طريق الفم وهو ما عنى أن عليها أن تحقن نفسها فقط مرتين في اليوم. لتجنب المزيد من الارتباك، اتصل صيدلي "كيرمور" بالصيدلية التي تتعامل معها آية لوقف جميع وصفات الأنسولين القديمة. وزارها في المنزل وتخلص من جميع الأدوية التي انتهت صلاحيتها ووضع قائمة أدوية جديدة تسهل قراءتها واتباعها ووضع أقراص الدواء في علبة الأقراص المقسمة لتمييز الأقراص التي يجب تناولها في الصباح وبعد الظهر وفي المساء. تحسّن مستوى سكر الدم لدى آية بشكل ملحوظ.

كان العديد من الحلول مبتكراً. في توكسون في ولاية أريزونا الأميركية على سبيل المثال، واجه صيدلي مريضة لم تكن تفتح بابها في أغلب الأحيان لأن الجو شديد الحرارة في الخارج. ونتيجة لذلك، عندما تركت خدمات التوصيل الأنسولين أمام مدخل المنزل، فسد جراء حرارة الطقس المرتفعة. لذلك عثر الصيدلي على صيدلية محلية خاصة لتوصيل الأنسولين لهذه المريضة على أن تُنظم مواقيت التوصيل وأن يحرص من يوصل الأنسولين على وضعه داخل الثلاجة قبل أن يغادر.

عندما علم الصيادلة بالمعوقات الخاصة التي يواجهها كبار السن، عدلوا ممارساتهم وفقاً لذلك. على سبيل المثال، الانتقال من عبوات الأقراص إلى العلب وشرائط الأقراص، حيث يتم فرز الأدوية مسبقاً وتعبئتها وفق الجرعة لتفادي التخمين بشأن ما إذا كان المريض قد فوت تناول جرعته. كما أنّ العلب سهلة الفتح وهذا يسهل الأمور على مرضى مثل "فريد" البالغ من العمر 68 عاماً والمصاب بالتهاب المفاصل في كلتا يديه وبالتالي يصعب عليه فتح زجاجات الأقراص وهو أمر كان يشعره بالحرج أمام زوجته.

كان النجاح الذي أحدثته هذه الأفكار المبتكرة مفاجئاً. وللتحقق من صحة النتائج التي توصلنا إليها عقدنا شراكة مع فريق الإحصائيات الحيوية في جامعة ساذرن كاليفورنيا لمراقبة تجربتنا وتأكيد النتائج. ولقد أفاد الفريق في تقريره أننا قمنا بتحسين الالتزام الدوائي لدى المرضى في مجموعة التدخل بنسبة 46% مقارنة مع مرضى مجموعة المقارنة الذين تلقوا الرعاية المعتادة من الأطباء والممرضات، ولكن دون تدخلات خاصة من الصيادلة.

تُعتبر مشكلة عدم الالتزام الدوائي قديمة قدم أقدم الأدوية التي نعرفها، وهي تستند إلى الاعتقاد التبسيطي بأن المرضى سيتصرفون دائماً مثلما نتوقع منهم في حين أن عملنا السابق في هذا المجال يشير إلى خلاف ذلك. على الرغم من أنه لا يزال أمامنا على وجه التأكيد الكثير لنتعلمه، إلا أننا لن ننتظر لتنفيذ ما نسميه "ثقافة الالتزام". وهو أمر يبدأ من الاعتراف المتواضع بأن المرضى قد لا يتبعون دائماً ما يوصي به أطباؤهم وممرضوهم ونحن بحاجة إلى محاولة فهم لماذا يحدث ذلك.

في حين ظهرت بعض المواضيع المشتركة من خلال برنامجنا، وجدنا أن الأسباب التي تجعل أي مريض يتناول أو يهمل تناول أدويته، غالباً ما تكون شخصية تماماً. يمكن نشر الصيادلة في الفرق الطبية لتحديد أسباب عدم الالتزام ووضع حلول متوائمة مع حاجة المريض. ولقد بات من الممارسات المعتادة الآن لدى فرق الرعاية لدينا والتي تشمل الصيادلة الإكلينيكيين، أن تفحص بانتظام بيانات التزام كل مريض بتناول أدويته، عملاً بشعار أن "الامتثال بتناول الدواء مشكلتنا، وليس مشكلة المريض".

في حين بدأ الصيادلة والصيدليات في لعب دور متزايد في تقديم الرعاية الصحية، نعتقد أن مهمة التوجه نحو التركيز المحسن على مواءمة الالتزام بالأدوية مع الاحتياجات الشخصية سيؤدي إلى تحقيق وفورات كبيرة في الإنفاق، والأهم من ذلك تحسين جودة الرعاية الصحية.

يمكننا ضمان فعالية أجود الأدوية فقط إذا ضمنا تناول مرضانا لها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!