كيف تكوّن علاقات أقوى مع زملائك في العمل؟

5 دقيقة
قوة العلاقات
shutterstock.com/SvetaZi
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أدى الضغط الناتج عن المواعيد النهائية وسرعة التطور التكنولوجي إلى انخفاض عدد الأميركيين الذين يكوّنون صداقات في مكان العمل. لكن ينبغي ألا يكون التواصل مع الآخرين رفاهية. في الواقع، أظهرت البحوث أن العلاقات الرفيعة المستوى تساعدنا على التحلي بالإبداع والمرونة والعيش عمراً أطول. يتطلب التواصل مع الآخرين التعبير عن التعاطف من خلال ملاحظة مشاعر الضيق والمعاناة التي تنتاب شخصاً ما، وإدراك أهميتها، وإبداء الاهتمام بذلك الشخص أو المجموعة، والسعي إلى التخفيف من تلك المعاناة. تشير نتائج البحوث إلى 4 طرق تجعلك أكثر تعاطفاً. لاحظ المعاناة من خلال مراقبة الأنماط السلوكية المتكررة لدى زملائك بتعاطف، واجعل نفسك متاحاً للتواصل جسدياً ونفسياً. واطرح أسئلة مفتوحة مثل: "هل أنت بخير؟" واستفد مما يُطلق علماء النفس "الاهتمام التعاطفي"، بمعنى الرغبة الحقيقية في أن يكون الشخص الآخر بخير. وكن مبدعاً في أسلوب تقديم المساعدة إلى الآخرين.

يشكّل التواصل مع الآخرين أساس الوجود البشري. وتؤكد البحوث الحديثة أن قوة العلاقات تساعدنا على التحلي بالإبداع والمرونة والعيش عمراً أطول؛ لكن من السهل أن نغفل عن أهمية هذه العلاقات. لاحظ الكاتب والباحث الشهير، آدم غرانت، أن الضغط الناتج عن المواعيد النهائية وسرعة التطور التكنولوجي أدّيا إلى انخفاض عدد الأميركيين الذين يكوّنون صداقات في أماكن العمل. في الواقع، ازداد تباعدنا وانفصالنا عن الأشخاص الذين نعمل معهم اليوم؛ ويعود سبب ذلك إلى زيادة شعور الموظفين بالتوتر، ومعاناة نصفهم السلوك الفظ في أماكن العمل بانتظام.

كيف يمكننا خلق فرص للتواصل في بيئة قد تكون عدائية أحياناً؟ نعتقد أن الإجابة تكمن في إبداء مزيد من التعاطف.

نعرّف التعاطف بأنه تجربة من 4 خطوات تبدأ بملاحظة مشاعر الضيق أو المعاناة التي تنتاب شخصاً ما، وإدراك أهميتها، وإبداء الاهتمام تجاه ذلك الشخص أو المجموعة، والسعي إلى التخفيف من تلك المعاناة. وذكرنا في كتابنا الذي يحمل عنوان "تعزيز التعاطف في مكان العمل" (Awakening Compassion at Work)، أن سلوكيات التعاطف قد تتنوع من الكبيرة والمنسّقة إلى الصغيرة والشخصية.

لنتأمّل حالة مها التي كانت قلقة بشأن العودة إلى العمل بعد وفاة زوجها. كانت تخشى أن تصل إلى مكتبها في صباح يوم الاثنين وتجده فارغاً لأن زوجها اعتاد طلب الزهور لها صباح كل يوم اثنين على مدى السنوات الـ 15 الماضية، حيث مثّلت تلك الباقة الجميلة من الزهور رمزاً لحياتهما معاً.

استجمعت مها قواها وإصرارها ودخلت الشركة. ألقت التحية على عدد قليل من الموظفين، ثم اتجهت نحو مكتبها وشاهدت باقة جميلة من الزهور تنتظرها هناك. قاومت دموعها عندما قرأت رسالة من زملائها في العمل الذين لم يرغبوا في أن تعود إلى مكتبها وتجده فارغاً. في الواقع، أبدوا اهتمامهم بها لدرجة أنهم جمعوا الأموال من جميع المكاتب الأخرى في الشركة، واتخذوا الترتيبات اللازمة لتوصيل باقة جديدة من الزهور لها كل يوم اثنين ومدة عام كامل.

تزيد أفعال التعاطف من الرضا في العمل، سواء كانت لفتة منسقة أو سلوكاً فريداً؛ وفي المثال السابق، لم تقتصر آثار فعل التعاطف على مها فقط، بل امتدت لتشمل زملاءها والأشخاص جميعهم الذين شهدوا هذا الفعل الإنساني. يغيّر التعاطف نظرتنا حول قيمة الأشخاص الذين نعمل معهم، ويغير نظرتنا عن أنفسنا أيضاً، ويساعدنا على اعتبار مؤسساتنا مؤسسات إنسانية ومتعاطفة.

يسلّط بحثنا الضوء على 4 طرق تتيح للموظفين إبداء تعاطفهم في أماكن العمل.

اصقل مهاراتك في التعرف على معاناة الآخرين

تكون الدلالات التي تشير إلى المعاناة في العمل خفية عادة، إذ تنص المعايير المهنية على أنه من غير المقبول التعبير عن العواطف في العمل، ما يصعّب التعرف على مشاعر الضيق التي تعصف بشخص ما. لكن تتيح لنا مراقبة الأنماط السلوكية المتكررة لدى زملائنا بتعاطف، وجعل أنفسنا متاحين جسدياً ونفسياً التعرف على ما يحدث من حولنا.

لاحظ أحمد أن زميله في العمل جبران لم يكن يستمتع بحفلة العطلة. وعلى الرغم من عدم وجود علاقة وثيقة بينهما، شعر أحمد بالقلق. بدأ طرح سؤال بسيط عليه أولاً: "كيف حالك يا جبران؟" اكتشف أحمد أن جبران كان يعاني مرضاً مزمناً يُسبّب ضغطاً مالياً عليه ويؤثر في علاقاته الشخصية. وأخبرنا أحمد بأن علاقتهما أصبحت أوثق منذ تلك اللحظة، وأن ذلك التواصل ترك آثاراً إيجابية في جوانب أخرى من مكان عمله.

أتقن قدرتك على الاستفسار

قد تصعّب المعايير المتعلقة بالفصل بين الحياة الشخصية والحياة المهنية طرح أسئلة شخصية وتجعلها تبدو مهمة محرجة. لكن تقدم مؤسسات مثل أكسنتشر (Accenture) وإرنست آند يونغ (EY) اليوم برامج تدريبية حول كيفية الاستفسار بطرق تعزز التعاطف. ويُعد السؤال الآتي: "هل أنت بخير؟" أحد الأمثلة على ذلك. يزيد هذا النوع من الأسئلة الشعور بالأمان ويفتح المجال لإبداء التعاطف إذا طُرح بصدق وفي الوقت والمكان المناسبين. وذلك ما حدث مع أحمد وجبران بالفعل.

وإذا كان طرح السؤال بصورة مباشرة مع الشخص المعني صعباً للغاية، فيمكنك اللجوء إلى شخص آخر لديه علاقة أوثق معه لمشاركة مخاوفك. قابلنا في إحدى المؤسسات التي أجرينا دراسة عليها موظفة كانت ضحية للعنف الأسري، وشعر العديد من زملائها بأنه ليس من المناسب التحدث معها بصورة مباشرة حول هذا الموضوع؛ فشاركوا مخاوفهم مع أصدقائها في العمل الذين نقلوا الرسالة إليها، وأصبحوا وسطاء بين الزملاء والموظفة، ونسقوا حملة جمع تبرعات وتوصيل وجبات طعام لها. وأصبح سؤال الوسطاء عن آخر المستجدات وسيلة فعالة أتاحت للعديد من الموظفين إبداء تعاطفهم مع هذه الحالة الصعبة والحساسة.

ركّز على مشاعر القلق التي تنتابك تجاه الآخرين

إن استشعار مشاعر الضيق التي يعانيها شخص آخر وفهمها يترافقان غالباً مع شعور يُطلق عليه الباحثون اسم القلق التعاطفي؛ بمعنى الرغبة الحقيقة في أن يكون الشخص الآخر بخير. ينشأ هذا النوع من التعاطف بسهولة عندما ندرك وجود أوجه تشابه مشتركة بيننا وبين الشخص الذي يعاني.

عندما أجرينا دراسة على الطلاب الذين فقدوا كل شيء في حريق وأسلوب استجابة جامعتهم للحدث، وجدنا أن عضو هيئة التدريس التي عاشت أيضاً تجربة حريق أصبحت داعمة فعالة في تنظيم الاستجابة. إذ ساعدتها تجربتها المشتركة على المطالبة بالموارد اللازمة، مثل الأموال العاجلة والملابس الجديدة وأجهزة الكمبيوتر وحتى السكن.

لكن عيش تجربة سابقة لم يكن السبيل الوحيد للتوصل إلى فهم أفضل للوضع، إذ تمكن طالب لم يسبق له أن عاش تجربة حريق من قبل من إبداء تعاطفه العميق مع الحدث وإظهار اهتمامه بزملائه، فقد استفاد من الدافع الذي انتابه نتيجة لتعاطفه مع زملائه لتسهيل عملية إعادة توفير الكتب والملخصات المخصصة لكل طالب، ما أسهم في تعزيز قيمة البرنامج الدراسي لدى كل من شارك في الجهد المبذول للاستجابة.

استخدم وسائل إبداعية للتعبير عن تعاطفك

ثمة خطوات معينة تفرضها علينا العادات المجتمعية عندما نشعر بألم الآخرين، وهي تقديم التعازي، وعرض المساعدة، وإرسال رسالة تعبّر عن التعاطف. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات مفيدة، فقد لا تكون ذات مغزى للمتلقي.

علمنا في إحدى المؤسسات غير الربحية التي أجرينا دراسة عليها أن ابن شقيق مسؤول تنفيذي تُوفي في حادث مأساوي قبل اجتماع مهم لمجلس الإدارة. وبدلاً من أن يتّبع زملاؤه العادات المجتمعية، أجروا عصفاً ذهنياً للتفكير في عدة طرق مبتكرة لاتخاذ إجراء ما، بما فيها إعفاؤه من حضور اجتماع مجلس الإدارة، وتولي أداء المهام العاجلة لتخفيف الضغط عنه، والتبرع بأيام إجازتهم له، وكتابة رسالة تعزية جماعية لإرسالها إلى العائلة، والمشاركة في مراسم التأبين.

يعتقد العديد من الناس أن التعاطف والتواصل مع الآخرين رفاهة في المؤسسات. لكن عندما يشعر الموظفون بالانتماء ويبدي بعضهم الاهتمام ببعضهم الآخر، فسيصبحون أكثر إبداعاً ومرونة وحرصاً على الإسهام في العمل. قد تشعر بإغراء تجاهل مشاعر الضيق والمعاناة التي يشعر بها الآخرون والتظاهر بعدم وجودها في أماكن العمل، لكن تجارب الألم الإنسانية ستظهر مهما حاولنا تجنبها، والطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه التجارب هي بإبداء التعاطف.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .