يُعتبر المعنى الأصلي لكلمة “سحر” هو تحويط أحدهم بأغنية، أو رقية ما، أو إلقاء تعويذة بالأصوات. أما التعريف المعاصر لهذه الكلمة، فهو أكثر شمولية: إشراك الحواس، ورفع الروح المعنوية، وترك شخص “عالقاً في حالة ممتعة وعجيبة من الدهشة”، كما كتبت جاين بينيت في كتابها المعنون “إنشانتمنت” (Enchantment). وغالباً ما نقع على هذه الحالة حين نختبر الوجود في الطبيعة، أو نعيش تجربة فنية، أو ترفيهية، وبالطبع حين نحب.

في عالم الأعمال، يستخدم المسوقون السحر طيلة الوقت؛ فالعلامات التجارية المحترمة، مثل آبل، وديزني، تدرك أنّ خضوع العملاء لسحر منتج معين يقودهم إلى التعلق به، لا إلى ولائهم له فحسب. ولكن حتى المؤسسات الأكثر نباهة في التعامل مع العملاء لا تدرك أنّ عليها السعي أيضاً إلى سحر موظفيها.

وتعني كلمة “الشعور بالرضا” أنّ حاجاتنا الأساسية مشبعة؛ أما الشعور بالسعادة، يعني أنّ حاجاتنا العاطفية مشبعة. ويمنحنا السحر تجارب هادفة لم نكن نعلم من قبل بحاجتنا إليها. فهل من طريقة أفضل لإبقاء الموظفين منهمكين في أعمالهم؟

نعم، لا يزال على الشركات الذكية الاستثمار في المكافآت العادلة، والتنوع، وسياسات الموارد البشرية المناسبة للعائلة، ودمج الحياة اليومية بالعمل، وتوفير بيئات وأنشطة مرحة، ومنافع، ومفهوم أكثر شمولية للرفاهية، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة مبنية على القيم ومدفوعة بالأهداف، تحفّز الناس للعمل معاً خدمة لقضية أكبر. لكن الخطوة التالية هي سحر الموظفين بالطريقة نفسها التي تعتمدها مع عملائك. وهناك طرق متعددة لتحقيق ذلك:

اجعل تكنولوجيا المعلومات ممتعة

نحن مستهلكون للأجهزة التي تحقق الرضا بالنسبة لنا والمصممة بإتقان، مثل أجهزة آيفون، ووحدات التحكم بالألعاب الإلكترونية، والأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء. ولكن، لا نزال بمعظمنا كموظفين مضطرين إلى التأقلم مع أنظمة غريبة تخلو من البهجة، للتخطيط لموارد الشركات، أو إدارة العلاقة بالمستهلك، أو رفع تقارير بالنفقات. ولم ترفع منصات مثل ورك داي (Workday)، وسلاك (Slack)، وفيسبوك آت وورك (Facebook At Work) سقف التحدي إلا في الآونة الأخيرة فقط. وعلى مزودي برمجيات الشركات وأقسام تكنولوجيا المعلومات أن يجهدوا في إشراك قوى عاملة ذات فهم متنام للتكنولوجيا، وبخاصة جيل الشباب الذين وُلدوا على مشارف العام 2000، والذين سيشكلون الغالبية العظمى للقوى العاملة بحلول العام 2020.

صمم تجربتك الخاصة للموظف

شجع فريقا عمل تكنولوجيا المعلومات والموارد البشرية في شركتك على اعتبار تجربة الموظف بمثابة تجربة المستخدم. استخدم الأدوات نفسها التي يستخدمها مصممو تجارب المستخدم، من البحث الإثنوغرافي إلى الابتكار المشترك، مروراً بوضع خارطة طريق، لإنشاء تجربة موظف خاصة بشركتك، تكون بمثابة رمز لها. إن كانت شركتك تضم مديراً للتجارب، فاجعل هذا الأمر جزءاً من صلاحياته، أو وظف مصمماً، أو شركة تُعنى بتصميم تجارب المستخدم، إن لزم الأمر.

اخلق أحداثاً مثيرة

تذكّر أنّ السحر يأتي من اختبار ما يسميه الخبراء في علم النفس التطويري بـ”الحوادث الحرجة”. لذا، تناس الفاعلية والتناسب المتواصلين، وأدخل بدلاً من ذلك بعض المنعطفات المثيرة في يوم العمل. بإمكانك أن تستخدم تعديلات صغيرة، مثل الألعاب، وملفات باوربوينت التي تعرض أغاني مع كلماتها لهواة الغناء، وتبادل المكاتب والأدوار، وتمثيل أدوار لشخصيات يختارها الموظفون ويتقمصونها، لتخرجهم عمداً من دوائر أمانهم. وتتيح تكنولوجيا الواقع الافتراضي فرصاً جديدة أيضاً: قد يتبادل الموظفون افتراضياً مكاتبهم، ويغوصون في عوالم عملائهم، أو يلعبون بهويات متعددة.

استخدم الشعائر

يؤدي لاعبو رياضة الركبي في فريق نيوزيلندا الوطني للركبي رقصة “الهاكا”، التي اشتهر بها شعب الماوري، قبل بدء أية مباراة لهم. وقد أعاد هذا الأمر إدراج الشعائر في الثقافة الشعبية. وتجمع الشعائر بين قوة الثبات والعادات وتأثير المغزى العاطفي. وقد بينت الأبحاث التي قام بها عالم الأعصاب آندرو نيوبرغ أنّ الشعائر تخفف من حدة القلق، وتبعث في النفس الرهبة في آن معاً. ويرى جوناثان كوك، وهو باحث يركّز على ممارسة الشعائر في العمل، أنّ الشعائر “تؤلف مجتمعاً بتحطيم الحواجز التي تمنع الناس في العادة من التحدث في ما بينهم، وتوفر تجربة مشتركة مشبعة بمعان رمزية قوية”. ومن تلك الشعائر عقد اجتماعات يومية وقوفاً، واعتماد التصميم الذي ابتكرته منصة “فروغ” (Frog) لـ”التعرف السريع” على الموظفين الجدد، وجلسات التذوق الجماعي لقهوة ستاربكس. إذن المعادلة سهلة: قوموا بأشياء (من المفضل أن تكون غير مألوفة) معاً، وكرروها باستمرار. فالتكرار، كما وصلنا من أبحاث علماء النفس عن الموسيقى، يسحر الدماغ.

اعتمد على الفنون

الفنانون هم سادة السحر الأصليون، وحماة ما يذهل الإنسان ويعجز عن فهمه. ولقد أجادت الأبحاث توثيق منافع قراءة قادة الأعمال الكتب الأدبية ودواوين الشعر. في السياق نفسه، أظهر بحث أجراه جون بوهانون أنّ الرقص يعزز اكتساب المعرفة وتطويرها. والإبداع بشكل عام هو المفتاح الأساس لفك “السحر العظيم”، كما تسميه الكاتبة إليزابيت غيلبرت. إذاً، في المرة القادمة التي ترغب فيها في الترويج لفكرة معينة، أو تفعيل برنامج جديد، أو إطلاق منتج، استغل الفن لصالحك. ولا يعني ذلك أن تدوّن كل مذكّرة في شكل أبيات شعرية، أو ترقص في كل اجتماع عمل، وإنما، حاول بناء ثقافة يستطيع فيها الموظفون إطلاق العنان لملكاتهم الفنية، بالاستماع إلى الموسيقى، أو تزيين مكاتبهم وغرف اجتماعاتهم، وبالتالي اعتبار وظائفهم مساعي للإبداع.

تحرر من قيود المكان

تجاوز الانعزال الفكري المحتمل وعرّض موظفيك باستمرار إلى أكبر قدر من الأفكار الجديدة والعوالم الغريبة. إلى جانب ذلك، تسهل السياحة السحر أكثر من الإقامة في مكان واحد. لذلك، عليك توفير فرص تجوال لموظفيك. على سبيل المثال، تصطحب منصة غيت هاب (Git Hub) لتطوير البرمجيات فرق عملها إلى “أماكن العمل المرغوب بها”، التي توفرها خدمة إير بي إن بي (Airbnb). أما مؤسسة وان مونث (One Month) التعليمية التي تأسست حديثاً في نيويورك، فتغذي حب موظفيها للتجوال والسفر بالعمل في عواصم دولية عدة للإبداع. وقد استضافت وكالة هيودج (Huge) الرقمية عدداً من استديوهات تصوير الإعلانات الرقمية في مدن أوروبية، للتواصل مع مجتمعات الأعمال المحلية وخلق محتوى مقنع عن القيادة الفكرية على طول الطريق، مسوّقة عملها كرحلة برّية طويلة أبقت الجميع نشطين ومتمتعين بمعنويات عالية.

اختر مهمة تثير التحدي

غالباً ما تُخفف الشركات من قوة بيانات مهماتها لتصبح في الحد الأدنى من التسويات القائمة على قواسم مشتركة. إذا كانت مهمة شركتك “تحسين حياة الناس”، سيتجاوب موظفوك معها بهز رؤوسهم. أما إذا كانت محددة ومثيرة للجدل، مثل مهمة شركة أمازون (Amazon)، ألا وهي: “رؤيتنا هي أن نكون الشركة الأكثر تركيزاً على العميل في الكرة الأرضية”، فستستدعي تلك المهمة التزاماً حقيقياً. وإذا كانت رؤيتك للشركة تسعد الجميع، ستتسبب بعزوف الموظفين عن الانهماك بالعمل، وتشجع سلوكهم اللامبالي. أما إن كانت مستهجنة، ستجذب الموظفين الذين يرغبون في تحقيقها معك، وتجعلهم منهمكين بها. لذا، خذ وقتك لاختيار المهمة الصحيحة.

احتفظ ببعض الأسرار

تلقى الشفافية ترحيباً كبيراً باعتبارها مكملة للثقافة الإيجابية للشركات. إلا أنّ مشاركة كم كبير من المعلومات قد يؤثر سلباً على السحر المرغوب. تُقلص معرفتنا بكل شيء هامش الدهشة. والشاهد على ذلك: يُقال إنّ كبير المدراء التنفيذيين لشركة تكنولوجيا بارزة يحتفظ برسالة عن رؤيته بعيدة المدى للشركة في خزنة لا يمتلك مفتاحها أحد غيره. ومع أنّ هذه الشائعة غير مؤكدة، فهي مستمرة وتثير حيرة الموظفين. فما هي رسالتك السرية؟

قد لا نسحر يومياً بالطبع، فالسحر بطبيعته تجربة ذروة عرضية. ولا يمكن قياس هذه التجربة، أو تصميمها على نحو مثالي. ولكن من دون السحر، سنصبح كائنات متبلدة الشعور، حتى إن كنا بشكل عام “سعداء في العمل”. ويجب على الشركات الإقرار بهذه الحقيقة وبذل مزيد من الجهد، لتسحر الموظفين. وحين يتعلق الأمر بالانهماك في العمل، تكتفي الروح البشرية المتحفزة بالحجة المقنعة غذاء لها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!