يشهد الطب الشخصي وعلاجات الأمراض النادرة – الكثير منها باهظ التكاليف – تنامياً ملحوظاً على خارطة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. ولهذا الاتجاه تداعيات مهمة على المصروفات الضرورية (ومنها على سبيل المثال، المشاركة في رسوم الخدمات والأدوية والمشاركة في التأمين) والتي تطلب شركات التأمين من المرضى سدادها.  

لقد ذكرت أعداد متزايدة من الأبحاث أنّ شركات التأمين ترفع التكاليف الضرورية في جزء منها لتجنب تسجيل المرضى من الأفراد. ومن المرجح أن تزداد هذه المشكلة سوء بقدر ما يصبح الطب الشخصي أكثر شيوعاً، لا سيما مع إقبال الكثير من المرضى على الاختيار ما بين خطط الرعاية الصحية الخاصة التنافسية، ومع خطط أصحاب العمل لتقليص التغطية الطبية التي يقدمونها للموظفين لتخفيض تكاليف العمالة لديهم. وبناء عليه، فإذا أردنا أن تكون الابتكارات الطبية الجديدة مجدية من الناحية المالية للمرضى الذين هم في أمس الحاجة إليها، فإنّ أسواق التأمين الصحي تحتاج أيضاً إلى التنظيم وذلك للقضاء على الحوافز المالية المضادة الباهظة التي تحد من تغطية المرضى بالتأمين الصحي.

أسواق التأمين تفشل في مهمتها  

إليكم أولاً هذه الخلفية البسيطة: إذا كانت أسواق التأمين الصحي تعمل كما ينبغي – أي بتوزيع المخاطر بين مجموعات المرضى – عندئذ ستتوزع تكاليف العلاجات المتخصصة باهظة التكاليف على كافة المسجلين المؤمن عليهم طبياً، بدلاً من أن تلقى على عاتق المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج. ونظرياً من شأن ذلك أن يجعل المدفوعات الضرورية التي يتحملها المرضى المتضررين منخفضة، حيث ينعكس العبء المالي للعلاج على شكل أقساط أعلى قليلاً بالنسبة للجميع. وأيضاً ستكون الزيادة في الأقساط نتيجة الأمراض النادرة بسيطة، حتى بالنسبة للأدوية باهظة الثمن مثل تيساجنليكلوسيل (tisagenlecleucel)، والذي اعتمدته إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أغسطس/آب 2017 لعلاج سرطان الدم الليمفاوي الحاد لدى صغار البالغين  (وهذا العلاج يعيد هندسة الخلايا التائية T-cells للمريض وراثياً لمهاجمة خلايا اللوكيميا). وقد تم اعتماد أول علاج جيني يعتمد على الخلايا في الولايات المتحدة، وتحدد سعره بمبلغ 475,000 دولار أميركي للدورة العلاجية الواحدة. ويبلغ المعدل السنوي للإصابة بسرطان الدم الليمفاوي 41 حالة لكل مليون شخص تترواح أعمارهم بين 0 و14 عاماً، وهي فئة عمرية تضم أقل من 20% من سكان الولايات المتحدة. لذا، فمن شأن تغطية عقار تيساجنليكلوسيل دون أية تكلفة على المريض أن يؤثر على أقساط التأمين بأقل من 40 سنتاً لكل شخص مؤمن عليه طبياً في الشهر.

وفي الواقع، غالباً ما يتكبد المرضى تكاليف هائلة على حسابهم الشخصي للأدوية المتخصصة باهظة الثمن، حتى في ظل وثائق التأمين السخية. ويرجع هذا على الأرجح إلى ما يسميه الاقتصاديون "الاختيار المعاكس" أو ميل المريض الأكثر اعتلالاً وتكلفة مادية إلى اختيار خطط التأمين الصحي ذات التغطية الأكثر سخاء. ولأن المرضى الأكثر اعتلالاً هم على الأرجح المرضى غير المربحين بالنسبة لشركات التأمين الصحي، فإنّ هذه الشركات تحاول أن تصرفهم تجاه خطط المنافسين من خلال تصميم مزايا خطة التغطية بحيث لا تكون جذابة لأولئك الذين يحتاجون لتغطية أكثر سخاء (مثل شبكة مقدمي الخدمة والمشاركة في سداد جزء من تكلفة العلاج ومتطلبات الإذن المسبق الخاصة بالفحوصات والعلاج وغيرها)، وهذا يتعارض تماماً مع الكيفية التي ينبغي أن يعمل بها التأمين.  فالتأمين موجود بشكل أساسي لتغطية الخسائر الكبيرة. تخيل أنك تحصل على وثيقة تأمين لمنزلك تغطي فقط عملية سطو بسيطة ولكنها لا تغطي حريقاً كبيراً لا قدر الله.

وقد أظهرت البحوث التي أجريت مؤخراً بوضوح كيف تطبق هذه النظرية على أرض الواقع، فقد أدرجت خطط التأمين الصحي في عدة ولايات أدوية شائعة توصف لعلاج فيروس نقص المناعة المكتسبة (HIV)، بما في ذلك البدائل الرخيصة لهذه الأدوية، ضمن شرائح مرتفعة التكاليف في محاولة على الأرجح لتجنب جذب المسجلين المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة ممن قد يكلفون الكثير نتيجة لاحتياجاتهم الأخرى في مجال الرعاية الصحية. في حين أظهرت بحوث أخرى حول برنامج الرعاية الصحية أنّ الخطط الصحية تصمم كتيبات العلاجات المسموح بها بشكل منهجي لتقييد تغطية الأدوية التي يستخدمها المرضى الذين يتوقع ألا يكونوا مربحين لشركات التأمين الصحي، مثل المرضى المصابين باضطرابات متعلقة بتعاطي المخدرات ويحتاجون إلى علاجات محددة.  

قد تتفاقم المشاكل إلى الأسوأ

من المرجح أن يزداد الاختيار المعاكس سوء في أسواق التأمين تزامناً مع انتشار الطب الشخصي (حيث توزع التكاليف الثابتة لتطوير الأدوية وإنتاجها على مجموعات أصغر من المرضى، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار على مصنعي الأدوية مثل تيساجنليكلوسيل)، بالإضافة إلى قيام الجهات الحكومية العامة بتحويل المزيد من الأفراد إلى الخطط الصحية الخاصة، بدلاً من تقديم التغطية من خلال قنواتها. ويختار اليوم حوالي 10 ملايين مستهلك تلك الخطط. وغالباً ما يختار المستفيدون من ذوي الدخل المنخفض وذوي الإعاقات من بين خطط الرعاية الخاصة التنافسية التي تدار جيداً. ويختار الأميركيون المسنون والمعوقون من بين الخطط الخاصة التنافسية المتعلقة بالأدوية الموصوفة طبياً نظراً لمزاياها في برنامج الرعاية الصحية. وليس لدى أية شركة تأمين في هذه الأسواق الحافز لتوفير تغطية جيدة للأدوية باهظة التكلفة، وذلك لأن أية شركة تأمين تقدم تغطية أفضل قليلاً مقارنة بمنافسيها تصبح على الفور "شركة التأمين المفضلة" لأي شخص يتناول تلك الأدوية، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف شركة التأمين وتقليص أي أرباح قد تحققها الشركة في هذا السوق.  

وفي سوق أصحاب العمل، فإنّ الضغوط المتزايدة لخفض تكاليف الأيدي العاملة، إضافة إلى انتشار العلاجات الجديدة عالية التكلفة، تعد حافزاً ضئيلاً لأصحاب العمل لتوفير تغطية سخية لتلك العلاجات الشخصية. فإذا واجه أصحاب الأعمال مسألة إدارة تكاليف الرعاية الصحية وأصبح عليهم الاختيار بين زيادة نسب المشاركة في التأمين من جانب المؤمن عليهم (والتي من شأنها أن تؤثر على العديد من الموظفين) أو إقرار زيادة كبيرة في تقاسم التكلفة للعلاجات الجديدة عالية التكلفة (والتي من شأنها أن تؤثر على عدد أقل من الأشخاص)، فمن المرجح أنهم سيجنحون إلى هذا الخيار الأخير.

الحل: تغيير الحوافز المالية لشركات التأمين

لمعالجة هذه المسائل، اقترح البعض وضع قيود على الطريقة التي تصمم بها شركات التأمين كتيبات العلاجات المسموح بها، بما في ذلك الحد الأعلى للتكاليف الضرورية التي يتحملها المريض، وفرض قيود على قدرة شركات التأمين على مطالبة المؤمن عليه بالحصول على الإذن المسبق قبل تلقي الخدمة أو قبل صرف الدواء لخلق حواجز تحول دون الاستعمال السيء للأدوية.

قد يكون لهذه الأنواع من السياسات فعالية في الحد من تقاسم تكلفة هذه العلاجات مع المريض، إلا أنها قد تجعل من الصعب على شركات التأمين الحد من حصول الموظفين على الأدوية ذات القيمة المنخفضة بشكل صحيح. ومن حيث المبدأ، فإنّ أي قيود على تصاميم شركات التأمين لكتيبات وصفات العلاجات المسموح بها يمكن أن تحد من قدرة شركة التأمين على توجيه المستهلكين بعيداً عن العلاجات عالية التكلفة ونحو بدائل منخفضة التكلفة رغم أن لها نفس الفعالية.  

اقترح آخرون العودة إلى أقساط التأمين المصنفة حسب المخاطر، حيث يُسمح لشركات التأمين بتحصيل أقساط مرتفعة من الشخص المريض أكثر من الشخص السليم، ومن شأن هذا أن يساعد في إصلاح مشكلة حوافز شركات التأمين من خلال جعل جميع المستهلكين على نفس القدر من الجاذبية للتغطية من قبل شركات التأمين، إلا أنّ ذلك الوضع سيكون محفوفاً بالمخاوف المتعلقة بالتوزيع، حيث سيدفع المريض أقساطاً أعلى بشكل ملحوظ، وقد ينتهي الأمر بالكثيرين إلى أن يصبحوا غير مؤمن عليهم.  

وبدلاً من ذلك، فالسياسات التي نحتاج إليها لجعل التكاليف الضرورية التي يتحملها المريض أمراً يمكن السيطرة عليه ولأن تصبح العلاجات الشخصية الجديدة سهلة المنال، هي تلك السياسات التي  ستغير الحوافز المالية لشركات التأمين وتتصدي للاختيار المعاكس. وينبغي على هذه السياسات (1) الحفاظ على "التصنيف المجتمعي" لأقساط التأمين، والتي تشمل المخاطر التي يواجهها مجتمع كامل من السكان داخل منطقة معينة وبحيث يُحصّل مقدار القسط ذاته من الأفراد داخل تلك المنطقة، و(2) جعل المستهلكين ذوي التكلفة العالية مربحين بدلاً من أن يكونوا مصدراً للخسارة لشركات التأمين الصحي. لذا، يعد تعديل المخاطر وإعادة التأمين أكثر السياسات استخداماً لتحويل الحوافز المالية لشركات التأمين بهذه الطريقة، وحينما يتم استخدامها بشكل صحيح ستتمكن هذه السياسات من تحفيز الخطط الصحية لجذب المرضى ذوي التكلفة العالية ورعايتهم، بما في ذلك المرضى الذين وصفت لهم عقاقير باهظة التكلفة. وتستخدم هذه السياسات على نطاق واسع في أسواق التأمين الصحي في هولندا وسويسرا وألمانيا.  

وفي ظل تقييم المخاطر، تحول الحكومة الأموال بعيداً عن الخطط الصحية والسكان الأصحاء، وتتجه بها نحو الخطط التي تجذب المرضى ذوي التكلفة العالية وتزيل الحافز المالي للخطط الصحية لفرز الأصحاء واستبعاد المرضى. ولدينا الآن أدلة متوفرة من بيئات متعددة في سوق التأمين الصحي على أنه في الحالات التي يعمل فيها تقييم المخاطر بشكل جيد (أي عندما يؤدي تقييم المخاطر حسب العائدات التي تحصل عليها شركة التأمين لمريض بحالة معينة إلى أن تصبح قريبة من التكلفة المتوقعة لهذا المريض) يدفع المرضى تكلفة مشتركة أقل للأدوية بغض النظر عن سعر الجهة المصنعة المرتفع، وبالتالي فإنّ علاج تيساجنليكلوسيل بتكلفته البالغة 475,000 دولار أميركي لن يُعرّض المريض إلى أي ضغوط مالية.  

ومع الأسف، لا يتم حالياً تقييم المخاطر للتعامل مع التقدم في مجال الطب الشخصي ويبدو أنّ المشكلة بالنسبة لدواء تيساجنليكلوسيل وأية تقنية طبية حديثة تزيد بشكل كبير من تكلفة علاج الحالة، وتكمن المشكلة في أنّ تكاليف العلاج لم تُدرج بعد ضمن معادلات تقييم المخاطر بسبب التأخر ما بين سنتين إلى خمس سنوات للحصول على البيانات المستخدمة لمعايرة تلك المعادلات. بل والأسوأ أنها قد لا تُدرج أبداً، حيث تتجنب الحكمة التقليدية في تقييم المخاطر تضمين الأمراض النادرة في الخوارزمية.

إذا أردنا للمرضى أن يكونوا قادرين على الحصول على علاجات جديدة، ينبغي تحديث نماذج تقييم المخاطر بصورة أكثر تواتراً لدمج التطورات التكنولوجية الحديثة. كما يجب أن تقوم أنظمة الدفع الخاصة بالخطط الصحية على أكثر من تغيير تقييم المخاطر للأمراض المصنفة على نطاق واسع على أنها مزمنة (والذي تقوم به سياسات تقييم المخاطر الحالية بشكل جيد) وتوجيه مزيد من الاهتمام للأمراض الأقل خطورة التي تعالج عن طريق جلسات الطب الشخصي.  

ثمة تحول تنظيمي آخر مهم قد يمهد الطريق لتغطية تأمينية جيدة لعلاج الأمراض النادرة، وهو دعم الخطط الصحية ببرامج إعادة التأمين الإلزامية. فإعادة التأمين تصلح لمرضى الفترات الطويلة من الأفراد الذين يعد استعمالهم للأدوية أمراً غير مربح على الإطلاق للتسجيل في أية خطة صحية. لذا، من المفيد في سياق تخفيف الضغط المالي تجنب المرضى الذين لم يتم إدخال حالاتهم بعد في نظام تقييم المخاطر أو الذين انتهت صلاحية معايرة تقييم المخاطر بالنسبة لهم. وبينما تختار شركات التأمين في الغالب شراء بوالص إعادة التأمين الإلزامي من القطاع الخاص، فإنّ إعادة التأمين الإلزامي العام صاحب التصنيف المجتمعي هو الذي يضمن تجميع نفقات هذه العلاجات المكلفة من كافة شركات التأمين، وبالتالي استبعاد الحافز الذي يمنع أية شركة تأمين من تسجيل المرضى الذين سيحتاجون على الأغلب إلى تلك العلاجات.  

لا يوجد حل مثالي، فمن الصعب على المستوى الإداري إجراء التحسين المستمر لعملية تقييم المخاطر. كما يمكن لبرامج إعادة التأمين السخية أن تقضي على حافز شركات التأمين من أجل إدارة الرعاية الصحية بفعالية والتحكم في الإنفاق، لا سيما إذا ما اضطرت تلك الشركات إلى الدخول في مفاوضات تتسم بالمجازفة مع الشركات المصنعة حول أسعار قوائم الأدوية.     

ومع ذلك، فإذا لم نطور الأدوات اللازمة لجمع التكلفة المالية للعلاجات الجديدة المكلفة ونطبقها، فلن نتمكن من الحصول عليها، حتى بالنسبة للمرضى الذين يملكون وثائق تأمين سخية. ومن الأهمية بمكان أن نمضي قدماً في حل هذه المشكلة بتطوير أنظمة الدفع لخطط الرعاية الصحية بحيث نجعل شركات التأمين تتنافس لتزويد المرضى بفرص الحصول على علاجات فعالة بدلاً من تحفيزها على تجنب المرضى الذين قد تكون صحتهم في وضع خطر.  

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!